إدارة الدولة والعلاقات الدولية بمنطق "المافيا"؛ وترامب اليوم هو عَرَّابُها!
March 06, 2025

إدارة الدولة والعلاقات الدولية بمنطق "المافيا"؛ وترامب اليوم هو عَرَّابُها!

إدارة الدولة والعلاقات الدولية بمنطق "المافيا"؛ وترامب اليوم هو عَرَّابُها!

عندما تفلس المنظومات الفكرية يترجم إفلاسها فشلا حضاريا وكارثة سياسية، فيأخذ طريقه إلى الدولة ومؤسساتها وسياستها فينعكس على الداخل ومجتمعه والخارج وسياسته الدولية.

وما جرى في البيت الأبيض من تلاسن حاد مهين بين الرئيسين الأمريكي ترامب والأوكراني زيلينسكي ينبئ عن حجم كارثة المنظومة الرأسمالية والوضع المخزي الذي وصلت إليه. علما أن ترامب كان قد صرح للصحفيين في وقت سابق، أنه وزيلينسكي سيوقعان الاتفاق الذي اقترحته أمريكا بشأن معادن أوكرانيا، والذي وصفه بأنه اتفاق "عادل للغاية"، وقال إنه يثمّن هذا الاتفاق الخاص بالمعادن "لأننا نحتاج ما يمتلكونه... بلادنا الآن تلقى معاملة عادلة... دافع الضرائب الأمريكي يجب أن يُصان حقه.. كل ما كانوا يتحدثون عنه هو الأمن، أما أنا فقلت دعونا نُبرم صفقة أولاً". كما أن زيلينسكي عبر عن آماله في أن يؤدي اتفاق "مبدئي" مع أمريكا إلى مزيد من الاتفاقات. وكشف رئيس وزرائه دينيس شميهال عن الانتهاء من مسودة اتفاق مبدئي. وكان ترامب قد طالب أوكرانيا بدفع 500 مليار دولار معللا ذلك بأنه المبلغ الذي دفعته أمريكا لمساعدة أوكرانيا في التصدي لروسيا. ويرى أن هذا المبلغ يساوي ثمن المعادن الأوكرانية. وكان زيلينسكي قد أشار إلى أنه في مقابل استمرار الدعم الأمريكي مستعدٌّ لدفع ثمن اقتصادي، بما في ذلك إتاحة مخزونات بلاده من النفط والغاز فضلاً عن المعادن الهامة.

ويُعتقد أن أوكرانيا تمتلك ما لا يقل عن 20 من إجمالي 50 معدناً تصنّفها أمريكا بأنها معادن هامة، وهذه المعادن تشمل الليثيوم، والغرافيت، والتيتانيوم، واليورانيوم، ومعادن نادرة تشمل 17 عنصراً تعتبر استراتيجية للصناعات الحساسة مرورا بالتليفونات الخلوية ووصولاً إلى الصناعات الحربية والتكنولوجيا الرقمية. وتقدّر كييف أن نحو 5% من المخزون العالمي للمعادن الخام الهامة يوجد في أوكرانيا، بما في ذلك حوالي 19 مليون طن من احتياطي الغرافيت الذي يُستخدم في صناعة بطاريات المركبات الكهربائية.

وهذا ما أسال لعاب الرأسمالي ترامب وطبقته ويسعى للاستحواذ عليه بتكاليف صفرية، فيتعامل مع أوكرانيا كغنيمة حرب، وحقيقة الاتفاق أنه وصفة لاحتلال أوكرانيا. المصيبة أن رئيس أوكرانيا يريد فقط ضمانات لأمن أوكرانيا وغاب عنه أنه حارب روسيا وانتهى به الأمر إلى تسليم أوكرانيا لأمريكا وهي أشرس من روسيا، فقد صرح يوم الأربعاء: "أرغب في الحصول على جُملة واحدة تتضمن عبارة ضمانات أمنية لأوكرانيا". وجاء رد ترامب في اليوم نفسه: "لن أقدّم ضمانات أمنية كبيرة؛ سنترك ذلك لأوروبا فهي في الجوار الأوكراني. لكننا سنحاول الاطمئنان إلى أن كل شيء يمضي على ما يرام". فأسقط رده أوهام زيلينسكي.

فترامب مهتم بصفقة المعادن وعائدها الرأسمالي وإنهاء الحرب هو الطريق المختصر لوضع اليد على أوكرانيا ومعادنها النادرة، فبحسب صحيفة الواشنطن بوست فإن "دونالد ترامب وجد طريقة سريعة لإنهاء الحرب في أوكرانيا، ألا وهي الاستسلام". أما الوضع الكارثي لأوكرانيا وتكاليفه فهي مسؤولية الأوروبيين بحسب ترامب في ضعفهم وهوانهم، بل إنه يعامل تحالفه مع أوروبا باعتباره شيئاً يمكن المساومة عليه بل ويبتز دول أوروبا عبر البعبع الروسي، ويكسر المحرمات التي وضعتها أوروبا من خلال تفاوضه الأحادي واحتضانه روسيا.

وهذا الوضع المستجد في إدارة العلاقات الدولية بمنطق الصفقات التجارية وبقوة العصابة المتغلبة، هو نتيجة لإفلاس الفكر والسياسة فلم يبق أمام المنظومة الرأسمالية ونموذجها الأمريكي إلا القوة العارية الغاشمة لتحقيق مآربها. تطرح مع هذا الوضع المأزوم للمنظومة الرأسمالية إشكالية كون أمريكا دولة مؤسسات، وهنا تحديدا لا يجب إغفال العامل الرئيسي المؤثر في هذه المؤسسات وهو المال الرأسمالي السياسي، واليوم وفي أعلى هرم السلطة بأمريكا رأسمالي من أصحاب ذلك المال عطفا على سوس إفلاس المنظومة الذي بات ينخر الدولة ومؤسساتها كذلك، ينظر في أمر المؤسسات بل في أمر الدولة برمتها!

فأمريكا ومؤسساتها لسنة 2025 وإفلاسها الفكري والمالي ليست هي أمريكا نيكسون وصدمة نيكسون ودولاره الذي فرضه على العالم كعملة للتجارة والاقتصاد وسلاح سياسي، ففي ستينات القرن الماضي نقل عن نيكسون قوله إن الدولة الأمريكية ماكينة تعمل به أو بدونه. أما اليوم وحالة الانهيار الاقتصادي والمديونية الفلكية والإفلاس الفكري والانقسام الحاد العميق القائم، فالتخبط الاستراتيجي والأزمات الطاحنة للمنظومة الرأسمالية وتناقض مصالح رأسمالييها وما أفرزه من انقسام عميق حاد (فقد اتهم الديمقراطيون في الكونغرس الأمريكي ترامب بإحراج البلاد على المسرح العالمي، وقال السيناتور تشاك شومر زعيم الديمقراطيين بمجلس الشيوخ على موقع إكس: "ترامب وفانس يقومان بعمل بوتين القذر. لن يتوقف الديمقراطيون في مجلس الشيوخ أبداً عن النضال من أجل الحرية والديمقراطية"، كما وصفت رئيسة مجلس النواب السابقة نانسي بيلوسي المشادة الكلامية بـ "العرض المخزي"). فهذا الوضع الكارثي للمنظومة الرأسمالية ونموذجها الأمريكي الفاضح هو سمة اللحظة الرأسمالية الراهنة، فقد ذهب وزير خارجية أمريكا الأسبق هنري كيسنجر إلى أبعد من ذلك وصرح "أن العالم في حالة فوضى وأن الولايات المتحدة تواجه مشكلة كيفية إنشاء نظام عالمي". كما شكلت الورقة البحثية لمعهد راند لسنة 2017 اعترافا صريحا بإفلاس المنظومة جاءت تحت عنوان "خيارات بديلة للسياسة الأمريكية نحو نظام دولي" وكانت موجهة إلى مكتب وزير الدفاع، وقد أقرت بمحدودية النظام الدولي القائم إن لم تقل ترديه، ولكنها لم تأت بجديد ولم تنشئ جديدا استراتيجيا بل غلب عليها الطابع الأكاديمي النظري، جاء فيها "قضى منهجنا في تحديد رؤى بديلة للنظام جمع حجج قائمة حول كيف قد تكون قواعد النظام المستقبلية أو يجب عليها أن تكون، ولقد استقينا من الدراسات الأكاديمية وتلك المتعلقة بالسياسات الموجودة حول النظام الدولي، إلى جانب التحليل التاريخي للأنظمة الدولية السابقة"، وهكذا لم تخرج الدراسة بحل للمعضلة الاستراتيجية الأمريكية سوى باجترار بعض الدراسات التاريخية الأكاديمية.

فترامب وسياسته الرعناء ليس وضعا لإنشاء جديد، ولكنه وضع لمحاولة رقع الثقب الأسود الكارثي للمنظومة الرأسمالية ونموذجها الصارخ الدولة الأمريكية، فترامب إفراز لحالة التعفن الرأسمالي، فنحن أمام رئيس رأسمالي له بصمته الرأسمالية على المنظومة الرأسمالية، ففرق بين السياسي الخاضع للمال الرأسمالي والخادم للرأسمالية، والرأسمالي الرئيس أي حاكم فعلي من الطبقة الرأسمالية بيده أدوات الفعل والتأثير وأهمها المال وشبكته وعلاقاته. والمنظومة اليوم في إفلاسها الفكري انتهت إلى خالص القوة الغاشمة في إدارة العلاقات الدولية وترامب اليوم هو ترجمتها، فخلفيته هي وهم الإمبراطورية وتقمص نظرية أحد مؤرخيها القدامى "الأقوياء يفعلون ما يستطيعون فعله، والضعفاء يعانون مما يجب أن يعانونه".

وعليه فمقولة إن أمريكا دولة مؤسسات، يجب التعامل معها بحذر شديد، فالقضية في مدى تماسك تلك المؤسسات وصلابتها وانسجام وتناغم إداراتها ورجالها وبقاء ذلك واستمراره في اللحظة الراهنة. فحالة الرأسمالي ترامب وسياساته لها تداعياتها على المنظومة الرأسمالية والدولة والمؤسسات والموقف الدولي والساحة الدولية.

فترامب ينظر للعلاقات الدولية كصفقات تجارية يجب الإسراع في إنجازها بتكاليف صفرية وتفرض أحاديا بمنطق القوة وليس السياسة، فهو يرى في التحالفات وتداعياتها المالية والعسكرية مجرد تكاليف ومصاريف يجب التخلص منها، بل يرى أن القانون الدولي هو باب لتعدد الخصوم وقيد أمام فرض السياسات الأحادية التي يسعى لتنفيذها، وعليه فتجاوز القواعد الدولية وكسر التحالفات هو من صلب سياسته، وتلعب هذه الخلفية دورا كبيرا في تعامل ترامب مع قضايا العالم، فهو مفتون بالغطرسة التي يعتبرها قوة ويزدري التعددية والقانون الدولي والأحلاف ولا يرى فيها إلا عوامل ضعف وإضعاف وفرامل أمام تغوله.

وفي غطرسته وعماه الاستراتيجي مقتله، فهو يسعى للتصرف بمنطق الإمبراطورية مع انتفاء شروطها في دولته المفلسة الغارقة في بحر ديونها ومستنقع شذوذها الحضاري، وهذه الغطرسة التي تتصنع القوة مع انتفاء أسبابها تدفع إلى التهور المفضي إلى الهاوية وأمريكا على شفيرها ومعها الغرب ومنظومته الرأسمالية المجرمة.

﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مناجي محمد

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر