حزب التحرير ومشروع الخلافة الراشدة: بديل حضاري متكامل
October 13, 2025

حزب التحرير ومشروع الخلافة الراشدة: بديل حضاري متكامل

حزب التحرير ومشروع الخلافة الراشدة: بديل حضاري متكامل

في ظل الأزمات المتلاحقة التي تعصف بالعالم، وانكشاف عجز الأنظمة الوضعية عن معالجة مشكلات الإنسان معالجة حقيقية، برزت الحاجة الماسّة إلى مشروع حضاري شامل يعيد للإنسان توازنه، وللأمة الإسلامية مكانتها، ويقدّم للعالم نموذجاً راشداً في الحكم والرعاية والعدالة. وفي هذا السياق يقدم حزب التحرير مشروعاً سياسياً متكاملاً يتمثل في إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، بوصفها الدولة التي تطبّق الإسلام تطبيقاً شاملاً، وتحمل رسالته إلى العالم.

هذا المشروع ليس مجرّد شعارات عامة أو نداءات عاطفية غامضة، بل هو بناء فكري مؤسّس على العقيدة الإسلامية، ومنظومة تشريعية وسياسية واقتصادية وإدارية وتعليمية متكاملة، صاغها الحزب في صورة دستور مفصّل من 191 مادة، وأنظمة فرعية تشمل كل مناحي الحياة، ما يجعل المشروع مؤهّلاً للقيادة الفعلية وتقديم بديل حضاري حقيقي.

أولاً: الأساس الفكري للمشروع

ينطلق حزب التحرير من العقيدة الإسلامية باعتبارها الأساس الذي تُبنى عليه الدولة والمجتمع والحضارة. فالعقيدة الإسلامية ليست شعوراً دينياً أو عبادة فردية فحسب، بل هي قاعدة فكرية تُبنى عليها مفاهيم الحياة، ومنها تنبثق أو تُشتق الأحكام الشرعية التي تنظّم جميع شؤون الناس. ولذلك يرفض الحزب أي محاولة لفصل الدين عن الحياة، أو التوفيق بين الإسلام والأنظمة الوضعية الرأسمالية أو الاشتراكية، ويرى أن الحضارة الإسلامية متميزة عن الحضارة الغربية، من حيث الأساس الفكري، والنظرة إلى الإنسان، وطبيعة النظام الاجتماعي والسياسي.

ثانياً: شكل الدولة ونظام الحكم

يطرح حزب التحرير نموذج الدولة الإسلامية في صورة دولة واحدة؛ خلافة على منهاج النبوة، توحّد المسلمين تحت راية الإسلام، وتزيل الحدود المصطنعة التي فرضها الغرب بين بلادهم. وشكل هذه الدولة متميز عن الأنظمة الملكية والجمهورية والديمقراطية، فهو لا يقوم على الوراثة، ولا على حكم الأحزاب، ولا على فصل السلطات، بل يقوم على نظام الخلافة الذي حدّدته النصوص الشرعية، فليس في الإسلام سيادة لفرد ولا لحزب ولا عائلة فوق سيادة الشرع، الذي أعطى السلطان للأمة وجعل لها أن تنيب عنها من يطبق الإسلام عليها وهو الخليفة.

رأس الدولة هو الخليفة، يُبايع من الأمة على السمع والطاعة في تطبيق الشرع، وتكون سلطته مقيدة بالأحكام الشرعية لا بأهواء الناس أو أغلبيتهم. أما التشريع فمصدره الوحيد هو الكتاب والسنة وما أرشدا إليه من إجماع الصحابة والقياس الشرعي، فلا مجال للقوانين الوضعية، ولا لمجالس تشريعية تضع أحكاماً من عندها. والسلطة التنفيذية تتمثل في الخليفة ومعاونيه والولاة والقضاة، مع وجود مجلس للأمة لمحاسبة الحكّام على أساس الشرع.

ثالثاً: القضاء والعدالة

يقوم النظام القضائي في دولة الخلافة على تطبيق الأحكام الشرعية في جميع النزاعات، دون تمييز بين حاكم ومحكوم. وقد خصّص حزب التحرير في مشروعه نظاماً دقيقاً للقضاء يشمل قضاء المظالم، الذي يراقب الحكّام ويحاسبهم على أي ظلم أو تعدٍّ على حقوق الناس. فلا حصانة لأحد أمام القضاء، والخليفة نفسه يُحاسَب، بخلاف الأنظمة القائمة التي تُحصّن الحاكم وتجعله فوق القانون، بل وتمكنه من صياغة القوانين حسب ما يرغب ويهوى وما يحصنه وقراراته ومن يريد ولو سرق ونهب أموال الناس بالباطل وهو بعض مما نعانيه من حكام زماننا!

رابعاً: النظام الاقتصادي الإسلامي

من أبرز ما يميز مشروع حزب التحرير أنه يقدم نظاماً اقتصادياً متكاملاً، لا إصلاحات جزئية كما تفعل الحركات الإصلاحية، ولا انخراطاً في المنظومة الرأسمالية كما تفعل الأنظمة الحاكمة. فيقوم النظام الاقتصادي الإسلامي على معالجة المشكلة الاقتصادية معالجة شرعية، من خلال توزيع الثروات وضمان حق الانتفاع بها لجميع الناس، لا من خلال الإنتاج المجرد كما تفعل الرأسمالية.

يقسّم الإسلام الملكيات إلى ثلاثة أقسام: ملكية فردية، وملكية عامة، وملكية دولة. فالمصادر الكبرى للثروة مثل النفط والغاز والمعادن الكبرى هي ملكية عامة، لا يجوز تمليكها لأفراد أو لشركات خاصة أو أجنبية، والدولة تتولى إدارتها لمصلحة الأمة. كما يُحرَّم الربا تحريماً قاطعاً، وتُلغى الضرائب الجائرة، ويُعتمد على الزكاة والخراج والأنفال والعشور وغيرها من الموارد الشرعية لتمويل بيت المال. بهذا النظام، تُلغى التبعية الاقتصادية للمؤسسات المالية الدولية، وتُبنى اقتصاديات الأمة على أسس منضبطة بأحكام الشرع.

وإلى جانب ذلك، يقدم حزب التحرير نظاماً نقدياً متميزاً يقوم على الذهب والفضة أساساً للعملة، تطبيقاً لأحكام الشرع التي ربطت النقود بالذهب والفضة من حيث الزكاة والمهور والدّيات وسائر المعاملات. فالعملة في دولة الخلافة ستكون عملة حقيقية ذات غطاء ذهبي كامل، ما يمنحها قوة ذاتية تحميها من التضخم والتلاعب، بخلاف العملات الورقية المعاصرة التي لا تستند إلى قيمة حقيقية وتفقد قوتها الشرائية مع الزمن.

إن العودة إلى قاعدة الذهب والفضة تعني أن قيمة العملة لا يمكن طباعتها أو إصدارها بلا حدود، بل تُضبط بما تملكه الدولة من احتياطي حقيقي، وهو ما يحدّ من التضخم ويمنع تآكل مدخرات الناس، ويجعل الاقتصاد أكثر استقراراً وقدرة على الصمود أمام الكوارث والنكبات الاقتصادية. كما أن هذه القاعدة النقدية تمنح الدولة قدرة تفاوضية أقوى في العلاقات التجارية والمالية الدولية، وتفك ارتباط اقتصاد الأمة بهيمنة الدولار والنظام المالي العالمي الذي تسيطر عليه القوى الاستعمارية.

خامساً: التعليم والثقافة

في مشروع حزب التحرير، لا يُنظر إلى التعليم على أنه مجرد تأهيل مهني أو تخريج موظفين، بل هو وسيلة لتكوين الشخصية الإسلامية بعقليتها ونفسيتها. فالتعليم يهدف إلى غرس العقيدة الإسلامية وبناء التفكير المنهجي الشرعي، إلى جانب العلوم التجريبية التي تحتاجها الأمة للنهضة. كما يعتمد المشروع على مناهج موحدة تربط الأمة كلها ثقافياً وفكرياً، وتشيع الثقافة الإسلامية في المجتمع لإيجاد رأي عام واعٍ منبثق عن العقيدة.

سادساً: السياسة الداخلية والخارجية

في السياسة الداخلية، تقوم دولة الخلافة كما يعرضها حزب التحرير على إزالة القوميات والوطنيات، وتذويب الفوارق المصطنعة بين المسلمين، وتوحيدهم على أساس العقيدة الإسلامية. أما في السياسة الخارجية، فالهدف المركزي هو حمل الإسلام إلى العالم بالدعوة والجهاد، لا التبعية للقوى الدولية ولا الالتزام بمنظومة القانون الدولي التي صاغها الغرب لحماية نفوذه. فالدولة الإسلامية في هذا التصور ليست دولة انعزالية، بل دولة قيادة وريادة، كما كانت في عصورها الأولى.

سابعاً: جاهزية المشروع للتطبيق

ما يميز حزب التحرير عن غيره من الجماعات الإسلامية هو أنه لا يكتفي بالتنظير أو الدعوة العامة، بل قدّم مشروعاً عملياً جاهزاً:

  • دستور مفصل من 191 مادة مستنبطة من الأدلة الشرعية
  • أنظمة حكم واقتصاد وتعليم وإدارة وقضاء
  • تصور دقيق لكيفية الانتقال من واقع التجزئة والدول القُطرية إلى دولة الخلافة الواحدة
  • خطة سياسية تعتمد على الأمة وجيوشها لإقامة الدولة، بعيداً عن العمل المسلح العشوائي

إن مشروع حزب التحرير لإقامة الخلافة الراشدة ليس مجرد رؤية نظرية، بل هو مشروع حضاري متكامل يستند إلى الوحي، ويقدّم للإنسانية بديلاً عن الحضارة المادية الغربية التي أثبتت فشلها في تحقيق السعادة والاستقرار. وهو في الوقت ذاته مشروع عملي جاهز للتطبيق، إذا ما وُجدت الإرادة السياسية لدى الأمة، وتحرّكت طاقاتها وجيوشها لإقامته.

فما يقدمه حزب التحرير ليس مجرد حنين إلى الماضي، بل هو استئناف عملي للحياة الإسلامية وبناء دولة قوية متميزة قادرة على مواجهة تحديات العصر، تقدم نموذجاً حضارياً يعالج مشكلات الإنسانية من منطلق رباني. وفي وقت تتهاوى فيه المنظومات الوضعية وتفقد الرأسمالية بريقها، تبرز دولة الخلافة القادمة كمشروع نهضة حقيقي، يعيد للأمة وحدتها وكرامتها، وللعالم عدله ورحمته.

وإن هذا المشروع العظيم لن يتحقق إلا بتضافر جهود الأمة جميعاً، وفي طليعتها المخلصون من أبنائها في الجيوش. فأنتم أيها الضباط والجنود، لستم أدوات بيد أنظمةٍ مرتبطةٍ بالمستعمر، بل أنتم أبناء هذه الأمة، من صلبها ولحمها ودمها، وقد حمّلكم الله أمانة عظيمة ومسؤولية جسيمة.

إن الأمة اليوم تناديكم، تستنصركم كما نصر الأنصارُ رسولَ الله ﷺ، لتكونوا السند والدرع الحامي لمشروع استئناف الحياة الإسلامية، فتمنعوا به الظلم، وتنصروا به العاملين المخلصين لإقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، فيكون لكم شرف عظيم في الدنيا ومقام كريم في الآخرة.

فاللحظة التاريخية تقترب، والمنظومات القائمة تتهاوى، والأمة على أعتاب تحوّل مصيري. فانحيازكم لأمتكم ولدينكم اليوم هو الفارق بين ذلٍّ يطول، وعزٍّ يعود، وبين واقع مرير، ومستقبل مشرق يسطع فيه نور الإسلام من جديد.

اللهم أعد لنا دولة الإسلام وسلطانه وشرعه لنستظل بظلها من جديد؛ خلافة راشدة على منهاج النبوة.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر