إلى أهل المغرب المقهورين وللشباب المنتفضين  قضايا حيوية لا بد لكم من الوعي عليها!
October 04, 2025

إلى أهل المغرب المقهورين وللشباب المنتفضين قضايا حيوية لا بد لكم من الوعي عليها!

إلى أهل المغرب المقهورين وللشباب المنتفضين

قضايا حيوية لا بد لكم من الوعي عليها!

معشر الشباب المنتفض على ظلم النظام وقهره، أنتم طاقة التغيير وأمل العاملين عليه، ولخطورة حيويتكم وللأهمية الجوهرية لطاقاتكم فأنتم كذلك هدف المتربصين وعصابة اللصوص المتغلبة في حرف حراككم واحتواء حركتكم وشل طاقاتكم وجهودكم.

اعلموا أن أدوات التكنولوجيا التي تجيدون وتبرعون في استعمالها هي سيف ذو حدين، فخلف الشاشة في زاوية ما صفحة وجدار عقل ناصح أمين فاسمعوا له وعوا عنه، وفي زاوية أخرى وخلفها صفحة وجدار عقل شيطان رجيم يستغل تفاعلكم وانفعالكم فاحذروه ولا تنصتوا له.

فاليقظة والوعي أولى مقدمات الحراك الهادف المنتج.

لشباب البلد المنتفضين، لمن اكتووا بفساد المنظومة ونظامها وعصابة لصوصها المتغلبة، هناك أمور لا بد من الوعي عليها حتى لا تتحول انتفاضتكم إلى تنفيسٍ لمشاعر الاحتقان وحرقٍ للطاقات وعَوْدٍ على بدء وتجددٍ في عمر المأساة وتمديدٍ لحكم العصابة.

1- لا بد من وعي على حقيقة الأزمة التي ولدت مأساة البلد ومأساتكم بل مأساة أمة

الأزمة هي أزمة منظومة حكم والأنظمة المعمول بها سواء في السياسة الداخلية والخارجية للبلد والاقتصاد والاجتماع والثقافة والتعليم والتطبيب والإعلام والقضاء والإدارة (تشريعات وقوانين وسياسات ومؤسسات وأجهزة وحاكم وحكومة ووسط سياسي وإداريين..)، فهي أزمة منظومة شاملة خَلَّفَها الاستعمار وتُدار من طرف أدوات الاستعمار ولتحقيق مصالح الاستعمار على حساب مصالحكم.

فالقضية قضية المنظومة الاستعمارية التي جعلت منها عصابة اللصوص المتغلبة بالمغرب منظومة حكم، فالقضية أبعد بكثير من مجرد فساد هنا أو هناك وإن كان الفساد وأدواته من أعراضها ونتائجها.

2- كون الأزمة جذرية ومتعلقة بالمنظومة كلها، فهذا يستدعي منكم تحديدا دقيقا لهدف وغاية حراككم وحركتكم وجهدكم.

فيجب أن يستهدف تغيير المنظومة الرأسمالية الاستعمارية المفسدة المعمول بها وليس ترقيع بعض جوانبها، علما أنها غير قابلة للترقيع لأن بنيتها الفكرية الأصلية فاسدة. يجب أن يكون هدفكم ومركز تنبهكم التغيير الجذري، وأن تنصب جهودكم على التغيير لا الترقيع، فتلك المطالب الجزئية هي مضيعة للوقت ومحق للجهود، وكم من مطلب جزئي رفع وادعت المنظومة الفاسدة تلبيته (تعديل دستور 2011 والإتيان بحكومة بن كيران إسلاميي السخرة والتنفيس) وها أنتم شاهدون على تفاقم الأوضاع وسوء الحال واستفحال الأزمة لعقود مضت أفنت أجيالا متعاقبة!

3- فساد المنظومة يستدعي بديلا جذريا وهنا مكمن المعضلة الكبرى هو في غياب تصوركم للبديل الجذري لحل أزمتكم.

 ولن يكون هذا الحل إلا جذريا وبمنظومة فكرية تشريعية شاملة لقضايا السياسة والحكم والاقتصاد والاجتماع والتعليم والقضاء والإعلام والإدارة وكل أنظمة الحياة والمجتمع والدولة. ولن تكون هذه المنظومة إلا نقيضا للمنظومة الرأسمالية الغربية سبب بؤسكم وشقائكم.

معشر الشباب: أنتم شباب الإسلام أولا وأخيرا وتؤمنون بالله وبكتابه ونبيه ﷺ، وتؤمنون أن الإسلام نظام حياة ووحي من ربكم العليم الحكيم الخبير، فكيف يكون هذا الإيمان بدون ترجمة لمنظومة الإسلام التشريعية وأنظمته وهيمنتها على حياتكم حتى تنعموا بحقيق عدل الإسلام ورحمته ورفاهه وتفنوا بذلك أزمتكم؟! ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾.

فمشروع الإسلام الحضاري العظيم هو البديل الذي يجب عليكم التطلع إليه والتمسك به والوعي على حقائقه، وقبل كل هذا الاهتداء إلى أصحاب المشروع الذين أفنوا أعمارهم في سبر أغواره، والإنصات إليهم وإمعان النظر والتفكير في مشروع الإسلام العظيم الذي يحملونه. ففورتكم وحماستكم وطاقتكم بدون مشروع إسلامكم الحضاري مجرد صيحة في واد ونفخة في رماد!

4- الحذر من الخطر المحدق بكم في حرف بوصلة حراككم لإعادة إنتاج السياسات الاستعمارية بوجوه كالحة أخرى من الوسط السياسي المأزوم المتعفن وأحزاب السخرة التي تتناوب على تدوير وإدارة الأزمة، بتعديل وزاري أو تغيير حكومة أو تعديلات دستورية تبقي على النظام الفاسد ولا تفنيه!

الحذر من الشعارات الجوفاء التي هي من جنس المنظومة الأزمة، إعادة تسويق الديمقراطية الغربية وحقوق إنسانها وحريات تفحشها. علما أن الديمقراطية ودولها في الغرب هي من استعمرت بلادكم وخلفت كل هذا الدمار والخراب، وأوكلتكم إلى عصابة لصوصها المحليين، أما حقوق إنسان الغرب فإبادة غزة هي الشاهد المزلزل عليها، أما الحريات فهي الزنى باسم العلاقات الرضائية والتفحش والمخدرات والعربدة والفن الساقط واللهو المخدر، وكل هذه الحريات الساقطة هي لإغراقكم في مستنقع الرذيلة لشغلكم عن نهب اللصوص لثرواتكم وانشغالكم عن جحيم حياتكم!

5- لأهل المغرب قاطبة وشبابهم بخاصة: الحذر ثم الحذر من فخ وخديعة صناعة قيادة أو قيادات وهمية افتراضية لتحريككم، فهي تحقيقاً أسلوبٌ لتنفيس احتقانكم ووسيلة لتحجيم حراككم واحتوائه وحرفه انتهاءً بوأده!

ما يجري في المغرب هو حراك شامل لكل أهل البلد جراء عقود من ظلم النظام وقهره وفساده وقبيح سياساته. ومن الخديعة وخبيث المكر أن يعمى على حراك كل الناس المقهورين شيبهم وشبابهم رجالهم ونسائهم، بتسليط الضوء على فئة عمرية من الشباب صنفها الاستعمار بجيل زد (الحرف اللاتيني) المزداد ما بين 1997 و2012، جيل الهواتف الذكية والسوشيال ميديا والتنوع بحسب التصنيف الغربي الاستعماري.

فهنا مكمن الخديعة يا أهل البلد ويا شباب البلد، فمصيبتكم أكبر من جيل فضلا أن تكون مشكلة شباب منفعلين بأدوات التكنولوجيا وأساليبها ومصنفين بمعايير الاستعمار، فاختصار حراك أهل البلد بما سمي بحركة "جيل زد 212"، هي محاولة خبيثة لتقزيم حراك أهل المغرب كل أهل المغرب وتحجيم وتبخيس مظالم الناس واختصارها في مطالب هامشية، علما أن الحواضر الكبرى للبلد كلها انتفضت، لا لمجرد مظالم نزلت ببعض شبابهم بل لظلم وقهر نزل بالآباء قبل الأبناء واستغرق واستنزف الكل فهو ظلم شعب بكامله. فالقضية قضية منظومة حكم فاسدة اكتوى بنارها جميع أهل البلد وأفقرت وقهرت وظلمت الكل.

فالبطالة والعطالة والفقر وفساد التعليم والتطبيب وانعدام كل مرافق العيش وفحش غلاء المعيشة وغول الضرائب، وتبديد أموال الناس على الملاعب والملاهي ثم الظلم والقهر والقمع الذي لا ينتهي، هي مصائب أهل البلد كل أهل البلد، وليس من نصيب جيل من فئة عمرية صنفها الاستعمار جيل "زد" وحدهم ولا يشاركهم فيها أحد، هو تقزيم للمصيبة والغاية من هذا التقزيم هي إفراغ الاحتقان من مخزون الظلم المفزع الواقع على الناس انتهاء بحرف بوصلة الحراك ثم وأده.

فالحذر الحذر من القيادات الجاهزة الافتراضية المعلبة التي تنبت كالفطر فجأة دون سابقة كفاح سياسي ولا رؤية ولا مشروع!

فعصابة اللصوص المتغلبة في عضهم بأنيابهم على نهبهم وسرقتهم لا يعدمون حيلة ولا تخلو أيديهم من خديعة.

شباب المغرب المنتفضين! أنتم زرع بذرة الإسلام العظيم، أنتم من طينة الوحي ومن ماء السماء، أنتم من خير أمة أخرجت للناس لقيادة وريادة البشرية جمعاء بإسلام رب العالمين. أنتم أعرق وأشرف الناس نسبا فنسبكم الإسلام العظيم وكفى به نسبا، فلا تركنوا إلى تعييرات الغرب في تصنيفكم وتقزيمكم بل وفصلكم عن حاضنتكم أمتكم الكريمة بكم، وفوق هذا تجريدكم من جبروت إسلامكم، كما يريدكم الغرب مجرد شفرة حرف لاتيني مهمل وهمل رقم 212، أنتم لستم جيل "زد" كما يريد الاستعمار بل أنتم شباب الإسلام كما يريد لكم إسلامكم العظيم، أعظم دينا وأعرق حضارة وأرقى ثقافة وأسمى تاريخا وأرفع أمجادا، أنتم المسلمون كما سماكم الله مولاكم وكفى!

معشر الشباب! قولا واحدا فصلا؛ هو مشروع إسلامكم الحضاري كبديل عن جاهلية الغرب وأنظمتها الوظيفية، وغير ذلك هو قاع الهاوية واستمرار مأساتكم وجحيم حياتكم.

فكونوا خير خلف لأسلافكم من الصحابة العظام الكرام وكونوا خير الأجيال بعد جيل صحابة نبيكم ﷺ الكرام الذين أقاموا أمر هذا الدين ابتداء في الأرض، فليكن لكم شرف أول من يعيده إلى الأرض لحكم عباد الله بشرع الله. ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾، ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مُناجي محمد

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر