حتمية طلب النصرة
February 24, 2023

حتمية طلب النصرة

الكلمة الرابعة

حتمية طلب النصرة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا وحبيبنا محمد ﷺ،

الأحباب الكرام جميعا، الضيوف الكرام، وكذلك المتابعين الكرام في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

إن النصرة هي الطريقة الشرعية لإقامة دولة الإسلام الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، ولو لم تكن النصرة مهمة لما سمى الله سبحانه وتعالى بها الأنصار وجعلها لهم شرفاً، وعزاً في الدنيا، وذخراً لهم أمام الله سبحانه وتعالى يوم القيامة، كما أن مخالفة طريقة طلب النصرة لإقامة الدولة هي مخالفة صريحة لأحكام الإسلام.

وتأتي مشروعية طلب النصرة من أفعال النبي ﷺ وأقواله، فقد كان النبي ﷺ يطلب من القبائل بشكل واضح بعد الإيمان به أن يحموه وينصروه ليقيم الدين ويطبق الشرع ويحمله للناس، عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ e لَبِثَ عَشْرَ سِنِينَ يَتْبَعُ الْحَاجَّ فِي مَنَازِلِهِمْ فِى الْمَوَاسِمِ بِمَجِنَّةَ وَعُكَاظٍ وَمَنَازِلِهِمْ بِمِنًى يقول: «مَنْ يُؤْوِينِي وَيَنْصُرُنِي حَتَّى أَبَلِّغَ رِسَالاَتِ رَبِّي وَلَهُ الْجَنَّةُ؟» وفي رواية: «مَنْ رَجُل يُؤْوِيني عَلى أن أبلغ كلامَ رَبِّي، فإنَّ قُرَيْشاً قَدْ مَنَعُونِي أنْ أُبَلِّغَ كَلامَ رَبِّي» ابن كثير.

وكما جاء في السيرة النبوية لابن كثير، عندما عرض النبي عليه الصلاة والسلام نفسه على بني عامر بن صعصعة. قال: من أي بني عامر بن صعصعة؟ قالوا: بنو كعب بن ربيعة. قال: كيف المنعة فيكم؟ قلنا: لا يرام ما قبلنا، ولا يصطلى بنارنا. قال: فقال لهم: إني رسول الله، وآتيكم لتمنعوني حتى أبلغ رسالة ربي، ولا أكره أحدا منكم على شيء.. فقال له رجل منهم يقال له بيحرة بن فراس: والله لو أني أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب، ثم قال له: أرأيت إن نحن تابعناك على أمرك، ثم أظهرك الله على من يخالفك أيكون لنا الأمر من بعدك؟ قال: «الأَمْرُ إِلَى اللهِ يَضَعُهُ حَيْثُ يَشَاءُ». قال: فقال له: أفنهدف نحورنا للعرب دونك، فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا! لا حاجة لنا بأمرك. فأبوا عليه.

ولما عرض النبي ﷺ نفسه على بني شيبان قال له المثنى بن حارث: إن هذا الأمر الذي تدعو إليه مما تكرهه الملوك، وإنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى، ألا نحدث حدثاً، ولا نؤوي محدثاً، فإن أحببت أن نمنعك وننصرك مما يلي مياه العرب فعلنا، فقال له النبي ﷺ: «ما أسأتم الرد إذ أفصحتم بالصدق، فإن دينَ اللهِ لا ينصرُه إلا من أحاطه من جميعِ جوانبه».

ولما عرض النبي ﷺ نفسه على الأنصار قالوا: يا رسول الله، علام نبايعك؟ قال: «على السمع والطاعة في النشاط والكسل. وعلى النفقة في العسر واليسر. وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وعلى أن تقوموا في الله، لا تأخذكم في الله لومة لائم. وعلى أن تنصروني إذا قدمت إليكم، وتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنة».

وكان الأنصار يعلمون أن البيعة تعني إعطاء القوة والنصرة والحرب والقتال، فقد أخذ البراء بن مَعْرُور بيد النبي ﷺ ثم قال: "نعم، والذي بعثك بالحق نبياً، لنمنعنك مما نمنع أُزُرَنا منه، فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أبناء الحرب وأهل الْحَلْقَة، ورثناها كابراً عن كابر".

وقد أدرك الأنصار أنهم بهذه النصرة سيقيمون نظاماً جديداً للحياة يقطعون فيه كل روابط الجاهلية وعهودها ومواثيقها كما هي المواثيق والعهود الدولية اليوم التي ربط بها الكافر المسلمين ومنعهم من إقامة دينهم في الأرض بمنظماته وأدواته مثل الأمم المتحدة وصندوق النقد والبنك الدوليين والجامعة العربية والاتحاد الأفريقي، فكلها روابط مستعمر حلت محل رابطة الدين وقامت مقام دولة الإسلام، قال أبو الهيثم بن التَّيَّهَان: يا رسول الله، إن بيننا وبين الرجال حبالاً، وإنا قاطعوها - يعني اليهود - فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك، ثم أظهرك الله إن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ فتبسم رسول الله ﷺ، ثم قال: «بَلْ الدَّمَ الدَّمَ وَالْهَدْمَ الْهَدْمَ، أَنَا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مِنِّي، أُحَارِبُ مَنْ حَارَبْتُمْ وَأُسَالِمُ مَنْ سَالَمْتُمْ».

فلا يقول قائل إنه يمكن أن نقيم سلطان الإسلام عبر إقامة دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، عن طريق المفاوضات أو الحوار أو الدبلوماسية أو ما يسمى بالقوة الناعمة.. ولا يقول قائل إنه يمكن أن نصل للخلافة عن طريق تكوين المليشيات والحركات المسلحة لننتزع السلطان انتزاعا. إن طلب النصرة مع أنها الطريقة الشرعية الوحيدة لإقامة سلطان الإسلام فهي كذلك الطريقة الصحيحة لإقامة دولة الإسلام في الأرض ولا طريقة غيرها، فهي طريقة واضحة مبلورة مفصلة طبقها النبي ﷺ عملياً واستلم بها السلطان، وهي نفسها الطريقة التي يتبعها ويلتزم حزب التحرير في سيره لإقامة دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة ليرضي بها الله سبحانه وتعالى.

ولا يقول قائل يمكن أن نصل للخلافة عبر الديمقراطية أو ما يسمونها بصناديق الاقتراع، وهذه كذبة ضُللت بها الأمة فالديمقراطية نظام كفر يخالف الإسلام والديمقراطية ليست انتخاباً فقط، فالانتخاب أو الاختيار حكم شرعي يأخذ حكم الأمر الذي تم الانتخاب إليه فإن كان الأمر جائزاً جاز الانتخاب وإلا فيحرم، فلا يجوز انتخاب أعضاء برلمان ليشرعوا من دون الله تعالى بأغلبية الأصوات ولا يجوز انتخاب رئيس جمهورية يحكم بالكفر.

فالديمقراطية تعني فصل الدين عن الدولة وبالتالي عن الحياة، وأن السيادة في الدولة تكون للبشر وليس لرب البشر، هذا غير الحريات المطلقة التي تخالف مفهوم العبودية، فالنظام الديمقراطي شرٌّ دجَّن الأمة وأطرها حتى لا تخرج عن صندوق المستعمر، وقد أكدت الشواهد والوقائع أنه لن يسمح النظام الديمقراطي بوصول الإسلام إلى الحكم، ولن يسمح ببيعة شرعية لخليفة المسلمين، فقد انقلب أهل الديمقراطية عليها في كل بلاد المسلمين عندما اختار الناس من يدعو للإسلام ولو شعاراً كما في مصر، وفلسطين، والجزائر...إلخ. وفوق ذلك لم توجد لا استقراراً ولا سلاماً في بلاد المسلمين، وأكبر دليل أن يحكم الكافر المستعمر بنفسه كما في العراق حكم (بريمر) الحاكم الأمريكي فنشر في البلاد الفتنة والقتل والخراب والدمار.

وقد يقول قائل إن النصرة في هذا الزمان مستحيلة لتحكم قوى الكفر ولارتباط أبرز قيادات الجيوش بالكفار المستعمرين، فإننا نقول:

أولاً: ليس كل ضباط الجيوش في بلاد المسلمين مرتبطين بالكافر، ففيهم إخواننا وآباؤنا وأعمامنا وأهلنا، نصلي معهم ونقابلهم في المساجد ويشاركون معنا في السراء وفي الضراء، فما الأسهل لهم وأيسر نصرة دينهم أم نصرة الكافر؟!

ثانياً: المعلوم أن النُصرة حكم شرعي فهي الطريقة لإقامة الدولة، فلا بد أن تكون الطريقة من جنس الفكرة، فكما الصلاة لها طريقة لا تختلف عنها وكما أوجب الإسلام الإيمان بها كلها فكرة وطريقة، كذلك النصرة طريقة لإقامة الدولة وجب على المسلم اتباعها والتقيد بها، فطالما أنها حكم الشرع فهي حتماً طريقة ناجحة موصلة لإقامة دولة الإسلام طال الزمان أو قصر وعلى المسلم أن يؤمن بذلك، والله سبحانه لا يكلف عباده بالمستحيلات، قال تعالى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (سورة البقرة: 286).

ثالثاً: وعد الله تعالى أن من يلتزم أمره وينصر دينه فإن الله تعالى ناصره، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (سورة محمد: 7).

ثم إن هنالك تجارب معاصرة أهملت النصرة فكانت النتيجة زيادة لآلام الأمة ومعاناتها مثل:

1- وصول بعض الأحزاب العلمانية الذين ارتموا في أحضان الكافر ونصبوا أنفسهم أبواقاً للكافر ونظامه، أو وصول بعض قادة العسكر بانقلاب يقف وراءه الكافر فكلهم ارتبطوا بالكافر ونفذوا أجندته، وصل بهم الحال إلى محاربة الإسلام والتضييق على أهله.

2- وهناك بعض الحركات التي كونت المليشيات وقامت بأعمال مسلحة أصبح قرارها مرهوناً مقيداً بالداعم الذي يدفع المال ويوفر السلاح فأصبحوا عبيداً له.

3- أو الجماعات التي جعلت الطريق للتغيير عبر الأعمال الخيرية أو الدعوة إلى العقيدة والأخلاق مهملين جانب النصرة مبعدين الجانب السياسي تماماً فانتهى بهم المطاف إلى استخدامهم من قبل الأنظمة الحاكمة الذين أصبح ولاؤهم للأنظمة الحاكمة أشد من ولائهم لدينهم، مثل وجوب طاعة الحاكم وإن لم يطبق الشرع... بل وصل الحال بهذه الجماعات أن يستغلها الكافر في تنفيذ أجندته والارتماء في أحضانه مثل ما يسمى بجماعات الإسلام المعتدل كما سمتها مؤسسة راند الأمريكية في تقريرها في 2007م: (بناء شبكات إسلامية معتدلة) ما ترتب على ذلك إنشاء أمريكا علاقات معها وترتيب زيارات لهذه الجماعات وقياداتها إلى أمريكا تحت عنوان برنامج التبادل الثقافي. فكل هؤلاء أهملوا النصرة فلا هم طبقوا الإسلام وحملوه للعالم، ولا هم كفوا الأمة شر المستعمر فحموا عن بلاد المسلمين.

وحتى نحصل هذه النصرة لإقامة دولة الإسلام الخلافة الراشدة على منهاج النبوة تأسيا بالنبي ﷺ لا بد من مرتكزات:

1- لا بد من وجود حزبٍ مبدئي يحمل مبدأ الإسلام مبلوراً عقيدة وأحكاماً أفكاراً ومفاهيم في شتى مجالات الحياة للتطبيق والتنفيذ لإدارة الدولة ورعاية شؤون الناس بهذه الأفكار والمفاهيم والأحكام، حزب مبدئي يتكتل فيه رجال أكفاء.

2- الرجال ذوو الكفاية المؤمنون بهذا المبدأ والقادرون على تطبيقه وتنفيذه على الناس.

3- الرأي العام الواعي على وجوب وضرورة إقامة دولة الإسلام الخلافة.

4- القوة المادية التي تحمي هذه الدولة وتدافع عنها وتسير الجيوش لتزيل الحواجز أمام حمل الإسلام إلى العالم، وهذه تتمثل في أهل القوة المخلصين من أبناء الأمة الضباط في الجيوش في بلاد المسلمين.. فعلى أهل القوة أن ينتزعوا سلطان الأمة المغتصب من الحكام العملاء للكافرين، بأن يعطوا النصرة لحزب التحرير لتكون بيعة شرعية لخليفة راشد يقيم الدين ويسوس الناس بالإسلام، فيكونوا بذلك أنصار هذا الزمان وينالوا الأجر والشرف كما ناله الأنصار الكرام بقيادة زعيمهم سعد بن معاذ رضي الله عنهم أجمعين، وفوق ذلك كله يكونون قد التزموا بأمر الله تعالى ونالوا رضوانه سبحانه. فيا أيها المخلصون من أبناء المسلمين في القوات المسلحة أروا الله من أنفسكم خيراً.

وأخيراً لا بد أن يدرك المسلمون أنهم قوة لا يستهان بها إن هي التفّت حول قائد مسلم مخلص، فإنها قادرة على مجابهة العالم المعادي للإسلام والمسلمين، فقوة الكفر لا تساوي شيئاً أمام قوة الله إن هو نصر عباده المؤمنين. قال تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (آل عمران: 160).

محمد جامع (أبو أيمن) – مساعد الناطق الرسمي لحزب التحرير في ولاية السودان

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر