هُوِيّةٌ لدولة؟ أم دولة بلا هُوِيّة؟!
July 12, 2025

هُوِيّةٌ لدولة؟ أم دولة بلا هُوِيّة؟!

هُوِيّةٌ لدولة؟ أم دولة بلا هُوِيّة؟!

في السنة الثالثة عشرة للبعثة النبوية بايع ممثّلو الأوس والخزرج الوافدون من يثرب إلى مكّة الرسولَ ﷺ بيعةَ حُكمٍ وحرب وطاعة. فهاجر النبيّ ﷺ إليهم ليتسلّم بموجبها الحكم منهم. وبوصوله ﷺ إلى المدينة ومباشرته تدابير الحكم والسلطان قامت الدولة الإسلامية الأولى، على أساس جديد هو العقيدة الإسلامية، وشرَعَ ﷺ في رعاية شؤون رعيته بشريعة الله التي بدأت تتنزّل مع قيام هذه الدولة، بعد أن لم يكن قد نزل منها من قبل إلّا النزر اليسير. فبدأ العالم يتعرّف على دولة جديدة، ذات هُويّة حضارية جديدة، ومجتمع ذي طريقة عيش جديدة. وكانت أنظار العالم تزداد انشدادا إلى هذه الدولة كلّما ازداد توسّعها الذي بلغ في عهود دولة الخلافة الهند وتخوم الصين شرقا وضفاف الأطلسي غربا وتخوم فرنسا من جهة الأندلس. وكان من قوّة الإسلام الحضارية أن تمكّن من استقطاب ذلك العدد الهائل من الشعوب. كانت شعوبا ذات ديانات كثيرة، وثقافات مختلفة، ولغات شتّى، وتشريعات متباينة، وألوان وأعراق متعدّدة، وكانت لها طرائق عيش قدد. وبالتالي كان هؤلاء الناس متفرّقين بين "هُويّات" لا تكاد تحصى. ومع ذلك استطاع الإسلام بموافقته للفطرة الإنسانية وإقناعه للعقل أن يصهرهم جميعا في بوتقة واحدة. فهم بعد إيمانهم واعتناقهم الإسلام هجروا دياناتهم وثقافاتهم وتشريعاتهم وطرائق عيشهم السابقة، بل هجر كثير منهم لغاتهم الأصلية، وطوت حضارة الإسلام صحائف حضاراتهم السالفة، فغَدَوا أمّة واحدة، وجسّدوا حضارة واحدة، واندمجوا في طريقة عيش واحدة، واعتمدوا منظومة تشريعية واحدة هي الشريعة الإسلامية، دون أن يشكّل تعدّد أعراقهم وماضيهم التاريخي المختلف وبيئاتهم الجغرافية والمناخية المتفاوتة أيّ عائق. فكانت الأمّة الإسلامية على امتدادها الهائل هذا تُعَرَّف بهُويّة واحدة هي الإسلام. فالإسلام وحده هو هُويّة هؤلاء الناس جميعا بعد أن أصبحوا أمّة واحدة هي الأمّة الإسلامية.

فالإسلام هو الذي أعطاهم الفكرة الكلّية عن الحياة الدنيا وما قبلها وما بعدها وعن علاقتها بما قبلها وما بعدها، وهو الذي أعطاهم معنى وجودهم في هذه الحياة، وهو الذي صوّر لهم معنى العيش والغاية منه، وهو الذي عرّفهم بمفهوم السعادة، وهو الذي زوّدهم بمفاهيم الخير والشرّ ومقياس الحسن والقبح في الأفعال، وهو الذي جعلهم على شريعة من الأمر فاستغنوا بها عن شرائع المشرّعين، وهو الذي أحلّ بينهم رابطة الأخوّة الإسلامية محلّ الروابط القومية والعرقية واللغوية والوطنية والقبلية وسائر العصبيات، وكانوا بنعمة الله إخوانا. فلم يترك الإسلام مكانا بعد هذا كلّه لهُويّة أخرى غير هُويّته، فكان القرشي والأوسي والخزرجي، والأسود والأبيض، والعربي والعجمي، إذا سئل أيّ منهم عن هُويّته قال أنا مسلم.

هذه الهُويّة التي حملها المسلمون وعَرّفوا أنفسهم بها طوال مئات السنين، إلى أن اخترقت رؤوسَهم لوثةُ الحضارة الغربية. فتلوّث فريق من المسلمين بلوثة القومية الطورانية، ثمّ تلوّث آخرون بلوثة القومية العربية، فانقسم كثير منهم مع مطلع القرن العشرين إلى فريق يُعلي "الهُويّة القومية التركية" وآخر يعلي "الهُويّة القومية العربية". وبعد انهيار الدولة الإسلامية ووقوع معظم بلاد المسلمين تحت احتلال الكافر المستعمر عمَد وفق قاعدته الاستعمارية "فرّق تسد" إلى تفتيت البلاد الإسلامية، وبخاصّة بلاد العرب، إلى دويلات صغيرة. وترسيخا لهذه الدويلات المصطنعة على الأرض، وتعزيزا لشرعيتها داخل الرؤوس والنفوس، عمد إلى تأسيس "هُوِيّات" جديدة لكلّ منها تُفرّق الأمّة ذات "الهُويّة" الواحدة إلى "هُويّات" شتّى. فبعد ابتذال "الهُويّتين التركية والعربية" أتبعوها بـ"الهويّة الكردية"، و"الهويّة الفارسية"، ثم نبشوا للمصريين "الهويّة الفرعونية"، وللسوريين "الهويّة الآرامية"، وللعراقيين "الهويّة البابلية"، وللّبنانيين "الهويّة الفينيقية"، وللأكراد "الهويّة الكردية"، وللتونسيين "الهويّة القرطاجية الفينيقية"، ثمّ استفزّوا في البربر ما سمّوه بـ"الهويّة الأمازيغية". وجعل الكافر المستعمر من أعلام تلك الدويلات وما تحويه من شعارات ورموز "هُويّاتٍ بصرية" لكلّ منها، بل وزاد عليها "هُويّات سمعية" هي الأناشيد الوطنية، و"هُويّات تاريخية" إذ أنشأ لكلّ دولة تاريخا خاصا بها يَفصلها عن "هُويّتها التاريخية" الإسلامية، فنسبَ كُلّا منها إلى حضارات بائدة عبرت بلادها قبل تاريخها الإسلامي. وهكذا جعل الأمّةَ ذات "الهُويّة الواحدة" أمماً ذات "هُويّات شتّى"، وبات سجناء هذه السجون المسمّاة دولاً يعرفّ كلّ منهم نفسه بأنّه سوري أو عراقي أو لبناني أو مصري أو فلسطيني أو أردنّي، بعدما كانوا جميعا يعرّفون أنفسهم بأنّهم مسلمون "هُويّتهم الإسلام"، وبأنّهم ينتمون إلى حضارة واحدة هي الحضارة الإسلامية.

حين انطلقت ثورة الشام منذ أربعة عشر عاما رفع ثوّارها المنطلقون من المساجد شعارات إسلامية تعبّر عن "هُويّتهم" الحقيقية، وانقاد لها سائر أهل سوريا ومَن ناصرهم، وضحّوا بأرواحهم ودمائهم وأموالهم من أجلها: "هي لله هي لله"، "لا شرقية ولا غربية إسلامية إسلامية"، "قائدنا للأبد سيّدنا محمّد"، "الشعب يريد تحكيم شرع الله". وسرعان ما توارت الفصائل التي حملت عناوين وطنية وعلمانية لينقاد الثوّار للفصائل التي تعلن "إسلامية هُويّتها" وتعلن أنّ غايتها إقامة نظام إسلامي على أنقاض نظام الكفر البعثي الأسدي، وتحتضن المجاهدين من أرجاء البلاد الإسلامية الذين وفدوا مستبشرين ككثير من المسلمين في أرجاء الدنيا بقرب قيام دولة الإسلام في عقر دار المؤمنين بالشام. والفصيل نفسه الذي تولّى السلطة في دمشق عقب سقوط الطاغية كان أوّل نشأته ولسنوات عدّة أكثر الفصائل المقاتلة إعلانا للمشروع السياسي الإسلامي، بل لطالما هاجم بعض الفصائل الثورية وقاتلها تحت ذريعة انحرافها عن المشروع الإسلامي وولائها للأنظمة الإقليمية أو تعاملها مع دول كبرى. ولكنّ الصدمة كانت أنّه حين تسلّم الحكم نقض غزله من بعد قوّة أنكاثا، وانقلب على وعوده وشعاراته، وكرّس النظام العلماني، ووالى أشدّ الدول والأنظمة عداوة للأمّة، في الوقت نفسه الذي ترتكب فيه هذه الدول أبشع المجازر بحقّ المسلمين في غزّة. ومنذ أيّام أتحفنا بإعلان ما سمّاه زورا بـ"الهُويّة البصرية" لسوريا الجديدة. فما دلالة هذا الإعلان؟

لقد كان أهونَ وأخفّ وطأةً لو أنّ إعلان هذا الشعار الجديد خلا من مصطلح "الهُوِيّة". فاعتماد مصطلح "الهُويّة" لم يأت عبثا، وإنّما جاء يحمل دلالات غاية في الخطورة. إذ إنّه جاء ليقطع الطريق على إعلان "الهُويّة" الحقيقية الوحيدة لأهل سوريا وسائر المسلمين في العالم كلّه، فضلا عن أنّه مُرّر اتّكاءً على عدم إدراك عامّة أهل سوريا وعامّة المسلمين في العالم لدلالة هذا المصطلح: "الهُويّة".

إنّ "الهُويّة" مصطلح معاصر، بموجبه عُرّفت بأنّها "الخصائص والسمات والمعتقدات والقيم المميّزة التي تُعَرِّف الشخص أو المجموعة، وتشكّل تفرّدهم وإحساسهم بالذات". وعرّفها الشريف الجرجاني في كتابه التعريفات بأنّها "الحقيقة المطلقة المشتملة على الحقائق اشتمال النواة على الشجرة". وعليه فإنّ "هُويّة الدولة" إنّما تتكوّن من: العقيدة التي قامت على أساسها، ووجهة نظرها في الحياة، والحضارة التي تنتمي إليها، والأمّة التي تمثّلها، ونظامها التشريعي الذي ينظم علاقات الناس فيها، والرسالة التي تحملها إلى البشرية. وإنّ هذه "الهُويّة" لا يُعبَّر عنها بصورة طائر من الطيور. وأنكى من ذلك أن تُشرح الرموز التي تضمّنتها هذه الصورة شرحا يصرف الأذهان عن "الهُويّة الإسلامية". فالنجوم الثلاث هي نجوم العلم السوري الوطني القُطري الذي أقرّه المفوّض السامي للاحتلال الفرنسي هنري بونسو سنة ١٩٣٢م. وسائر رموز الشعار ترمز إلى الجهات الجغرافية لهذه الدولة القُطرية، وإلى تقسيماتها الإدارية، أي محافظاتها! وإنّه لأمر سخيف جدّا أن يُعدّ التقسيم الإداري لدولة ما جزءا من "هُويّتها"! والأخطر في توصيف هذا الشعار هو ما صرّح به حاكم الدولة في خطابه في حفل إعلان هذه "الهُويّة" المزوّرة.

أهمّ ما ورد في خطاب حاكم سوريا الجديد وأخطره هو عَزْو "هُويّة" أهل سوريا إلى حضارات ما قبل الإسلام بآلاف السنين! وعليه فحضارتهم ليست الحضارة الإسلامية، و"هُويّتهم" ليس منطلقها الإسلام، وإنّما "هُويّتهم" نتاج حضارات شتّى تعاقبت على أرض الشام منذ آلاف السنين، دونما التفاتٍ إلى "هُوِيّات" هذه الحضارات الدينية والعقدية والثقافية والتشريعية... فالهُوِيّة في نظره "هُويّة جغرافية تاريخية"، حصّة الإسلام وثقافته وتشريعه فيها أنّها إحدى حلقاتها وبعضٌ من مكوّناتها لا أكثر ولا أقلّ، وما يؤكّد هذا المعنى تعابيره المختارة بعناية عن "سوريا عبر التاريخ"، و"تنوّعها الثقافي"، و"شخصيّة سوريا"، بدلا من أن يكون الإسلام هو "هُويّتها وثقافتها وحضارتها وشخصيّتها". ثمّ إن تكرار تعابير من مثل "الشعب السوري" وأن "الهُويّة الجديدة" هي "هُويّة هذا الشعب" تأكيد آخر على "هُويّة خاصّة" بأهل سوريا من دون الناس، مع أنّ الله تعالى قضى ونبيُّه ﷺ أنّ المسلمين جميعا أمّة من دون الناس. فـ"هُويّتهم" واحدة هي "الهُويّة الإسلامية"، و"شخصيّتهم" واحدة هي "الشخصيّة الإسلامية"، وإذا قامت لهم دولة في قطر من الأقطار وجب العمل على إلحاق سائر الأقطار بها ليكون المسلمون جميعا أمّة واحدة، في دولة واحدة وتحت راية واحدة.

ومن أخطر المصطلحات التي وردت في خطاب حاكم سوريا تعبير "الإنسان السوري"! فهذا تعبير من أخطر التعابير التي يأباها حتّى كثير من المثقّفين والسياسيين العلمانيين والغربيين. فهذا النوع من التعابير إنّما يعتمده العنصريون العِرقيون والقوميون الذين يصنّفون الناس وفق انتماءاتهم العنصرية. فهو تعبير النازيين الذين تكلّموا عن "الإنسان الآري الأرقى"، وتعبير الصهاينة الذين يتكلّمون عن العبرانيين شعب الله المختار! فهل خلق الله سبحانه إنسانا سوريا وآخر لبنانيا وآخر فلسطينيا وآخر أردنّيا وآخر عراقيا...؟! أين حاكم سوريا من قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾، ومن قول النبي ﷺ: «يا أيُّها النَّاسُ، ألَا إنَّ ربَّكم واحدٌ، وإنَّ أباكم واحدٌ، ألَا لا فَضْلَ لِعَربيٍّ على أعجَميٍّ، ولا لعَجَميٍّ على عرَبيٍّ، ولا أحمَرَ على أسوَدَ، ولا أسوَدَ على أحمَرَ إلَّا بالتَّقْوى...»؟!

الحقيقة أنّ حاكم سوريا حين قال إنّ "هُويّة دولته" تَستمدّ سماتها من الطائر الجارح كان صريحا بأنّه أراد لدولته أن تكون "بلا هُويّة". فلم تُعرِّف دولةٌ يوماً "هُويّتها" ولا "هُويّة شعبها" بتعريفات من مثل: القوّة، والعزم، والسرعة، والإتقان، والبصر الحادّ، والقنص الذكيّ، والابتكار في الأداء، والمناورة البارعة، والسباحة في الفضاء، والتحليق في العلياء، والمهارة في الصيد، واحتراف الانقضاض، وحماية الأهل، والمعدن النقي الصافي! بل بمنتهى الصراحة؛ لو قرأ جاهليٌّ كعنترة بن شدّاد وحاتم الطائي وسيف بن ذي يزن هذه الصفات لوجدها أصدق تعبير عن صفاته وصفات كلّ عربي شهم ذي مروءة من عرب الجاهلية قبل نزول الوحي على خاتم النبيّين ﷺ. فإذا كانت هذه هي "الهُويّة" فمن أجل ماذا بعث الله تعالى نبيّه ﷺ؟ ومن أجل ماذا أقام ﷺ دولة ذات "هُويّة" أجلّ وأعزّ وقاتل بها عرباً حَوَوا في معدنهم عناصر "هويّتكم" الفارغة هذه، ثمّ قاتل دولا ذات "هُويّات" شتّى لإعلاء "هُويّة" واحدة في أرض الله، هي "الهُويّة الإسلامية"؟! أم تراكم نسيتم قول الله تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ﴾؟! إنّا لله وإنّا إليه راجعون.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أحمد القصص

عضو المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر