حرية الرأي شعار لا وجود له في الواقع
حرية الرأي شعار لا وجود له في الواقع

نقلت صحيفة سودان تربيون يوم الخميس تنديد عشرات الصحفيين في السودان بإقدام السلطات على حجب عدد كبير من المواقع الإلكترونية، وشكوا من عدم القدرة على تصفحها دون أن يحصلوا على تفسير رسمي للخطوة، والتزمت الحكومة الصمت حيال تنامي الشكاوى من مديري نحو 15 موقعاً إخبارياً قالوا إن صفحاتهم جرى تجميدها، بينما سارع النائب العام إلى تكذيب ما أشيع عن توجيهه نيابة المعلوماتية بوقف تلك المواقع.

0:00 0:00
السرعة:
July 06, 2021

حرية الرأي شعار لا وجود له في الواقع

حرية الرأي شعار لا وجود له في الواقع


نقلت صحيفة سودان تربيون يوم الخميس تنديد عشرات الصحفيين في السودان بإقدام السلطات على حجب عدد كبير من المواقع الإلكترونية، وشكوا من عدم القدرة على تصفحها دون أن يحصلوا على تفسير رسمي للخطوة، والتزمت الحكومة الصمت حيال تنامي الشكاوى من مديري نحو 15 موقعاً إخبارياً قالوا إن صفحاتهم جرى تجميدها، بينما سارع النائب العام إلى تكذيب ما أشيع عن توجيهه نيابة المعلوماتية بوقف تلك المواقع.


وبحسب تصريحات رائجة على مواقع التواصل، فإن المواقع المحجوبة متهمة بترويج الشائعات ونقل الأخبار الكاذبة، كما أن بعضها محسوب على النظام السابق، غير أن الجهات المعنية في الحكومة لم تصدر تصنيفا صريحا لهوية المواقع، كما لم تتبن قرار الإيقاف، ومن أبرز المواقع الموقوفة موقع باج نيوز، وموقع صحيفة السوداني، والحاكم نيوز، وتارا نيوز، والنورس نيوز، وخبطة نيوز، وعزة برس.


ونفت النيابة العامة ما أثير عن إصدار النائب العام المكلف مبارك محمود توجيهات بحجب المواقع الإسفيرية لبعض الجهات، وأكدت في بيان صحفي الخميس أن رئاسة النيابة العامة ومكتب النائب العام يعمل وفق الوثيقة الدستورية التي كفلت الحق في التعبير وفق ما ينظمه القانون، وقالت "إذا كان هنالك أي جهة أو نيابة قد مهرت قراراً أو أصدرت أمراً بحجب بعض المواقع أو مست أياً من الحق في التعبير فإن الطريق لمناهضة ذلك القرار أو هذا الأمر إنما هو الاستئناف وفق التدرج المنصوص عليه في لائحة تنظيم عمل النيابات لسنة 2018".


إن حرية التعبير تثبت الأحداث كل يوم أنها خرافة لا وجود لها في أرض الواقع، بشهادة معهد أنواع الديمقراطية للأبحاث التابع لجامعة غوتنبرج بالسويد في العام الماضي، بأن العديد من الدول تحولت إلى نظم حكم شامل، ذلك لأن هذه البلدان لم تكتف باستهداف الكُتَّاب فقط بصورة متزايدة، من خلال إجراءات الرقابة الرسمية، بل شملت هذه الممارسات كذلك الرسامين، الذين يحاولون من خلال رسومهم الساخرة تخطي حدود المسموح به، فها قد شهد شاهد من أهلها أن الديمقراطية ومنها حرية الرأي حين الحكم تصبح كصنم العجوة في الجاهلية يعبد ثم يؤكل!


ورغم ذلك أصبحت المواقع الإلكترونية قنوات لا غنى عنها، وهي إعلام بديل ومتنفس للكثيرين ممن لم يجد رأيهم طريقا إلى وسائل الإعلام الرسمية التي بطبيعة الحال هي تابعة لجهة ما أو مسيسة. وكم كانت هذه المواقع مجالاً يتفاخر به البعض على أنه يعد مكسباً ديمقراطياً رغم ما بها من الأخبار المضللة، ونظريات المؤامرة التي يقودها منتسبو الأنظمة الحاكمة لتلميع النظام وضرب كل من خالفهم، وللخوف من كلمة حق صادقة تغير حال العالم، تبسط الحكومات يدها على هذه المواقع الإلكترونية وتحجّم عملها، كما حدث هنا أو حتى في الدول التي تعد مراكز للديمقراطية وحرية التعبير والأمثلة كثيرة على ذلك؛ ففي ترقيع لقيم العلمانية اضطلعت ألمانيا بدور رائد على مستوى العالم في هذا الشأن عن طريق سن "قانون الحزم الإلكتروني". أما في سويسرا فلا تزال هناك حاجة ماسة إلى سن قوانين تتناسب مع مواقع التواصل بصفة خاصة. وكل دول أوروبا تتظاهر بالحرية والديمقراطية والعدالة، وتؤاخذها قطعة قماش على رأس فتاة ويجن جنونها لانتشار المساجد والمدارس الدينية!


أما صاحبة صنم العجوة أمريكا مطلع عام 2021م، فبعد إقصاء الرئيس السابق دونالد ترامب من تويتر، وفيسبوك ويوتيوب، فإن السؤال الذي طرح نفسه آنذاك هو كيف يمكن تعزيز الديمقراطية وحرية التعبير في هذا الواقع الذي يمنع فيه رئيس دولة من التعبير عن رأيه مهما كان رأيه؟ ولماذا أوجدوا سقفا للحرية وخطاً أحمر لا يتم تعديه؟!


لكن في المقابل فيما يتعلق بالإسلام تفتح كل الأبواب، ولا سقف للتعبير تحت ذريعة حرية التعبير، فلك أن تقول كل ما تريد. أمريكا نفسها التي حرمت رئيسها من التعبير عن رأيه استحسنت صفحات الفيسبوك للاحتفال بالرسوم المسيئة للرسول محمد عليه الصلاة والسلام، أو حرق القرآن الكريم، فضلا عن العديد من الصفحات الأخرى الوضيعة التي لا هم لها إلا ضرب الإسلام والمسلمين، فقد حجبت صفحات لحزب التحرير مرات متكررة لسبب واحد هو أنها تفضح زيف الديمقراطية وتتعرض للرأسمالية وجشعها ولعقيدتها الزائفة ومفاهيمها مثل الديمقراطية والحرية والعلمانية، وتعرض العلاج الناجع وهو دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة ونظامها الرباني، الذي يفضح عوار القوانين البشرية الوضعية الظالمة، والهاضمة لحقوق الإنسان وتتملق وتتظاهر بأنها عادلة.


والحمد لله أن جعل الخسران المبين هو مآل الغرب والأنظمة التابعة له في بلاد المسلمين، فقد أصبحت قيمهم مجرد شعارات كالزبد يذهب جفاء، وخسرت الدولة العلمانية المدنية معركة الشفافية وحرية التعبير، وخسارتها لمعركة كهذه ستزلزل المبدأ العلماني المخادع المعوج، الذي أثبت فشله وزيف قيمه.


واليوم حكومة السودان التي أصابها الخبل السياسي والتخبط، مثلها مثل كل حكومات العالم، تتعامل مع معارضيها بقيمها الحقيقية، من خلال الرقابة والحظر والإرهاب والقوة والقتل، فهذه هي القيم نفسها التي شاهدناها على شبكة الإنترنت في تغطية أحداث مظاهرات 30 حزيران/يونيو وما حدث للثوار يدمي القلب ومنهم من كان بالأمس رفيق الدرب في ثورة ديسمبر المخطوفة وقد اعتقلوا وضربوا بل وحلقت رؤوسهم بصورة غير إنسانية كما في حالة (كراع السرير).


لا بد أن تكون هذه الأحداث كافية لفتح عيون أولئك الذين يتشدقون بالدولة العلمانية والديمقراطية، ومنها حرية التعبير بصورة عمياء، ودون علم بواقعها، ومن الجنون أن نتوقع أي خير للبشرية من الغرب ونظرياته التي لا تقيم وزناً لقيمة إلا القيمة المادية البحتة، وعلى الأنظمة العلمانية معرفة أنّ هذه التصرفات الطفولية الغريبة لن تجبر الناس على السكوت على الظلم، أما أمة الإسلام التي تتطلع للنصر المبين على حضارة الغرب بإقامة دولة الإسلام التي عدلها عدل رباني فهي ستنتصر حتما على الزيف والخداع وتقيم العدل والإنصاف.


كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار (أم أواب)
القسم النسائي لحزب التحرير في ولاية السودان

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر