حرب غزة والصاعقة الحضارية وانتفاضة معاقل اللاهوت العلماني "الجامعات"
May 12, 2024

حرب غزة والصاعقة الحضارية وانتفاضة معاقل اللاهوت العلماني "الجامعات"

حرب غزة والصاعقة الحضارية وانتفاضة معاقل اللاهوت العلماني "الجامعات"

تكاد تكون الحرب هي لحظة الصدق الوحيدة التي يكشف فيها الغرب الكافر عن حقيقته وينزع قناع نفاقه وخداعه، فالحرب هي الزمن الاستثنائي الذي يعبر فيه الغرب الكافر بأمانة تامة وصدق خالص عن حقيقة خبث طباعه ووحشية إجرامه وعدمية فلسفته وسحق ومقت حضارته. ففي الحرب يفصح الغرب الكافر ببلاغة وبيان تامّين عن وحشيته وطبيعته الإجرامية وماديته الكافرة الفاجرة العارية المجردة من كل ذلك الزيف الإنساني والدجل الحضاري، سادية في التنكيل والتعذيب والقتل والدمار والخراب، صليبية حاقدة وبغضاء سوداء على الإسلام وأهله، عنصرية مقيتة قاتلة وتصنيف عرقي بغيض مجرم، فلا مبادئ ولا قيم ولا مُثل، هي البَربَرية والهمجية وكفى!

فالحرب هي أفعل وأبلغ المختبرات في الإخبار عن حقيقة المبادئ ومنظومة المثل والقيم، والحرب هي أقسى وأصدق الامتحانات لقيم ومثل ومفاهيم ومعايير منظومة ما، بل لأسسها المعرفية وجذرها الفلسفي. علما أن الحرب لا تنفك عن حمولتها الفلسفية ومفاهيمها الحضارية؛ فهي أداة من أدوات المنظومة في تحقيق غاياتها وليست طارئا على المنظومة أو عطبا وخللا معرفيا رغما عنها. فالنظرية العلمانية الوضعية ترى في الحرب حقا وضعيا في الدفاع عن الحقوق العلمانية الوضعية، حتى إن الفيلسوف الأمريكي مايكل والزر يطرح مفهوم الحرب العادلة ويسوغها في سياق الانتصار لشرعة حقوق الإنسان (العلمانية)، ففي كتابه "الحروب العادلة والحروب غير العادلة حجاج أخلاقي"، يبرر عدله العلماني وحق الأنظمة الديمقراطية في استخدام العنف حصريا من أجل الحقوق (العلمانية) بعد إخفاق الوسائل الدبلوماسية السلمية.

فمن العبث تصور حروب محايدة مجردة ومفرغة من حمولتها الثقافية والحضارية، فالحرب العلمانية تستدعي دوما مسوغاتها ومبرراتها العلمانية وتستخدم بكثافة مفهومي العدل والحق العلمانيين وتعتبر مخالفتهما، بمعنى انتهاك الحقوق العلمانية جريمة، وتحرك من أجل ذلك مؤسساتها وأجهزتها العلمانية التنفيذية المخصصة لهكذا أمر كمجلس الأمن وهيئة الأمم ومحكمة العدل ومجلس حقوق الإنسان، وتبرر وتسوق حربها العلمانية كإجراء قانوني يستلزم الاقتصاص من الذين انتهكوا تلك الحقوق والحرمات العلمانية.

فمبررات ومسوغات حروب العلمانية اليوم هي ادعاءاتها الزائفة المشحونة بمصطلحات الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات والقانون الدولي والسلم العالمي وتلك الديباجة من المعايير العلمانية للحقوق، والمناهضين لهذه الحقوق العلمانية هم الأعداء المجرمون. إلا أن النظرية العلمانية على فساد وبطلان فلسفتها وحقوقها العلمانية الزائفة تختلف كليا عن حقيق الممارسة العملية، فمع الممارسة العملية تختفي النظرية وشعاراتها أمام الواقع الرأسمالي الذي أفرز فلسفته ومعاييره ومقاييسه الخاصة به والمعمول بها سياسيا، والحرب هي لحظة الحقيقة العارية التي تكشف عن حقيق الممارسة وحقيق الواقع الرأسمالي المجرم القاتل وفلسفته ومعاييره ومقاييسه المعمول بها سياسيا، وهناك حروب كاشفة فاضحة لحقيقة الغرب فلسفة وحضارة، فقد كانت الحربان العالميتان الغربيتان الأولى والثانية وحرب فيتنام واحتلال العراق وحرب غزة اليوم من تلك الحروب الكاشفة الفاضحة التي تحدث صاعقة حضارية وزلزلة ثقافية وخلخلة للقناعات النمطية والمفاهيم السائدة.

لقد أفضت العلمانية الغربية إلى حروب شرسة أزهقت أرواح الملايين من الأبرياء وسوقتها كوعود بنهضة علمانية زائفة ووعدت ومنّت ضحاياها بوهم الأخوة الإنسانية والمساواة وسقيم وعقيم ديمقراطيتها وحرياتها، وهي حقيقة تسعى لتحقيق غايتها الرأسمالية في نهبهم واستعبادهم. فما الحروب العلمانية سوى حقيقة الوجه القبيح الذي تحمله حداثة الغرب وعقلانيته المتهافتة ورأسماليته المجرمة القاتلة، حين تنكبّ الآلة العلمانية المتوحشة في سحق البشر والشجر والحجر مجردة من أي قيم أم مثل أو معيارية أخلاقية، لا يحركها سوى مصالح حفنة اللصوص المتنفذين والمتحكمين في الآلة سببا وغاية.

وحرب غزة اليوم وإبادتها القائمة والمستمرة كحرب فيتنام في ستينات القرن الماضي ومحرقتها المروعة كشفت وفضحت المنظومة العلمانية نظرية وممارسة، فقد شكلت اختبارا حقيقيا للنظرية العلمانية وممارساتها العملية وأثبت الاختبار الفشل الذريع للنظرية وحقيق وحشية وهمجية الممارسة وجلى تهافت النظرية وزيف وبطلان ادعاءاتها (حقوق إنسان، حريات، سيادة الشعب، القانون الدولي...). فلقد كشفت إبادة غزة طبع العلمانية المتوحش وعرتها من ذلك القناع الذي تتدثر به لتتصنع به التطبع الأخلاقي الحضاري أمام منتسبيها ومريديها خارج نطاق الحرب.

فحرب غزة وإبادتها كشفت عن الحقيقة العلمانية الصادمة؛ أن العلمانية المادية لم تتجرد من القيم الدينية فقط بل تجردت من كل القيم والمثل والأخلاق بوصفها معايير غير مادية لا تنسجم مع الرؤية العلمانية المادية، فالمعيار العلماني المادي الوحيد هو الربح والخسارة المادية وتقاس بعدد القتلى والإبادة الجماعية وحجم التنكيل ومفعوله في العدو المفترض واحتلال الأرض ونهب الثروة وحيازتها، ما يجعل من العلمانية تهديدا مفزعا لمصير البشرية يبلغ حدود الإبادة والإفناء الجماعي.

هذا الوضع الحضاري المأساوي الذي كشفته وعرته إبادة غزة أحدث صدمة حضارية كبرى في الداخل الغربي، وأحدث صاعقة حضارية لشعوب الغرب تجاه منظومة قيمهم العلمانية وتَكَشَّفَ لهم حقيق زيف ادعاءاتها، فاتخذت شكل مظاهرات واحتجاجات شعبية واسعة في عواصم الغرب ومدنه، وخلال الأسبوعين الماضيين انتقلت هذه المظاهرات والاحتجاجات إلى الجامعات العريقة في أمريكا ثم تمددت وانتشرت إلى جامعات أمريكا وأوروبا لتصل إلى أكثر من 120 جامعة ومعهداً، وما يزيد عن 2000 معتقل، والخطير في هذا التحول هو في كون الجامعة هي النواة الصلبة للفكر والثقافة العلمانية الغربية، فنحن في قلب معمل التوليد الفكري والثقافي للنظرية العلمانية، وأي خلخلة لقلب المنظومة وعقلها هو خلخلة لذات النظرية العلمانية، فالحالة الجامعية اليوم أبعد ما تكون عن التفسير المشاعري لحركة الشعوب ومن كون ردة فعل الشعوب كانت مشاعرية آنية، أما احتجاجات وحركة الجامعات فمطبوعة مصبوغة بالتفكير، فتأتي متأنية متأخرة، فنحن في معاقل الفكر والثقافة، وهذه الحركة محصلة فكرية تتجاوز ردة الفعل المشاعرية للشعوب، وتتعمق بطبيعة انشغالاتها الفكرية في الأسباب والغايات والأهداف المعلنة والخفية والطبيعة الثقافية والفلسفية وأعطابها وخللها ما يكسبها زخما وخطورة، وهذا ما يفسر الاختلاف البين للدولة الغربية وساستها وأجهزتها والطبقة السياسية في التعامل مع احتجاجات ومظاهرات الجامعات، فحتى وقت قريب كانت الاستهانة الغربية بالمظاهرات والاحتجاجات الشعبية الحاشدة المنددة بإبادة غزة، أما مع احتجاجات ومظاهرات الجامعات فقد باتت العصا الغليظة هي لغة الخطاب وبات القمع هو الأسلوب المعتمد؛ في مناقضة سافرة لقواعدهم الدستورية وقوانينهم وادعاءاتهم الفلسفية للحقوق (حرية الرأي وحرية التعبير وسيادة الشعب ودولة القانون...)، بل ضاقت صدور المسؤولين والساسة في أمريكا وأوروبا باحتجاجات جامعاتهم معقل لاهوتهم العلماني، فقد قال الرئيس الديمقراطي، جو بايدن إنه يستنكر "الاحتجاجات المعادية للسامية" وأولئك الذين لا يفهمون ما يحدث مع الفلسطينيين، ووصف الرئيس السابق دونالد ترامب، المرشح الجمهوري لانتخابات عام 2024، الاحتجاج في الحُرم الجامعية بأنه "فوضوي". ودعا الكثير من السياسيين في أمريكا إلى استخدام القوة ضد المحتجين، وطالب عضوا مجلس الشيوخ الجمهوريان توم كوتون وجوش هاولي بنشر الحرس الوطني في جامعة كولومبيا، وكذلك فعل رئيس مجلس النواب مايك جونسون، كما أرسل حاكم تكساس جريج أبوت قوات ولاية تكساس (الحرس الوطني) لتنفيذ اعتقالات جماعية، ما أدى إلى تفريق مظاهرة في جامعة تكساس بمدينة أوستن.

وهذه الاحتجاجات والمظاهرات في الجامعات العريقة الغربية؛ هارفرد، ييل، ستانفورد، كولومبيا، جامعة جورج واشنطن في العاصمة الأمريكية، والسوربون، وسيانس بو في العاصمة الفرنسية باريس... وغيرها من معاقل اللاهوت العلماني هي بمثابة الصاعقة الحضارية الكبرى للغرب ويرى فيها ساسة الغرب تهديدا جديا للمنظومة العلمانية ودولتها الرأسمالية ومصالح الطبقة المتنفذة الحاكمة، ما يفسر ذلك القمع والقسوة في التعامل معها بالضرب والاعتقال والفصل من الخدمة والطرد من الجامعة والسجن وتهمة معاداة السامية المعلبة الجاهزة لتسويغ كل هذا الإجرام والقمع.

فهذه الاحتجاجات أسقطت الكثير من الأقنعة الفلسفية المصطنعة والمفاهيم العلمانية المعلبة الجاهزة والقوالب المعرفية النمطية الزائفة، فقد شكلت اختبارا حقيقيا للمنظومة العلمانية وبخاصة أن الاختبار تم في معاقل اللاهوت العلماني واختبره مثقفوه، بل لقد خبرت شعوب الغرب ومثقفوه نقيض ادعاءات منظومة العلمانية، فلقد أصبحت الكلمة والرأي جريمة، وأصبحت الدولة العلمانية الغربية، صاحبة الادعاء الأول في حماية الحريات والحقوق، أداة قمع لصاحب الكلمة والرأي، وهي نفسها من تنتهك قانونها الأساسي وترمي بادعاء دولة القانون والمؤسسات وراء ظهرها، فلقد خبرت شعوب الغرب ومثقفوها زيف وتهافت النظرية العلمانية وحقيق همجية الممارسة العملية، ولقد خبروا أن سيادة الشعب وحرية الرأي وحرية التعبير ودولة الحقوق والقانون والمؤسسات، هي مجرد شعارات جوفاء لاستهلاك الغوغاء، تتساقط وتتهاوى عند كل امتحان حقيقي للمنظومة، وأن الفلسفة الوحيدة والإيمان الوحيد لإدارة الدولة والمجتمع هي مصلحة عصابة الحكم المتنفذة، فهي من تحدد بوصلة ومسار وغاية الفكر والسياسة. ويزيد من حدة الصاعقة الحضارية تلك المناقضة الغارقة في الوحشية والإجرام من أن مجرد كلمة أو رأي للتنديد بإبادة أطفال ونساء غزة يعتبر جريمة ومعاداة للسامية من الدولة الديمقراطية العلمانية الغربية، بينما فعل إبادة غزة القائم والمستمر والدولة الديمقراطية العلمانية الغربية ضالعة فيه بكل ترسانتها العسكرية وغطائها السياسي هو حق في الدفاع وضد من؟! ضد شبر أرض لعزل مظلومين لقرن من الزمن ومحاصرين لعقدين من الزمن، كل ذنبهم أنهم انتفضوا ضد ظالمهم! هكذا صارت شعوب الغرب ترى الهمجية والوحشية التي أفرزتها منظومتها العلمانية اللا إنسانية البائسة، واليوم هي تكتوي ببعض نارها.

فالقضية ليست في تحليل إنسانية الإنسان الغربي، بل كل القضية هي في تحليل منظومة علمانية غربية أغرقت أهلها وأشبعتهم حتى التخمة مصطلحات مشحونة بزيف الإنسانية والهم الإنساني والمسؤولية الإنسانية والسعادة الإنسانية والحضارة الإنسانية والأخوة الإنسانية... بل وابتدعت لهم مؤخرا الديانة الإنسانية، فاستفاق أهلها على وحش في جثمان بشر لا يشبع من دماء البشر حوّل العالم إلى غابة وصيّر إنسانها مادة افتراسه. وهذه الصاعقة والصعق الحضاري ما كان ليكون لولا ذلك الثبات والصبر العقائدي اللذان لا نظير لهما في فلسفات البشر، أمام وحشية وهمجية غربية صهيونية غير مسبوقة ضد أطفال ونساء عزل فوق شبر أرض، بلغت هذه الهمجية حدودها القصوى في حرمان من بقي حياً من كسرة خبز ورشفة ماء، فإبادة غزة هي انحطاط البشرية إلى أقل من درك الحيوان، وسبب ومادة هذا التدرّك الهمجي هي منظومة الغرب العلمانية الكافرة المجرمة القاتلة، فهي مادة كل الشرور ومصنع البؤس والشقاء الإنساني.

كما أن القضية ليست في انتظار سقوط منظومة علمانية كافرة فاجرة متهالكة وحضارتها المجرمة القاتلة المتعفنة، بل القضية كل القضية في هدمها واستئصال حضارتها وإقامة صرح الإسلام العظيم وخلافته الراشدة على منهاج النبوة على أنقاضها وأنقاض دولها الظالمة وإخراج البشرية من فحمة ليلها إلى نور الإسلام وهديه.

الحق والحق ما نؤمن به معشر المسلمين أن القضية ليست قضية الإنسان الغربي في إسقاط كفره، بل إيمانا وحكما شرعيا هي قضية المسلم في هدم الكفر وإعلاء راية الإسلام، فذاك ما يقتضيه إيماننا وإسلامنا وشهادتنا على العالمين. قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾، وقال سبحانه: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مناجي محمد

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر