حين يستأسد عبيد أمريكا على أهل الشام  (إدلب تحت المجهر)
June 07, 2023

حين يستأسد عبيد أمريكا على أهل الشام (إدلب تحت المجهر)

حين يستأسد عبيد أمريكا على أهل الشام

(إدلب تحت المجهر)

استغاثة طاغية الشام

قد تصدق الأجيال القادمة، أن أحد حكام الملك الجبري استطاع أن يضيف إلى سجل جرائمه الممتدة على أكثر من عقدين من الزمن قتل نصف مليون من أبناء شعبه وتشريد أكثر من 12 مليوناً من أجل بقائه في سدة الحكم إثر ثورة صدعت أركان نظامه، خاصة إذا قرأت عن تاريخ أبيه الذي حكم الناس جبرا وقهرا لمدة ثلاثة عقود، وهذا كاف لتصور طبيعة السلالة التي انحدر منها أمثال طاغية الشام. وقد تستوعب الأذهان أن بقاء هذا النظام جاثما طوال نصف قرن فوق صدور أبناء أهل البلد كان بإسناد ودعم الدولة الأولى في العالم ورأس الكفر أمريكا.

ولكن ما قد لا يستوعبه عقل بشري عن واقعنا الحاضر هو أن كبرى جيوش العالم قد تكالبت على وأد ثورة شعب أعزل، لتصطف جيوش روسيا وإيران وتركيا خلف القوات الأمريكية على الأراضي السورية، فضلا عن الشركات الأمنية الخاصة على غرار "بلاك ووتر" الأمريكية و"فاغنر" الروسية و"سادات" التركية، في تبادل واضح ومكشوف للأدوار السياسية، ولتجلب التحالف العسكري الذي تقوده السعودية تحت غطاء مكافحة الإرهاب، وليكون لقطر والأردن نصيب من التدخل أيضا، وهذا كلّه بحجة دحر تنظيم الدولة.

هذا هو عنوان التدخل الذي ملأ وسائل الإعلام الدولية طوال سنوات، أما مضمون التدخل فهو قصف للمدنيين من شيوخ ونساء وأطفال بالفسفور الأبيض وإبادات جماعية للثوار واستعمال للأسلحة المحرمة دوليا أمام مسمع ومرأى العالم أجمع واستهداف للعقيدة والدّين ولإسلاميّة الثورة التي انطلقت مكبّرة من المساجد، بل عقاب جماعي لأهل الشام على تبني المشروع الحضاري للأمة، لتظل أرض سوريا المخضبة بالدماء وما تبقى من معالمها التاريخية والحضارية شاهدة على جرم المتآمرين الدوليين وصمت بقية المتخاذلين.

جاء هذا كله بعد صيحات الفزع ونداءات الاستغاثة التي أطلقها رئيس سوريا ووزير خارجيته آنذاك ليشاركوا الغرب خوفه من قيام خلافة إسلامية في المنطقة تسقط فيها آخر معاقل العلمانية في المنطقة العربية.

ولم يقف الأمر عند تدمير بيوت الله واستهدافها ولا عند رسالة الحقد الصليبي التي حملها بوتين عند تدنيسه لقبر صلاح الدين الأيوبي وللمسجد الأموي، ولسان حاله يقول: "ها قد عدنا يا صلاح الدين"، ولا عند تطويق المسلمين بقوى الكفر وحصارهم، بل راح قادة القوى الاستعمارية في أمريكا وروسيا يطلقون تصريحات عدائية للإسلام وللخلافة على وجه التحديد، ما يعكس وجود هاجس حقيقي يسكن قادة رؤوس الكفر حول إمكانية عودة الخلافة.

نعم، خرجت الثورة في بلاد الشام عن سيطرة النظام الفاقد للشرعية، فارتمى طاغية الشام في أحضان غلاة الفرس والروم المتعطشين إلى سفك دماء المسلمين، فلم يقف الأمر عند جلب العساكر الروس ومرتزقة فاغنر ولا عند جلب مقاتلي الحرس الثوري الإيراني وعناصر حزب إيران اللبناني، ولا عند التقاء مصالحهم مع صعود نجم تنظيم الدولة، بل صاروا جميعا سيفا غليظا مسلطا على رقاب الثوار الأحرار والفصائل التي قامت لقتال الصائل وإنهاء هذا البغي.

لم يقف الأمر عند ذلك، بل أسند الدور إلى اللاعب التركي صاحب المكانة المتقدمة في حلف شمال الأطلسي وصاحب السبق في قتل المسلمين بالوكالة ومحو الجرائم من أذهان السذج منهم عبر دغدغة مشاعرهم الإسلامية بمعسول الكلام، حيث يصبح القول بأن "الأقصى خط أحمر"، كفيلا بأن ينسى بعض المغفلين كل جرائم التطبيع مع كيان يهود بل حتى جرائم النظام التركي في حلب الشهباء. حلب التي تآمر أردوغان لإسقاطها بالتنسيق مع صديقه الروسي، وباعتراف بوتين نفسه، لأن ما يهمه فقط هو رضا أسياده وعبوره في الانتخابات الرئاسية التي أسماها منذ البداية انتخابات "العبور"، دون أن يقيم للدماء والأشلاء وزناً.

الرقص على حبال أمريكا

اليوم، سقط القناع عن الجميع، من يدور في الفلك، ومن يتبادل الأدوار ومن أوصلته سكرة العمالة إلى حد الثمالة، وكل الفرقاء الإقليميين والدوليين، فاضطروا من أجل إتمام المهام القذرة وتطبيق القرار الدولي 2254 القاضي بإنهاء ملف الثورة وإعادتها لحظيرة النظام المجرم، إلى كشف أوراق مشروع الهيمنة الأمريكية، بعد أن كانوا يتظاهرون بالعداء لبعضهم سابقا وما هم إلا مجرد خدم لأمريكا.

فقد تقارب الفرقاء في الآونة الأخيرة واجتمعوا ضد الثورة على صعيد واحد، فدُفع عملاء أمريكا إلى التطبيع مع النظام، وصارت السعودية المتآمرة (بحسب رواية النظام) حضنا دافئا جديدا لجزار الشام ومقرا لاجتماعه بأصدقائه في جامعة الهزائم العربية، بعد أن صارت إيران صاحبة الصواريخ الكلامية صديقة للسعودية هي الأخرى، ما حدا بوزير خارجيتها أن يصرح مؤخرا لصحيفة لوفيغارو، فيقول: "التقارب مع السعودية ليس مجرد اتفاقية تكتيكية".

وهكذا، صارت جميع الأنظمة في المنطقة تدور في فلك التطبيع مع نظام أسد، بل ترقص على ألحان معزوفة الحل السياسي الأمريكي الناظمة للمشهد الإقليمي، والتي دفعت كلاً من روسيا وإيران وتركيا والسعودية وسائر الأتباع والأشياع إلى إنقاذ طاغية الشام، فيما تواصل المعارضة الديمقراطية شطحاتها هي الأخرى، حيث أكدت مصادر في هيئة التفاوض السورية المعارضة قبل اجتماعها الأخير في جنيف أن زيارة التمسح على أعتاب الإدارة الأمريكية الشهر الماضي بقيادة المدعو سالم المسلط لم تكن إيجابية، مع الترجيح بأن السبب هو الموقف الأمريكي المؤيد للتطبيع الإقليمي مع النظام، فهل ظنت المعارضة السورية التي تغمض أعينها عن الوجود العسكري الأمريكي أن إنقاذ سوريا من بشار يأتي عبر من جاؤوا ببشار وأبيه إلى الحكم؟

إن أمريكا هي من يمسك بالملف السوري، وهي من يقود المعركة الحضارية والحرب الصليبية على الإسلام، وهي من يفرض الحلول على الجميع وفق رؤية أحادية لعالم يعيش تحت وصايتها، وهي من يسابق الجميع على احتكار صناعة الإرهاب وعلى محاربة التغيير على أساس الإسلام بمختلف الأدوات والوسائل، وهي أيضا من أسند الدور إلى روسيا وتركيا من أجل ضرب حاضنة الثورة، ما جعل تركيا تسكت في وقت سابق عن اختراق الطائرات الروسية لأجوائها في حين سارعت إلى تعرية الوجه الفرنسي القبيح، من خلال التركيز الإعلامي على الدعم المالي الذي قدمه مصنع لافارج الفرنسي للإسمنت في سوريا لجماعات "إرهابية"، ما نتج عنه تغريم هذه الشركة بقيمة 778 مليون دولار لصالح وزارة العدل الأمريكية.

أمريكا إذن هي التي جعلت الأولوية للملف السوري قبل الملف الليبي، خوفا من تفلت بلاد الشام وخروجها عن قبضة النظام الدولي، وهي التي تولي منطقة إدلب أولوية قصوى بعد معركة حلب، وهي من أوعزت إلى تركيا لتشاركها جرائم وأد الثورة في المناطق المحررة. هذا الكلام لا نقوله من فراغ، بل تؤكده الأقوال والأعمال السياسية التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية وتوزع فيها الأدوار بين عملائها ووكلائها في المنطقة.

تركيا وجائزة أفضل كلب حراسة

ولنعد إلى ترتيب الأحداث لنضعها أمام ضعاف الذاكرة، خاصة فيما يتعلق بدور اللاعب التركي، فقد جاءت إشادة الجنرال الأمريكي ريمون توماس أوديرنو الذي قاد عملية غزو العراق بالدور التركي في سوريا في توقيت مبكر، حيث صرح ضمن محاضرة له في المعهد الملكي البريطاني "تشاتهام هاوس" بتاريخ 2012/06/06: "بالنسبة للذين يقارنون سوريا بليبيا، سوريا لها صراحة أكثر قدرات من ليبيا، فإذا قررنا الدخول إليها سوف ينتج عنها أشياء غير مناسبة ويلزمنا الحذر حول كيفية الخروج منها. يلزمنا الانتظار لنرى الانعكاسات على البلدان المحيطة، وكذلك نود أن نرى الجيران يحاولون حل هذا المشكل، هم يحاولون القيام بذلك، سوف ننتظر ونرى".

ثم بعد محاولات وإسهامات تركية متعددة، وتنسيق مشترك مع الجيش الأمريكي بقيادة الجنرال أوديرنو، اعتُبر رئيس أركان الجيش التركي خلوصي آكار مستحقاً لوسام الاستحقاق العسكري الأمريكي لمساهماته البارزة في حلف الناتو، وإعادة هيكلته الناجحة للجيش التركي، وتسهيله للتنسيق الفعال بين الجيشين التركي والأمريكي، وتعزيز التعاون بين القوات الخاصة في البلدين، وموقفه حول الأزمة في سوريا، فقام الجنرال أوديرنو بتوسيمه بنفسه يوم 2015/01/27، وهو جائزة عسكرية لأفراد القوات المسلحة الأمريكية تعطى عن جدارة للسلوكات الاستثنائية في أداء الخدمات المتميزة والإنجازات المبهرة. هذا هو العنوان الذي نشرته المواقع الأمريكية، أما العنوان الصحيح لهذا الوسام، فيمكن اختزاله بالقول إن شرطي النظام العالمي أمريكا قام بتوسيم أفضل كلب حراسة في المنطقة.

وضمن هذا السياق الدولي الذي تقوده أمريكا نرى أن مجاهدي الأمس باتوا خنجرا مسموما في خاصرة أهل الشام بعد أن جمعوا حولهم عددا من المغرر بهم يشاركونهم جرم طعن الثورة في الظهر، فصاروا يعتقلون الصادقين من حملة الدعوة الإسلامية نيابة عن النظام وأسياده ممن يحاربون عودة الخلافة.

ألم يصرح السفير الأمريكي في العراق ثم في تركيا جيمس جيفري للصحفي الأمريكي مارتن سميث غداة لقائه بالجولاني بأن "إدلب هي أهم منطقة في سوريا بالنسبة إلى أمريكا"؟ ألم يتحدث الرئيس التركي في مقال نشره موقع بلومبيرغ بتاريخ 2021/03/15 عن تدخل الجيش التركي لحماية إدلب بوصفها آخر معاقل المعارضة السورية ثم أضاف في المقال نفسه بأن على إدارة بايدن العمل مع تركيا من أجل تحقيق الوعود التي أطلقها في الحملة الانتخابية بشأن إنهاء التراجيديا الإنسانية في سوريا؟ فهل إنقاذ إدلب هي منّة تركية من أجل إخضاعها للحل الأمريكي أم أن إنهاء هذه التراجيديا في سوريا يمر عبر أمّ الإرهاب أمريكا؟

إن مسارعة بايدن لتهنئة أردوغان هاتفيا بفوزه في الانتخابات الرئاسية وتأكيد وزير خارجيته بلينكن على دور تركيا ضمن حلف الناتو، لهي دلالة واضحة على أن النظام التركي هو جزء من تراجيديا الشعب السوري، وهو ضوء أخضر جديد من الإدارة الأمريكية ليتم أردوغان المهمة المكلف بها في تصفية الثورة وإخماد جذوتها وإخضاع إدلب للحل الأمريكي، وإن انتداب أشخاص من طينة الجولاني للعب دور القفازات التي يمسح فيها النظام التركي جرائمه، لن ينهي ثورة أقسم أهلها ألا ركوع إلا لله، ففي الشام الرجال الرجال، ونساؤهم أيضا مصانع للرجال، وهم من أقضوا مضاجع الكفر شرقا وغربا، فهل ستنجح حفنة من الملثمين الجبناء في تغذية نار الفتنة وكسر إرادة أهل الشام الأحرار وضرب عزيمتهم وقتل إرادتهم في التغيير الجذري على أساس الإسلام؟ وهل سيقبل المخلصون بقيادة العملاء للمحرر ممن يلتقون بأمثال الصحفي الأمريكي مارتن سميث الذي وثق قتل المسلمين في العراق وأفغانستان على أيدي الجيش الأمريكي وهو يرتدي البدلة العسكرية؟ قطعا، لا.

خاتمة

إن الثورة التي شيبت رأس أوباما وفضحت عبيد أمريكا ووكلاءها، وصدعت حناجر أهلها بالقول: "هي لله، هي لله"، لن يخفت صوتها أمام من يحاول أن يستأسد على أبناء بلده بمنطق "أسد علي وفي الحروب نعامة"، بل إنها ستكنسهم وطاغية الشام وكل الراقصين على حبال أمريكا إلى هاوية سحيقة قريبا بإذن الله.

قال رسول الله ﷺ: «إِنِّي رَأَيْتُ عَمُودَ الْكِتَابِ انْتُزِعَ مِنْ تَحْتِ وِسَادَتِي، فَنَظَرْتُ فَإِذَا هُوَ نُورٌ سَاطِعٌ عُمِدَ بِهِ إِلَى الشَّامِ، أَلَا وَإِنَّ الْإِيمَانَ إِذَا وَقَعَتِ الْفِتَنُ بِالشَّامِ». رواه شعيب الأرناووط، في تخريج شرح السنة، عن عبد الله بن عمرو، الصفحة أو الرقم: 208، صحيح.

#منتهك_الحرمات_عرّاب_المصالحات

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

م. وسام الأطرش – ولاية تونس

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر