حي على الصلاة.. لكن بدون.. حي على الفلاح!!
March 08, 2018

حي على الصلاة.. لكن بدون.. حي على الفلاح!!

حي على الصلاة.. لكن بدون.. حي على الفلاح!!

إذا ذكرت الحكام والدولة ونظام الحكم والسياسة انتفض من حولك من بهم شبه المسّ من الجن إذا سمعوا الحديث في السياسة؛ وصرخوا في وجهك.. "لا يجوز الخروج على الحكام.. وإن جلدوا ظهرك وأخذوا مالك.. ما أقاموا فيكم الصلاة..".

وهنا لا أدخل في تفصيل موضوع الخروج على الحكام الذي لا يكون شرعا إلا في حق الحكام الذين بايعتهم الأمة بيعة شرعية على الكتاب والسنة، أما الحكام الحاليون فلا ينطبق عليهم هذا المفهوم لأنه لا توجد بيننا وبينهم بيعة شرعية ولا هم يطبقون علينا الكتاب والسنة حتى نقوّمهم ونصلحهم بالنصح أو بالسيف. فهؤلاء يجب قلعهم من أصولهم وبتر جذورهم...

ولا أتكلم كذلك عن موضوع السمع والطاعة للحاكم الشرعي الذي يظلم الناس ويتعدى على حقوقهم الشخصية. فتلك مظالم في حق الأفراد وليس في حق الإسلام وشرع الله...

ولا أتحدث أيضا عن الكفر البواح الذي يظهر من الحاكم الذي يطبق شرع الله ثم تأخذه العزة بالإثم فيقتبس من شرعة الكفار حكما ويطبقه علينا، ولنا عليه دليل من الكتاب والسنة أنه من أحكام الكفر - كفر بواح - فيجب حينها ردعه ونهيه ليرجع عنه وإلا عزلناه فإن أبى قاتلناه بسيوفنا...

لا أتحدث عن ذلك كله لأن هذه المحاور تحتاج إلى تفصيل مطول في الشرح والبيان، ولكن دعنا نقف مع هؤلاء على نقطة: "ما أقاموا فيكم الصلاة".

وبالطبع الذين يقولون بهذا يجهلون أن جملة "ما أقاموا فيكم الصلاة" كناية عن إقامة الدين وذلك من باب تسمية الشيء بأبرز ما فيه، ولكن دعنا نتجاوز التفصيل في هذه النقطة ونأخذها عنهم بفهمهم البسيط لمعنى "إقامة الصلاة".

فكون المآذن تنادي "حي على الصلاة" والمساجد مفتوحة وتقام فيها صلاة الجماعة فذاك حجة كافية يدفعون بها الشبهة عن الحكام إذ لم يظهر عليهم - الكفر البواح - بمنع الآذان وغلق المساجد وإقامة الصلاة. وبناء على هذا فإن الدولة في نظرهم دولة إسلامية والحاكم لم يكفر.. هكذا بكل سذاجة وبساطة وسطحية في الفهم!!

لكن النقطة التي غفلوا عنها من وراء جملة "حي على الصلاة" هي الجملة التي تتعلق بـ"حي على الفلاح"!

فالفلاح في الإسلام لا يقتصر على أداء الصلاة وحسب وإنما يتعلق بالحياة ككل دون تمييز بين ميدان وآخر. أي بين ميدان العبادة وميدان الحياة العامة بمختلف مناحيها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية...

يقول صاحب التحرير والتنوير - رحمه الله - في تفسيره للآية الكريمة من قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ "افتتاح بديع لأنه من جوامع الكلم فإن الفلاح غاية كل ساع إلى عمله، فالإخبار بفلاح المؤمنين دون ذكر متعلِّق بفعل الفلاح يقتضي في المقام الخطابي تعميم ما به الفلاح المطلوب، فكأنه قيل: قد أفلح المؤمنون في كل ما رغبوا فيه.

ولما كانت همة المؤمنين منصرفة إلى تمكن الإيمان والعمَلِ الصالح من نفوسهم كان ذلك إعلاماً بأنهم نجحوا فيما تعلقت به هممهم من خير الآخرة وللحق من خيْر الدنيا، ويتضمن بشارة برضا الله عنهم ووعداً بأن الله مكمل لهم ما يتطلبونه من خير". [التحرير والتنوير شرح سورة المؤمنون].

من هنا نفهم أن الإيمان غير مقتصر على المساجد، بل المؤمن يُسيّر حياته كلها بمقتضى هذا الإيمان...

ولما نقول حياته نقصد بذلك كل جانب منها، أي ما كان متعلقا بذاته كفرد من حيث العبادة والأخلاق والطعام والشراب واللباس، وما كان متعلقا به وبغيره من الناس من معاملات - وما أكثرها وما أعقدها - فالمؤمن وهو يخوض غمار الحياة ليس له من قدرة على اعتزال الناس نهائيا، فهو جزء من الكل وفرد من أفراد المجتمع والرعية، أي خاضع للعلاقات التي يسير عليها المجتمع، وخاضع كذلك للأحكام التي تطبقها عليه الدولة، والمؤمن هو المؤمن في كل الحالات، سواء أكان داخل المسجد يؤدي صلواته أم خارجه يعيش بين الناس ويتبادل معهم المصالح والمنافع، وعليه أن يلتزم في ذلك كله بمقتضيات الإيمان والفلاح.

فالنداء من فوق الصوامع لأداء الصلاة في أوقاتها واقترانه بالفلاح يعني هذا الذي ذكرناه وزيادة.

لكن الدولة القومية القطرية التي تطبق علينا شرعة الكفار - التي دخلت ديارنا عن طريق المستعمر الكافر، ثم سكنت في عقولنا عن طريق الثقافة ومناهج التعليم - تريد منا أن يبقى الإسلام حبيس المساجد ولا يتعدى جدرانه، وتمنع علينا مزج الدين بالسياسة وتحرم علينا النشاط السياسي والانخراط في الأحزاب السياسية. وبالتالي تقول لك بلغة العصا والقمع البوليسي لا شأن لك بموضوع الحكم والسياسة، ولا دخل لك بالنظام الاقتصادي الذي تسير عليه الدولة إن كان رأسماليا أو اشتراكيا، ولا تُبدِ رأيك في البنوك الربوية المزروعة في كل مكان، ولا تبحث عن حكم الضرائب والمكوس في الإسلام، ولا شأن لك كذلك بسياسة التعليم والمناهج التي تبنتها الدولة وتربي عليها أبناؤك، ولا دخل لك في النظام الاجتماعي وما تقرره الدولة، ولا تتكلم عن القضاء والعدالة، وأشدهم تحريما عليك هو الحديث في علاقة الدولة بالدول الأجنبية الاستعمارية الكافرة وحماية مصالحها في بلادنا والتفويت لها في ثرواتنا، وحتى مسألة التطبيع مع كيان يهود لا دخل لك بموضوعها، فكل ذلك ومثله نار محرقة إذا اقتربت منها أحرقك الحاكم بها.

هذا هو الذي يريدونه من وراء بقاء المساجد مفتوحة تؤدى فيها صلاة الجماعة والجُمعة والأعياد، ولكنها تحت مراقبة الدولة وخطيب الجمعة مرتاح من تجهيز الخطبة لأنها تصله من أجهزة المخابرات جاهزة ومكتملة الشروط ومختومة بالدعاء لولي الأمر - طال عمره - صاحب النعمة والفضل على عبيده الذين يسبحون بحمده!!

والذي نستغرب له من وراء هذا كله أن هذه الأمة العزيزة الكريمة التي أكرمها الله بنعمة الإسلام العظيم ما زال فيها من يفكر بهذا التفكير العقيم وينظر للواقع المتأزم نظرة سطحية رغم أنه يرى ويسمع ما تصنعه الدول الغربية فينا وعلى رأسها الدولة الإرهابية الكبرى أمريكا، ويرى ويشاهد مع ذلك من يتودد إليهم ممن يعتبرونهم "ولاة الأمور" ويعلم انسجامهم التام معهم وارتباطهم بهم ارتباط عشق وغرام ورقص وأنغام. وكل هذا مكشوف للأعين وواضح ولا يتطلب منا الجهد في كشفه وبيانه. فالصغير يتحدث به قبل الكبير. لكن فريق الدفاع عن "ولاة الأمور" يحاول إسدال الستار عن عوراتهم حتى يبقي لهم بعض الشيء من الطاعة العمياء.

فكيف لهذه العقول السقيمة أن لا تدرك بعدُ دورَها في القيام بالواجب لقطع الطريق أمام الكفار المستعمرين بقطع سبل تسلطهم علينا وذلك بإزالة الحكام المستبدين الذين يحكموننا اليوم بالحديد والنار لنستسلم لهم؟

فهل سكوتنا عنهم وعدم التعرض لهم يحقق معنى "حي على الصلاة" تلك الصلاة التي نحني فيها ظهورنا لله شهادة منا أننا لن نحنيها لغيره من البشر، وذاك السجود الذي نعلن به خضوعنا التام لله دون غيره من البشر؟ وهل نحقق إلى جانب ذلك معنى "حي على الفلاح" بانحناء الظهر والطاعة المطلقة للحاكم الذي يحكمنا بشرعة الكفار؟

فأين مفهوم التوحيد عند من صدعوا رؤوسنا بمقالاتهم في علم التوحيد وحصروا العقيدة في الروحانيات والطقوس والشعائر دون باقي الحياة التي يجب أن تكون العقيدة الإسلامية أساسا لها؟!

ألا يكفي كل هذا وبعد طول الغفلة أن يفهم هؤلاء معنى - إقامة الصلاة - فيخرجوا رؤوسهم من الحفر ويعيدوا البحث في مفهوم العقيدة ومعنى "حي على الفلاح" ويبادروا بالتشمير على السواعد معنا للخروج من هذه الأزمات الخانقة والقاتلة لنرسم معا طريق النهضة والعزة ونطوي أعوام التخلف والتعاسة والشقاء والله يقول جل من قائل: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: 124]؟! فيا ليت قومي يسمعون..!

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

خالد العمراوي

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر