December 26, 2013

هوية مصر الحقيقية تكمن في الإسلام

في خضم الأحداث التي تمر بها أرض الكنانة، يبرز بوضوح سؤال في غاية الأهمية، وهو: ما الذي نعيشه هذه الأيام؟ هل نعيش أزمة هوية؟ لقد أطل علينا حزب النور مفتخرا بأنه بمشاركته في لجنة الخمسين التي وضعت أو "عدلت" الدستور قد استطاع بعون الله - حسب ادعائه - أن يحافظ على مواد الهوية. فما هي مواد الهوية تلك التي يتحدث عنها حزب النور؟ وهل حافظ عليها بالفعل؟ وهل كانت تلك الهوية مهددة بالفعل أم كانت موجودة وخارج نطاق النقاش أصلا؟


فلنذهب سويًا في رحلة قصيرة لنستكشف دساتير مصر التي وُضعت بعد أن انفصلت مصر عن جسم الخلافة العثمانية باعتبارها الخلافة الإسلامية الأخيرة، والتي هُدمت كليا على يد مجرم العصر مصطفى كمال، هذه الرحلة مهمة جدا لنرى هل يمكن الاحتفاظ بهذه الهوية في ظل أنظمة مخالفة لنظام الحكم في الإسلام، كالنظام الملكي أو النظام الجمهوري أو في ظل الحديث عن الديمقراطية.

تعريف الهوية:


هوية أي كيان هي مجموعة الخصائص والصفات التي يُعرّف بها هذا الكيان نفسه، ويعرفه بها غيره، وتظل حاضرة في شعوره، وتمثِّل الأساس الأول بل والوحيد لعقيدته وأخلاقه وسلوكه وتعاملاته. فالمجتمع ككل لا بد له من هوية، تكون أولاً بمثابة القاعدة التي يستند إليها هذا المجتمع، ومرجعيته العليا، وتكون ثانيا المنبع الذي يستقي منه المجتمع ملامح شخصيته المتميزة المستقلة التي ترفض الذوبان في غيره، وتكون ثالثا الحصن الحصين الذي يحتمي فيه أبناء المجتمع، والرباط المتين الذي يضمُّهم، فنصف هذا المجتمع بأنه مجتمع رأسمالي أو مجتمع اشتراكي أو مجتمع إسلامي بحسب العلاقات الدائمية بين أفراده والنظام المطبق عليهم..، فلا عجبَ إذنْ أن تحرص كلُّ أمة على تأكيد هوِيّتها والاعتزاز بها والتصدي بحزمٍ لمحاولات مسخها أو طمسها. ولذا فإن الهوية تتشكل من المبدأ الذي آمن به غالبية أفراد المجتمع، ومنه تشكلت مقاييس وأفكار ومفاهيم وقناعات الغالبية العظمى من أفراد المجتمع، ويظل الدين هو الرافد الأكبر، لا سيما إذا كان جامعا لكل مناحي الحياة.


ومن هنا ظلت الهوية الإسلامية جزءًا أصيلًا وموروثًا من تاريخ مصر، الذي مضى عليه أكثر من أربعة عشر قرناً، لدرجة قطعت الهوية الإسلامية لمصر كل صلة لها بأي تاريخ سابق على الإسلام، ولم تبرز هوية أخرى لها في ظل الحكم الإسلامي الذي استمر قرونًا عدة، ولم تبرز فرعونية مصر التي يُتغنى بها اليوم، إلا بعد مجيء الاستعمار الذي عمل وبجد منقطع النظير على طمس الهوية الإسلامية لمصر، كما لم يكن مطروحا ما يسمى بعروبة مصر إلا مع المد القومي العروبي لفصل البلاد العربية عن جسم الدولة الأم دولة الخلافة، بتخطيط من الدول الاستعمارية كذلك، ثم انحسرت فكرة العروبة لتشهد طفرة مؤقتة في عهد جمال عبد الناصر، حيث استُغلت هذه الفكرة أمريكيًا كأرضية جامعة لطرد النفوذ البريطاني من المنطقة (الاستعمار القديم) ليحل محله النفوذ الأمريكي (الاستعمار الجديد)، وبعد جمال عبد الناصر انحسرت الفكرة القومية نهائيًا بعد فشلها في تشكيل دولة جامعة للعرب، فلم تخلف سوى نظمٍ قمعية بوليسية تسوم شعوبها سوء العذاب!


دساتير مصر:


كان دستور 1923 الذي يتكون من 170 مادة أول دستور لمصر، أُضيفت إليه مادة سميت بعد ذلك "مادة الدين"، وُضعت هذه المادة في نهايته (المادة 149) حيث جاء فيها: "الإسلام دين الدولة واللغة العربية لغتها الرسمية"، ثم خلا منها دستور 1930. ولكن دستوري 1954 و1956 أعادا نص مادة الدين تلك التي كانت في دستور 1923 وتقول "الإسلام دين الدولة واللغة العربية لغتها الرسمية".


وفي دستور 1971 نصت المادة الثانية على أن "الإسلام دين الدولة. واللغة العربية لغتها الرسمية. ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع". وهذا يعني أن هذه المادة التي يتشدق بها حزب النور أنه نجح في الحفاظ عليها كانت موجودة في الدساتير السابقة ولم تكن أصلاً موضع جدل. ولنا هنا أن نتساءل ما الذي تغير في مصر بعد أن أضيفت مادة الدين تلك في دستور 1923؟ وهل أضافت جملة "مبادئ الشريعة..." في دستور 71 أي جديد إلى مصر؟ الواقع أن شيئا لم يتغير، وظلت مصر دولة بلا هوية، رغم أن الإسلام كامن في أعماق شعبها وفي كل مفاصل حياته، إلا أنه لم يكن له أثر يذكر في نظامها السياسي ولا في علاقاتها الخارجية. وفي نظامها التعليمي تم إبرازه بشكل كهنوتي روحي في مادة الدين التي لا تقدم ولا تؤخر في مجموع درجات الطالب. وظل وجوده قاصرا على قوانين الأحوال الشخصية التي لم تسلم من التلاعب بها في ظل حكم سوزان مبارك.


هوية مصر في دستور 2012 ودستور 2013:


في دستور 2012 تم الإبقاء على المادة الثانية من دستور 71 كما هي، ولكن وُضعت مادة تفسيرية لها وهي المادة 219 التي عرّفت كلمة مبادئ الشريعة الإسلامية بأنها "تشمل أدلتها الكلية، وقواعدها الأصولية والفقهية، ومصادرها المعتبرة، في مذاهب أهل السنة والجماعة"، وبرغم أن هذه المادة التفسيرية وُضعت من قبل الأزهر وحظيت بموافقة ومباركة حزب النور الذي اعتبرها حينها نصرا عظيما له في مواجهة حزب الحرية والعدالة الذي كان يرى أن نص المادة الثانية يكفي، لا سيما أنه يتضمن حسب رأيهم الأحكام القطعية الثبوت والدلالة...، وهو نفس الحكم الذي أخذت به المحكمة الدستورية عام 1996م إبان حكم مبارك، إلا أنها - أي المادة التفسيرية - أثارت اعتراضات كثيرة في حينها من القوى العلمانية والكنيسة، مما أدى إلى انسحابهم من الجمعية التأسيسية.


هذه المادة التي قاتل من أجلها حزب النور في دستور 2012 كان من المفترض أن تشكل بالنسبة له على الأقل "مادة فوق دستورية" لا يجوز المساس بها، فهي جزء أصيل من "مواد الهوية" على حسب تعبيره، والتي صدّع بها رؤوسنا بأن العناية الإلهية قد اختارته للحفاظ عليها، فإذا به يتخلى عنها بمنتهى البساطة! وإذا به يقبل بحل وسط، تم بموجبه الاتفاق على حذفها والاكتفاء بالإشارة في الديباجة إلى تفسير المبادئ بأنها ما تضمنه مجموع أحكام المحكمة الدستورية العليا في ذلك الشأن، فلماذا رفض حزب النور هذا التفسير في دستور 2012 وقبل به في دستور 2013؟!


والغريب أنه تم الاقتصار في مقدمة الديباجة على أن مصر عربية، وفي المادة الأولى الخاصة بهوية الدولة تم النص على أن "... الشعب المصري جزء من الأمة العربية يعمل على تكاملها ووحدتها، ومصر جزء من العالم الإسلامي"..، وواضح أن هناك اعترافا بالأمة العربية دون الاعتراف بالأمة الإسلامية، فالمادة قالت العالم الإسلامي ولم تقل الأمة الإسلامية. علما بأن مفهوم الأمة الإسلامية هو صلب الهوية التي تم محوها من دستور مصر، والذي برغم ذلك ما زال حزب النور يخادع ويضلل قاعدته بأنه حافظ عليها، وهو الآن يقوم بحملات ترويجية لهذا الدستور، ويعقد الندوات والمؤتمرات في ظل حراسة الجيش والشرطة.


كذلك أُلغي النص الخاص بأخذ رأي الأزهر في القضايا المتعلقة بالشريعة الإسلامية، رغم أن نص المادة الرابعة في دستور 2012 يشير إلى أخذ الرأي فقط، وليس وجوب الأخذ به، إلا أن القوى العلمانية أصرت على حذفها، على اعتبار أن أي رأي يتعلق بالشريعة من اختصاص المحكمة الدستورية وحدها، فرضي بذلك الأزهر وباركه حزب النور المدافع عن الشريعة والهوية زورا وبهتانا.


كما لاحظنا إلغاء كلمة الشورى الواردة في نص المادة 6 من دستور 2012 التي تقول "يقوم النظام السياسي على مبادئ الديمقراطية والشورى" والاكتفاء بكلمة الديمقراطية، برغم أننا نعرف أن كلمة الشورى في دستور 2012 لا قيمة حقيقية لها، فكانت لمجرد ذر الرماد في العيون، لكن من الواضح أن الأصابع العلمانية التي كتبت الدستور أصرت على محوها، وإن كان الإبقاء عليها لا يقدم ولا يؤخر، إمعانا في رفضهم لمجرد وجود مصطلح إسلامي في الدستور، وما زال حزب النور يحدثنا عن مواد الهوية...


لقد كان حزب النور في هذه اللجنة بمثابة (المحلل) لهذا الدستور كما يصفه البعض، وكان ينبغي عليه الانسحاب من اللجنة من أجل تعريتها، كما ينبغي عليه أن يعلم أن هوية مصر لا يمكن الحفاظ عليها من خلال المشاركة في وضع دستور علماني لمصر، حتى لو نجح في الإبقاء على المادة 219 أو غيرها مما يسميه مواد الهوية التي لا تسمن ولا تغني من جوع، فالمشكلة هي في هذا الدستور الجمهوري الديمقراطي العلماني أساساً، وليس في هذه أو تلك المادة فيه! وهو حتى لم ينجح في ذلك!


إن الذي يحافظ على هوية مصر هو أن تكون العقيدة الإسلامية هي أساس الدولة، بحيث لا يتأتى وجود شيء في كيانها أو جهازها أو محاسبتها أو كل ما يتعلق بها، إلا بجعل العقيدة الإسلامية أساساً له. وتكون في الوقت نفسه أساس الدستور والقوانين الشرعية، بحيث لا يُسمح بوجود شيء مما له علاقة بأي منهما إلا إذا كان منبثقاً عن العقيدة الإسلامية. وهذا لا يمكن أن يحدث في ظل نظام جمهوري ديمقراطي كما تنص المادة الأولى، لأن نظام الحكم في الإسلام الذي ارتضاه رب العالمين لهذه الأمة وأكدت وجوبه الأدلة الشرعية هو نظام الخلافة الذي يشكل بحق هوية الأمة الحقيقية، والذي سعدت الأمة به وعاشت في ظله أكثر من ثلاثة عشر قرنا من الزمان.


نحن لسنا مخيرين بين دستور يحافظ على الحد الأدنى من الهوية أو دستور فيه مادة تفسر لنا كلمة مبادئ، بل الواجب هو أن يكون دستورنا دستورا إسلاميا محضا، فالإسلام هو عقيدة هذه الأمة، وهو يعبر عن هويتها الثقافية والحضارية وتراثها الفقهي والتشريعي، والأمة تحيا به كل يوم، وتسمع أحكامه ومواده في كل مكان - لا في قاعات المحاكم فحسب كما هو الحال في النظم الجمهورية والقوانين الوضعية، بل هي تراه حيّاً في كل مفصل من مفاصل حياتها، وتسمع به على المنابر وفي المدارس والجامعات وفي المنتديات، فهو في حلها وترحالها حاضر بكل قوة، فكيف نأتي بعد كل هذا في محاكمنا بقوانين وضعية جامدة لا حياة فيها مقطوعة عن وجدان الأمة؟! أو نقبل بدستور يحاول من غَرَّهُ حلمُ الله عليه أن يسوقه لنا بدعوة واهية اسمها الحفاظ على مواد الهوية.


هذه هي هوية الأمة الحقيقية يا أهل مصر الكنانة، مصر التي فتحها عمرو بن العاص، مصر التي أرسلت قافلة أولها عند الخليفة عمر بن الخطاب في المدينة المنورة وآخرها هنا في مصر فأنقذت الأمة الإسلامية في عام الرمادة، وأنتم والله أولى الناس بإقامة الخلافة في أرضكم لتكون القاهرة حاضرتها ومصر حاضنتها، فأنتم أحفاد الأتقياء الأنقياء الأقوياء الذين جاهدوا في الله حق جهاده، أحفاد فاتحي الأندلس وناشري الحضارة الإسلامية فيها، أنتم من يعيد مجد الناصر صلاح الدين قاهر الصليبيين، وقطز وبيبرس قاهرَيِ التتار. فكونوا سباقين لإقامة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة على أرضكم، ليتحقق على أيديكم وعد ربكم، وبشرى رسولكم، لتحد الحدود وتفتح الفتوح وتحفظ بيضة الإسلام، فتحفظوا لمصر هويتها الحقيقية!


﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: 153]

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
شريف زايد
رئيس المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر