February 03, 2010

حُكَّام باكستان - تَراوحٌ بين المؤامرة والخيانة

منذ أن غزا الإستعمار بلاد المسلمين وهدم دولتهم التي سادت العالم وحكمته وأدارت الموقف السياسي الدولي بتفرد لأكثر من ألف عام، منذ ذلك الحين ضاعت إرادة الأمة السياسية، وأصبحت تُدار وتُحكم وتُساس من قبل أنظمة صنعها الإستعمار لتكون الحامي والراعي لمصالحه في بلادنا، ولتحول دون عودة السلطان للأمة والسيادة والرفعة لها، ولقد أتقنت هذه الأنظمة اللعبة، وقامت بدورها على أكمل وجه لدرجة أبهرت الإستعمار نفسه، وتيقن أنه لولا هؤلاء الحكام المجرمين لما استطاع أن يقضي على إرادة الأمة ولما استطاع أن يقهرها ويغزوها في عقر دارها، ويسرق وينهب مقدراتها وثرواتها.
وإن كل عاقل ومتتبع للأحداث السياسية يُدرك حتماً أن بلاد المسلمين من شرقها إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها، إنما تخضع فعلياً للإستعمار السياسي، وأن أياً منها غير متفرد بموقفه السياسي وغير مستقل به، وأن كل الحروب والقتل والذبح والجوع والتشريد وهتك الأعراض وسرقة الثروات والفقر الجهل والأمراض والغزو الثقافي والفكري والسياسي، كل ذلك مشاريع خطط لها وأدارها الغرب المستعمر من أوروبا إلى أمريكا، وقامت بتنفيذها الأنظمة العميلة في بلاد المسلمين المتمثلة بشخص الحكام وزبانيتهم ومخابراتهم.
وإن كل يوم يمضي على هذه الأمة وهي فاقدة لسلطانها ودولتها يزداد فيه الغرب وحشيةً وظلماً وعدواناً، وتزداد هذه الأنظمة بطشاً وقهراً وجوراً، وتزداد ولاءً لأسيادها حتى أنهم عبدوهم من دون الله.
وأصبحت مكالمة هاتفية من البيت الأبيض لحاكمٍ جبانٍ من حكام المسلمين تشعل حربا؛ً القاتل فيها ضباط وجنود المسلمين والمقتول فيها هم عامة المسلمين من أطفال ونساء وشيوخ ورجال، حرب لا تُراقُ فيها إلا دماء المسلمين ولاتُزهقُ فيها إلا أرواحهم.
كيف لا والباكستان وأحداثها أعظم مثلاً على ذلك ، فمنذ عقود طويلة والنظام السياسي في الباكستان لا ينفك يخدم أمريكا ويسهر راعياً حامياً لمصالحها في المنطقة، ولا يعصيها ما أمرته ويفعل ما يؤمر بكل خنوع وخضوع.
فمن لا ينسى يذكر تماماً كيف عمدت أمريكا لإيجاد توازن عسكري في منطقة شرق آسيا ووسط آسيا و شبه الجزيرة الهندية عن طريق تسليح باكستان بالسلاح النووي لتكون رأس حربتها المتقدم للذود عنها وعن مصالحها في مواجهة الصين والهند، ومن باب سياسة العصا والجزرة جعلهتا بمثابة العصا لترسيم حدود سياستها في المنطقة.
ومن لا ينسى يذكر تماماً كيف حاربت أمريكا الإتحاد السوفيتي بدماء المسلمين لما جعلت الباكستان تدير عمليات الدعم اللوجستي للمجاهدين في أفغانستان، وما أن انتهت الحرب مع الإتحاد السوفيتي وبدأت من جديد مع ما يسمونه «الإرهاب» أخذ حكام باكستان يقاتلون جنباً إلى جنب مع الأمريكان ضد إخوانهم الذين كانوا بالأمس أحبابهم الذين يقفون معهم ويدعمونهم لمواجهة الروس.
ومن لا ينسى يذكر تماماً كيف أمرت أمريكا عميلها برويز مشرف بتصفية قضية كشمير؛ البلد المسلم الذي ضحى مئات الألوف من أهله بدمائهم ليتحرروا من الإحتلال الهندوسي لبلادهم، فقام بقطع الإمدادات عن المجاهدين في كشمير، ووصفهم بالإرهاب،لا بل حاربهم وقاتلهم بعد أن كان يأويهم ويدعمهم في حربهم مع الهند، وكل ذلك طاعة وخضوع لسيد البيت الأبيض.
وأما بعد أحداث الحادي عشر من أيلول، أخذ ولاء حكام باكستان لأمريكا يتعاظم أكثر فأكثر، حتى أصبحوا حليف أمريكا الأول ضد أعدائها، وأخذوا يهلكون الحرث والنسل ويقتلون الناس ويشردونهم، ويديرون العمليات العسكرية والتفجيرات في صفوف المسلمين لإرضاء أمريكا بحجة أنهم يحاربون الإرهاب، مع أن من يُقتلون ويُذبحون هم أهلهم وإخوانهم وأبناء ملتهم الذين حرم الله عليهم دماءهم وأموالهم، ولكن رضا أمريكا في نظرهم أعظم من رضا الله.
وإن من أبرز ما قام به حكام باكستان في خدمة أمريكا في حربها على المسلمين ما يلي:
1ـ تقديم كل أشكال الدعم اللوجستي للجيش الأمريكي وحلف الناتو في حربهم مع المسلمين في أفغانستان، ومن بينها وضع المطارات والموانئ والقواعد العسكرية الباكستانية تحت تصرف هذه الجيوش الغازية المحتلة، بالإضافة إلى الدعم المعلوماتي والإستخباراتي، مع العلم أن الباكستان تملك الكم الكبير من المعلومات عن المجاهدين في أفغانستان تبعاً لطبيعة العلاقات الأخوية الداعمة مادياً وسياسياً للمجاهدين في أفغانستان بين الطرفين إبان فترة الحرب على الإتحاد السوفيتي.
2- السماح لمكاتب التحقيقات الأمريكية بفتح فروع لها في البلاد، فقد ذكر أنه تم فتح أكثر من أربعين فرعاً لهذه المؤسسات في الأراضي الباكستانية للعمل بشكل مباشر وقوي. ومن المعلوم لدى الجميع طبيعة نشاطات هذه المؤسسات ودورها الخبيث في خلق حالة الفوضى، فعملهم الروتيني هو خلخلة استقرار الدول ونشر الخوف والرعب بين الناس واستقطاب العملاء، وها هو العالم «المتحضر» اليوم يشهد بشاعة جرائم هذه المؤسسات الإستخباراتية.
3- السماح ببناء قواعد عسكرية وسفارات ضخمة لإدارة دفة السياسة في البلاد. وفي هذا الصدد تحدثت مؤخراً السفيرة الأمريكية في باكستان «آن باترسون» عن التقارير العديدة التي كشفت النقاب عن نية أمريكا بناء قواعد عسكرية لها داخل باكستان، ومن ضمن هذه التقارير تقرير يتحدث عن شراء 18 هكتاراً من الأراضي بسعر بليون روبية لبناء سفارة ضخمة تتسع لطاقم كبير يتعدى في تعداده الرقم المسموح به لأية سفارة وهو 350 موظفا.
ومن ضمن هذا الطاقم مئات من الجنود الأمريكان المسلحين، وقد أكدت السفيرة أن هذه السفارة ستكون ضخمة جداً وسيستغرق إتمام بنائها سبع سنوات، ومن المعلوم من السياسة بالضرورة بأن السفارات الأمريكية في جميع نواحي العالم تُستخدم كمراكز للتجسس ولإدارة عمليات سرية، فهي تدير شبكة مكونة من منظمات تعمل على خلق المآسي للناس، تمتد من أمريكا الجنوبية حتى إندونيسيا، والدبلوماسييون العاملون في تلك السفارات متطفلون على الأمور الداخلية للبلدان التي تستضيفهم، وهو ما يعتبرونه جزءً من مهامهم الوظيفية.
وقد جاء أيضا في تلك التقارير تقرير يتحدث عن بناء قاعدة عسكرية لشركة بلاك ووتر سيئة الذكر في مدينة بيشاور، وهذه الشركة أشهر من نار على علم، فالكل يعلم مدى بشاعة الجرائم التي اقترفتها في حق أهل العراق من قتل وذبح واغتصاب.
4- محاربة المفاهيم والقيم الإسلامية ومحاربة حملة الدعوة للإسلام.
ففيما يخص محاربة المفاهيم الإسلامية وكما هي عادة الإستعمار فقد قامت أمريكا بوضع الخطط والمباشرة الفعلية بترويج المفاهيم الغربية خاصة بين الأجيال الناشئة، ومن أبرز ما قامت به في هذا الشأن هو تغيير المناهج الدراسية في الباكستان ووضع مناهج جديدة تعمل على ترويج القيم والمفاهيم الغربية للأجيال الناشئة والقادمة، وهذا ما باركه بوش في أحد لقاءاته الصحفية مع برويز مشرف في آذار عام 2006م حيث قال: «أنا شاكر لجهودكم في نشر الحرية في بلادكم، وقد أطلعنا الرئيس مشرف على خطته التعليمية التي تتجلى ببعد النظر والنبوءة». وجاء على لسان «سان مكورمك» الناطق الرسمي بإسم الخارجية الأمريكية إبان ولاية بوش: «إننا أشغلنا الحكومة الباكستانية في هذا الأمر وخصوصا في الكتب الدراسية فغير مقبول ما جاء فيها».
وفي تقرير وزارة الخارجية الأمريكية الصادر في الثامن من تشرين الثاني 2005م تحت عنوان «حرية الأديان العالمي» ذكرت فيه الوزارة أن أمريكا تقدم المساعدات لوزارة التعليم الباكستانية من أجل تغيير مناهجها في المدارس، وهي تتابع ذلك عن كثب من خلال مراقبين في السفارة الأمريكية في الباكستان، وعن طريق ما تسمى بالمساعدات الأمريكية فقد أنفقت أمريكا 66 مليون دولار عام 2005م من أجل تغيير المناهج الباكستانية.
وأما فيما يخص محاربة الدعاة والحركات الإسلامية فقد قامت الحكومة بأعمال قتل واعتقال وتحقيق وتعذيب لأعضاء في جماعات إسلامية مختلفة، فبالإضافة إلى قتال المجاهدين وشن الحرب عليهم قامت بأبشع الجرائم في حق مسلمين من جماعات إسلامية أخرى، كالمجزرة التي قامت بها القوات الباكستانية في حق الطلاب من بنات وأطفال وشباب ومدرسين في المسجد الأحمر،والتي راح ضحيتها العدد الكبير من هؤلاء الأبرياء، لا لشيئ إلا لأنهم طالبوا بتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، وكذلك حربها على الجماعات المطالبة بتطبيق الإسلام كالجماعة المحمدية، وأيضاً عمليات الخطف والإعتقال والتحقيق في حق أعضاء من حزب التحرير، والذي يسعى إلى إسقاط النظام العميل في الباكستان وإقامة دولة الخلافة لاستئناف الحياة الإسلامية.
5- الحملات الدعائية والإعلامية التي يتولاها النظام الحاكم لإثارة حالة الرعب والخوف والفوضى بين الناس، وذلك لتبرير العمليات التي يشنها الجيش الأمريكي والباكستاني، كالتي يخوضها الأخير على مناطق القبائل وسوات ووزيرستان. فمثلاً بدأ نظام زرداري منذ أوائل شهر تشرين الأول 2009م بالتصريح عن ضرورة قيام الجيش الباكستاني بشن هجمات عسكرية في وزيرستان، وقد جاءت هذه التصريحات بعد شهور من حصار الحكومة للمسلمين في وزيرستان، حيث قطعت الحكومة عنهم الطعام والمواد الأساسية بعد أن تلقى زرداري الأوامر بذلك من أمريكا خلال زياراته العديدة لها، وقد تزامنت هذه التصريحات مع سلسلة من التفجيرات والعمليات الهجومية البشعة التي خَلََّفت عشرات القتلى ومئات الجرحى، وصنعت جوا من الخوف والشعور بعدم الأمان في جميع نواحي البلاد، إذ أن هذه التفجيرات إستهدفت الأماكن المزدحمة كالهجوم الذي حصل في بيشاور في التاسع من تشرين الأول، وبعده الهجوم على مقر الجيش في روالبندي في العاشر من تشرين الأول، وبعده الهجوم على قافلة تابعة للجيش في الثاني عشر من تشرين الأول 2009م، وفي أعقاب هذه الهجمات أخذ أزلام النظام «وكما فعلوا قبل شن العمليات العسكرية من قِبل الجيش الباكستاني على المسلمين في وادي سوات» بإثارة حالة الرعب والفوضى بين الناس، وذلك من خلال حرب إعلامية هدفها إقناع الناس بأن الإرهاب والتطرف بضاعة محلية من صنع باكستاني، وأن حرب أمريكا على الإرهاب حرب مشروعة، وهي ليست حربها وحدها بل حرب أهل الباكستان أيضا !!!.
وإن المتتبع لهذه التفجيرات والهجمات التي وقعت على مر السنين الماضية ولازالت تقع -ورغم أن حقيقتها قد تخفى على الكثيرين- ليُدرك أن هذه التفجيرات والهجمات النوعية والمؤقتة تبعاً لظروف سياسية محددة إنما مِن ورائها أمريكا، فهي إستراتيجية الساسة الأمريكان منذ أن بدأت أمريكا حربها على المسلمين في بلادهم، فالأسلوب في الباكستان هو نفسه في العراق وأفغانستان، والهدف هو نفس الهدف وهو إثارة النعرات الطائفية والقومية والقبلية، لكسب أناس للقتال مع القوات الأمريكية ضد الطرف الآخر، وتشويه صورة من يقاتل أمريكا باتهامه بالقيام بهذه الأعمال فيتسنى بذلك إقناع الناس بشرعية الحرب على مَن تُقاتله أمريكا مما يؤدي للتمهيد لاحتلال البلاد والبقاء بها بشكل يقنع أهل البلاد المحتلة بضرورة بقاء القوات المحتلة.
6- تسخير الجيش الباكستاني المسلم للحرب والقتال ضد إخوانه المسلمين، وجنباً إلى جنب مع القوات الأمريكية وقوات الناتو. فمنذ بدايات الحرب على أفغانستان وبعد أحداث سبتمير، بدأت أمريكا بالسعي في توريط الجيش الباكستاني بالقتال معها ضد المسلمين في أفغانستان، وذلك لتخفيف الضغط عنها في مواجهة المجاهدين، فجيش أمريكا لا يستطيع أن يخوض حرباً بنفسه ولوحده مهما تعاظمت قوته، فما فعلته أمريكا عندما شرت ذمة بعض الجماعات الأفغانية «تحالف الشمال» قبل إجتياحها لأفغانستان للقتال لصفها ضد حركة طالبان، وما فعلته لتحييد الجيش العراقي وشرائها لذمة ضباط فيه قبل دخولها بغداد، وذلك ما أكده (تومي فرانكس) قائد الحملة العسكرية على العراق لوكالات الأنباء ونُشِر في كثيرٍ من الجرائد في العالم يوم 25/5/2003م، حيث ذكرَ أن عدداً من كبار ضباط الجيش العراقي الذين كانوا يتولون الدفاع عن عدد من المدن الرئيسة في العراق قد تقاضوا رشاوى من الولايات المتحدة لمنع قواتهم من قتال القوات الأمريكية الخاصة أثناء الحرب، ومن ثم إعادة صياغة الجيش العراقي وضمِّه للجيش الأمريكي للقتال ضد جماعات المقاومة في العراق، وما فعلته أيضاً في تسخير حلف الناتو للقتال معها، كل ذلك خير دليل على عدم قدرة الجيش الأمريكي خوض حرب لوحده.
وشيئاً فشيئاً بدأ الجيش الباكستاني بالقتال الفعلي ضد الجماعات الإسلامية التي تقاوم الغزو الأمريكي، وما أن بدأت أمريكا بحربها على المسلمين داخل الأراضي الباكستانية، أخذ حكام باكستان بزج الجيش الباكستاني المسلم للقتال جنباً إلى جنب مع الجيش الأمريكي ضد إخوانه المسلمين، حتى وصلت جرأة هؤلاء الحكام بجعل الجيش المسلم يقوم وبالنيابة الكاملة عن الجيش الأمريكي في قتل وذبح إخوانه المسلمين في منطقة القبائل ووادي سوات ووزيرستان.
فأمسى القتال في باكستان -أحد أعظم قلاع المسلمين- وبسبب خيانة هؤلاء المجرمين، أن يكون القاتل والمقتول فيه هم المسلمون، وأخذت أمريكا فُسحةً من الوقت لتستريح من عناء الحرب التي أرهقتها وجيشها في أفغانستان، كيف لا تفعل وقد وجدت من يقاتل عنها، بل ويضحي بأخيه وأبيه وبنيه إرضاءً لها ؟!! .
أيها المسلمون: إن هذا الحال من الذل والهوان والذي ترزح تحته أمتنا اليوم، ما كان ليكون لولا فقدان الأمة لسلطانها ودولتها وإرادتها السياسية، وما كان ليكون لولا هؤلاء الحكام المجرمين الذين باعوا آخرتهم ودنياهم بدنيا أمريكا. اللّهم عجل لنا بالخلاص منهم وابعث فينا إماماً مخلصاً رحيماً بأمته، يقودنا لطاعتك وإقامة حكمك، وتحرير بلاد المسلمين من سطوة المجرمين المستعمرين المحتلين.

مراد المقدسي

المزيد من القسم سياسة

يا علماء الأزهر: الشام لا تنتظركم تحت راية الاستعمار!!

ذكرت جريدة اليوم السابع في 26/10/2015م، أنها حصلت على نسخة من تقرير مهم لمرصد الأزهر الشريف أكد فيه "أن التحالف مع جيوش غير مسلمة لمواجهة الجماعات المتطرفة وإن كانت مسلمة "جائزة"، ما دامت ليست من قبيل الاستعانة بالمشركين على المسلمين طلبا لخذلان المسلمين، كما ذكر أن من مقاصد الشريعة عمارة الكون ولتحقيقها تمت الاستعانة بهم في نواح عديدة، منها الإدارية والصناعية والكتابية والقتالية وغيرها، واستدل بأن الرسول r استعان حينما هاجر إلى المدينة برجل مشرك ليدله على الطريق، وكان له غلام يهودي يخدمه بالمدينة، ولما قدم إلى المدينة كتب معاهدة بين المسلمين واليهود جاء فيها: (وأن بينهم النصر على من داهم يثرب)، ولما توجه رسول الله إلى مكة عام الحديبية ووصل إلى ذي الحليفة أرسل عينا له من خزاعة يأتيه بخبر قريش، وكان ذلك الرجل مشركا"، ليختم قائلا: "أما التحالف مع غير المسلم في مواجهة جماعة متطرفة تهدد أمن المجتمعات وسلامتها فعلينا هنا أن نفرق بين من يستعين بالمشركين على المسلمين طالبا خذلان المسلمين، قاصدًا هدم دولتهم، هادفًا إلى إضعاف شوكة الإسلام، كارها مبغضا لهذا الدين وأهله، فهذه الحالة نهى عنها ربنا تبارك وتعالى بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، وبين من يفعل ذلك ردا لعدوان فئة باغية لا يستطيع رد عدوانها وحده، مع احتفاظه بسيادة دين الإسلام في بلده ظاهرا غالبا، فلا مانع له أن يستعين بغير المسلمين تحقيقا لمصالح المسلمين؛ ولضرورة أمن المجتمع وسلامته".

من الواضح جدا أن الوضع في الشام يلقي بظلاله على المنطقة كلها، وأن هناك ترتيباً وتحضيرات لكي تصبح مصر مخلبا من مخالب أمريكا في الشام بإدخالها إلى حلبة الصراع كما فعلت في ليبيا من قبل، كجزء من حلف أمريكا في حربها الصليبية الجديدة بعد أن أوشكت روسيا على الفشل، وحتى لا يغضب أبناء الكنانة لتحرك جيشهم تجاه إخوانهم في الشام، ويكون هناك مبرر لقمع من يظهر الغضب منهم، فلا بد من مبرر قوي وفتوى شرعية لخداع أهل الكنانة وأبنائهم في الجيش حتى لا يؤرقهم فيما بعد تلوث أيديهم بدم إخوانهم في بلاد الشام، وبدلا من أن يصدر مرصد الأزهر وعلماء الكنانة بيانا وفتاوى تحرم تلك التحالفات على أبناء الأمة وتجرم الدخول فيها، وتبين وجوب نصرة أهل الشام وأهل فلسطين وغيرهم ورد كيد أعداء الأمة من أمريكا ويهود والغرب الكافر، أصدر المرصد تقريرا أجاز فيه التحالف مع جيوش غير مسلمة لمواجهة الجماعات المتطرفة وإن كانت مسلمة، ما دامت ليست من قبيل خذلان المسلمين، وكأن قتل المسلمين ليس خذلانا لهم أو أنه قد أصبح أحد مقاصد الشريعة، ولا ندري من أين أتى المرصد بهذه الفتوى وما دليله عليها؟! ولا عن أي شريعة وأي مقاصد يتحدث؛ فمقاصد الشرع تحفظ النفس المسلمة لا تقتلها بتحالف مع عدو الله ورسوله وعدو الأمة، والمعلوم من قول رسول الله r «إنا لا نستضيء بنار المشركين» ورده على المشرك الذي لحق بالجيش «إنا لا نستعين بمشرك»، أما الاستعانة في الأمور الإدارية فلم يرد تحريمها، وهي تختلف جملة وتفصيلا عن الاستعانة في القتال فضلا عن قتال المسلمين، والأصل فيها الإباحة ولا يجوز قياسها على قتال أهل البغي من المسلمين بأي حال من الأحوال، فهي ليست من الأمور الإدارية وإنما هي أحكام شرعية لأفعال الأصل فيها التقيد بأحكام الشرع المستنبطة من أدلتها، وما أتى به النص الصريح هنا في قتال طائفتين من المؤمنين ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّه﴾ فالأصل في قتال طائفتين من المؤمنين أن نعمل على الإصلاح بينهما ثم يقاتل المسلمون، والمسلمون فقط دون غيرهم، الفئة الباغية طالما بقيت على بغيها حتى تعود عنه، ولا يجوز لهم أن يستعينوا بكافر على إخوانهم بعدوهم أبدا، فكما في الصحيحين «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ، كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».

وحتى نفصل في الفتوى يجب أن نستعرض واقع الأمة اليوم؛ حيث لا وجود لدولة إسلامية بالمفهوم الشرعي بل كلها بلاد إسلامية يسكنها مسلمون، يحكمها حكام ضرار مغتصبو سلطة وضعهم الغرب الكافر على رؤوس البلاد والعباد لرعاية مصالحه ولقهر الأمة واستعباد شعوبها للغرب الكافر، وكل من حاول الانعتاق من التبعية والتملص من ربقة الغرب يتسلطون عليه بسلاح ثمنه من أموال وأقوات الأمة واصفين كل من حاول الانعتاق بكل أوصاف التطرف والإرهاب والخروج.

وهنا مع هذا الواقع يكون واجب الأمة خلع هؤلاء الحكام وتنصيب خليفة واحد تكون رئاسته عامة لجميع المسلمين ويحصل الحكم ببيعة شرعية صحيحة ويحكم الأمة بالإسلام كاملا شاملا غير منقوص، ويكون له وحده حق تبني الأحكام الشرعية وسنها دستورا وقوانين، بهذا فقط يكون لدينا دولة إسلامية من حقها وحدها قتال البغاة والخارجين، أما هؤلاء الحكام وعلماؤهم وعملاؤهم فهم مغتصبون لسلطان الأمة محاربون لله ورسوله وأوليائه، وهم آخر من يقيم للإسلام وأحكامه وزنا أو احتراما في بلادنا ولا علاقة لهم لا بالشرع ولا بمقاصده، وأول من يدرك ذلك هم العلماء قبل عوام الناس من أهل الكنانة وغيرها، فلا يجوز لهم أن يبرروا ويشرعنوا خياناتهم في تجارة بالإسلام واستغلال واضح لجهل الناس بأحكامه لصالح حكام السوء ومن خلفهم الغرب الكافر عدو الإسلام والمسلمين، والذي يبررون الآن التحالف معه لوأد ثورة الأمة في الشام وغيرها، في محاولة يائسة لمنع عودة الخلافة على منهاج النبوة والتي أصبح نجمها يعلو في الأمة بعمومها والشام خاصة، والتي فضحت العملاء وعلماء السوء وأبت إلا أن تكشف كل متلون مخادع، ولن يبقى ثابتا إلا من يستحقون بحق أن يكونوا كأمثال الصحابة وأن تقام على أكتافهم دولة خلافة على منهاج النبوة يرضى عنها ساكن السماء وساكن الأرض.

يا علماء الأزهر الكرام وأحفاد العز بن عبد السلام سلطان العلماء، لا تكونوا أكثر الخاسرين فتبيعوا دينكم بدنيا غيركم، ولن ينفعكم حكام السوء أو يغنوا عنكم من الله شيئا، فكونوا مع الحق الذي تعلمون وطالبوا أهل مصر الكنانة وجيشها بخلع حكام السوء وإعلانها خلافة على منهاج النبوة، ونصرة أهل الشام وفلسطين وسائر المستضعفين من أبناء الأمة، فهذا دوركم ودورهم، فأنتم ورثة الأنبياء وهم جند الله ورسوله ودرع الأمة وحماة الإسلام فحرضوهم على نصرة الله ورسوله تفوزوا وإياهم ويكون لكم وللكنانة السبق في ركب الجنة.

يا أهل الكنانة وعلماءها وجيشها، يا من كنتم للإسلام درعا وحصنا وكان للإسلام بكم عزٌّ ومنعة من للإسلام، إن لم يكن أنتم من ينتصر لحرمات المسلمات غيركم من يحرر الأقصى دونكم، إن الأقصى والشام لا تنتظركم تحت راية الاستعمار وخلف عدو من أعداء الله ولخدمة الغرب الكافر ولفرض نفوذه ومخططاته ومنع عودة الحياة الإسلامية من خلال خلافة على منهاج النبوة، وإنما تنتظركم أنتم جند صلاح الدين تحت راية رسول الله r، تنتظركم ناصرين فاتحين محررين كما عهد بكم، تنتظركم بأسا شديدا على أعداء الله ورسوله وعزا لدينه ومددا لأنصاره، واعلموا أن نصر الله قادم لا محالة، فليكن بأيديكم أنتم وليكن لكم السبق للفردوس الأعلى مع أنصار الأمس فإنها الجنة، والأيام القادمة أيام فاصلة فانحازوا فيها لما يحب الله ويرضى وانصروا إخوانكم في حزب التحرير واحملوا معهم مشروع الأمة المنبثق عن عقيدتها خلافة على منهاج النبوة تنهي التبعية للغرب الكافر وتعيد عز الإسلام وأهله وتعيد بلادنا سيدة الدنيا كما كانت، اللهم اجعله قريبا واجعله بأيدينا.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد الله عبد الرحمن

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

نعمة الأمن والأمان في الأردن

نتغنى في الأردن بالأمن والأمان، وإذا ما تكلم بعضنا بوجوب نصرة الشام والأقصى رد علينا آخرون بقولهم أنتم تريدون إشاعة الفوضى في البلد والقضاء على الأمن والأمان، ألا ترون ما حدث لأهل سوريا ومصر وليبيا واليمن وغيرهم؟

أقول لمثل هؤلاء: إن نعمة الأمن والأمان والرخاء الاقتصادي كان يتنعم بها أهل مكة، فقد آمنهم الله من الجوع والخوف بينما كانت القبائل من حولهم يغير بعضها على بعض فيقع فيهم القتل والأسر، قال تعالى مذكرا إياهم أنهم كانوا في أمان بينما غيرهم يعيش في خوف ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ فماذا حدث لأهل مكة؟ هل استمر الأمن والأمان؟ هل حافظوا على نعمة الأمن والأمان؟ قال تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾.

أطعمهم من جوع: أمان اقتصادي... كانت خيرات الجزيرة العربية والشام واليمن تجبى إليهم في رحلتين سنويتين، رحلة الشتاء إلى اليمن ورحلة الصيف إلى الشام، وآمنهم من خوف: كانت القبائل تسعى إلى ودِّهم لأنهم أهل الحرم،كما أن الرحلة في الصحراء إلى اليمن جنوبا والشام شمالا دليل على الأمن الذي تنعَّم به تجار مكة.

ولما بعث رسول الله r إليهم طلب منهم أن يحافظوا على هذه النعمة، كيف؟

اسمعوا قوله تعالى ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ

إذن المحافظة على الأمن والأمان تكون بطاعة الله عز وجل، وتنفيذ أوامره سبحانه في الحياة العامة، في الحكم والاقتصاد والاجتماع والتعليم والسياسة الخارجية، وليس الاقتصار على تنفيذ أمر الله في العبادات والأخلاق والمطعومات والملبوسات فقط، قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً﴾ أي نفذوا أحكام الإسلام كلها، فلا يجوز أن نقصر الإسلام على جزء منه ونترك الباقي خوفا من أمريكا وأوروبا وغيرهما من دول العالم.

فحتى نحافظ على الأمن والأمان يجب تغيير الدستور إلى دستور إسلامي وتغيير النظام الحاكم من نظام علماني إلى نظام إسلامي، وأن تسترد الأمة سلطانها وتختار حاكمها لتبايعه على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله r... وفي ذلك تحقيق لعبادة رب البيت.

وأما عصيان الله وإعلان الحرب على أحكامه الشرعية فهو خسران الأمن والأمان، والحكم بغير ما أنزل الله خروج عن طاعة رب البيت، والتنسيق مع روسيا في حربها على المسلمين في الشام خروج عن طاعة رب البيت، والمشاركة في التحالف الصليبي خروج عن طاعة رب البيت، وإباحة الربا باسم الحرية الاقتصادية، وإباحة التعري والسفور والاختلاط والمثلية الجنسية باسم الحرية الشخصية خروج عن طاعة رب البيت، وترك قطعان يهود يمارسون عربدتهم في الأقصى خروج عن طاعة رب البيت، وتأييد نتنياهو في تركيب كاميرات التجسس خروج عن طاعة رب البيت، وخذلان أهل سوريا وتركهم لبشار وروسيا وإيران وحزبها في لبنان خروج عن طاعة رب البيت، وإرسال الجيش الأردني ليحارب المسلمين بدلا من توجيههم لمحاربة يهود وتحرير الأقصى وفلسطين منهم هو خروج عن طاعة رب البيت...

أهل مكة رفضوا دعوة الله فخسروا الأمن والأمان.

انقسم المجتمع إلى مؤمنين وكافرين... أصبح الأخ يعادي أخاه والابن يعادي أباه والزوجة تعادي زوجها والعبد يعادي سيده. عصا العبيد أسيادهم، وعصا الشعب حكامه، وسموا زعيمهم أبا الحكم بأبي جهل. وأمر الله نبيه والمؤمنين بتهديد أبي جهل ﴿كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ ثم أمره أن يعلن الوصف الحقيقي لأبي جهل ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ ثم يستأنف التحدي والتهديد والوعيد ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَه * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ ثم أمر رسوله والمؤمنين بعصيان الحاكم المجرم وإعلان التمرد على دستوره ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾.

لو دخل أبو الحكم في الإسلام وعبد ربَّه الذي أعطاه الأمن من الجوع والأمن من الخوف لما فرق مجتمعه، ولو آمن زعماء مكة لحققوا شرفا ما بعده شرف، ولظل ذكرهم معطراً خالدا، ولكنهم رفضوا الشرف واستغربوا وعد الرسول r بالانتصار على فارس والروم، واتهموه بالجنون، ففقدوا الأمن والأمان وقُتلوا في معركة بدر، أين هم الآن؟!.. في الجحيم والعياذ بالله وقانا الله وإياكم ذلك المصير. أما أولادهم الذين آمنوا بدعوة الإسلام فقد حافظوا على نعمة الأمن والأمان وأصبحوا قادة البشرية.

ونحن في الأردن إذا لم نعِ الدرس وندرك أن الحفاظ على الأمن والأمان لا يكون إلا بعبادة رب البيت... فسنخسر الدنيا والآخرة.. نعوذ بالله من ذلك... وها نحن نرى بعض البوادر في فقدان نعمة الأمن والأمان من انتشار العصابات والعنف في الجامعات والعشائر وفساد الدولة ونهب المال العام والفقر والبطالة... وإذا لم نعد إلى ديننا عودة حقيقية فسيستمر الخسران حتى نجد أنفسنا مشردين لاجئين كأهل البلاد من حولنا... لا قدر الله.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نجاح السباتين – ولاية الأردن