إلى "أصحاب العقول": اتركوا إدارة الكون لخالق الإنسان والحياة والكون
March 24, 2019

إلى "أصحاب العقول": اتركوا إدارة الكون لخالق الإنسان والحياة والكون

إلى "أصحاب العقول": اتركوا إدارة الكون لخالق الإنسان والحياة والكون

لا شك أن العالم اليوم يعاني من فشل سياسي واقتصادي واجتماعي على كل المستويات. هذا الفشل يتمثل في تبلد فكري يظهر في انقلاب الموازين ورداءة الحكم على القضايا والأحداث، وفي انعدام إحساس يظهر في قساوة القلوب، والواقع ظلام؛ ظلم وقتل وفقر وجهل وكُفر بالخالق عز وجل، وتشتت وضياع حقوق، فالأرواح البشرية رخيصة، ويكفي أن تتابع الأخبار أو تتابع أحداث البلاد الإسلامية أو فقط تراجع ما تمر به من وقائع في حياتك اليومية لتفهم أن هناك كارثة كبيرة قد ألمت بالإنسانية؛ ومع أن هذا العصر الحالي يسمى بعصر الحداثة والانفتاح والتكنولوجيا والتطور العلمي والرفاهية الاقتصادية (هذه الصورة الوردية المزيفة التي رسمتها وسائل الإعلام الحكومية والخاصة) بينما يعلم جميع البشر بأن حقيقة الواقع المعاش أنه مُعتم ومُعدم؛ وهذا العصر ليس عصراً حديثاً بل هو عصر الحكم الجبري الرأسمالي البغيض. فالسبب في ذلك الواقع المرير الذي دمَّر البشرية والأرض والسماء هو أن من يدير شؤون العالم اليوم مدير فاشل ومستبد لا يفقه من احتياجات الإنسان والحياة والكون إلا إقصاء الخالق عز وجل عن حياة الإنسان. إن الذي يحكم ويتحكم بالعالم اليوم وحش مفترس يركض وراء إشباع شهواته ورغباته باسم الحريات والديمقراطيات؛ إنه وحش الرأسمالية العلمانية الغربية الذي ابتدعه العقل البشري، عقيدته كفر بالله عز وجل وأنظمته المجتمعية تسير بحسب قوانين من وضع البشر. لذلك لم يكن غريباً أن لا يفقه هذا المبدأ المتوحش الإرهابي إلا مصلحته ومنفعته، وهو مبدأ يربي شخصيات مغرورة لا ترى في جميع البشر إلا أنهم وُجدوا على سطح الأرض ليعيشوا حياة الانحلال وارتكاب الفواحش والجرائم. هذا المبدأ الكافر الذي لا يفهم إلا في العلمانية واللادينية وعِلمُه الذي ينشره للبشرية عِلم "الأنا" والأنانية والفردية التي تقوم على المصالح والمنافع المادية على حساب الضعفاء، فالبقاء للأقوى، والثقافة الغربية التي نشروها في بلاد المسلمين ثقافة الظلم والإرهاب والعنف والقمع والتسول وتربية الكروش والالتصاق بالعروش. هذا المدير مدير فاشل أثبت أنه في قمة الغباء لا يعرف كيف يستخدم عقله بالطريقة الصحيحة، والدليل أنه يتحدى خالقه! فهو كالثور الهائج في محلٍ جميع ما فيه مصنوع من الزجاج، يدعي أنه يعلم ما فيه صالح البشرية لكن غاب عنه أنه لا يستطيع معرفة كيفية إرساء القيم الكاملة والمفاهيم الصحيحة... فما هو الحسن وما هو القبيح؟ وما هو الحلال وما هو الحرام؟ وما الذي يفيد الإنسان والحياة والكون وما الذي يضرهم؟ ما هو المقياس الصحيح الذي يجب على الإنسان أن يقيس عليه أعماله وأقواله ليجد الحلول الصحيحة لمشاكله وليُنظم علاقاته؟ هل المقياس يمليه عليه العقل أم تشريع خالق العقل؟! هذه الإجابات لن تجدها عند الناس فما يراه أحدهم خيراً يراه آخر شراً وما يراه أحدهم حسن يراه آخر قبيحاً وهكذا، بالتالي فالعقل البشري فاقد للقدرة على معالجة القضايا الإنسانية لأنه مليء بالتناقضات وتؤثر عليه الاختلافات وهوى النفس ويعجز عن الإحاطة بكامل ما تحتاجه البشرية جمعاء لتدير شؤونها ولترعاها أحسن رعاية وأنسب إدارة تصلح للجميع وتحقق العدل وتضمن الحقوق وتحدد الواجبات. إن ذلك المدير الفاشل اليوم هو الكُفر، واسمه فصل الدين عن الحياة - العلمانية الوقحة التي تنكرت للخالق عز وجل والتي أقصت رب العباد عن إدارة الإنسان والحياة والكون بحجة أن العقل البشري صالح لعملية التشريع، ولكنه في واقعه سيضع القوانين التي تخدم مصلحة من يضعها فقط، هذا واقعٌ ومن صفات البشر التي نعلمها جيداً وأخبرنا الله تعالى بها:

قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [سورة المعارج: 19-23].

فالعقل البشري مخلوق خلقه الله عز وجل وكرم به الإنسان الذي اصطفاه على سائر المخلوقات لحمل رسالة الإسلام العظيم والنهضة بالبشرية بالعيش في حضن حياة مجتمعية إسلامية سعيدة ومطمئنة وفي كنف دولة الخلافة الإسلامية التي تُطبق القوانين الربانية الشرعية على جميع الناس والحياة والكون، وهي السبيل إلى الخروج بالبشرية من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، فالعقل البشري خلقه الله تعالى قادراً على حل العقدة الكبرى والاهتداء إلى وجوده سبحانه ثم أخبره بأن عليه العيش ضمن الحدود الشرعية وطاعته في التقيد بالأحكام الشرعية في كل شؤون الحياة. فالعقل البشري ناقص وعاجز وقدراته محدودة، فكيف يقدر على وضع قوانين كافية ومناسبة وصحيحة ليدير البشرية والعالم بأحسن شكل؟! إن النهاية الحتمية لإدارة أصحاب العقول لشؤون الإنسان والحياة والكون وتحديهم لحقيقة الخلق بأن الإنسان مخلوق لخالق عظيم وبدلاً عن الخضوع لإرادة وإدارة الله رب العالمين هو ما نلمسه اليوم من ظلم وفسوق وكفر، فهذا واقع البشر، فأهواؤهم تتغلب عليهم إلا من كان وقافاً على حدود الله تعالى؛ المؤمن الذي عرف الله تعالى حق معرفته والذي أقام إيمانه على أساس العقيدة العقلية الصحيحة التي تقنع العقل وتوافق الفطرة الإنسانية وتقيد بحكم الله ورسوله عليه الصلاة والسلام في كل مناحي الحياة في كل أنحاء العالم.

والبشرية تُعاني لأن هؤلاء ظنوا أن العقل البشري قادر على تجاهل حقيقة وجود الخالق عز وجل وتجاهل حقيقة سبب الخلق واغتروا بأنفسهم وظنوا أنهم قادرون على وضع نظام حياة يتحكم في أمور الناس وأنهم قادرون على تنظيم العلاقات وتوزيع الحقوق وتحديد الواجبات ومعالجة المشاكل والقضايا ورعاية شؤون مليارات المخلوقات والكائنات الحية؛ جراثيم وميكروبات ونباتات وحيوانات وأجرام وكواكب ونجوم وجبال وبحار وأراضٍ ورياح وأمطار... وملايين البشر، الذكر والأنثى، من أعمار مختلفة ولديهم قدرات على التفكير متفاوتة ومتأثرين ببيئات مختلفة وأعمالهم وأقوالهم وعقلياتهم ونفسياتهم وشخصياتهم...، فانتهى بهم الحال إلى الفشل والانحدار بالبشرية إلى أسفل سافلين! لكن الله تعالى خالق المخلوقات هو وحده جل وعلا من يعلم ما يحتاجه الإنسان، وكيف يجب أن تكون الحياة، وما الذي يُسيِر الكون، ووحده من يستطيع أن يدمر كل العالم أو يتركه، وهو فقط بيده الملك يهبه لمن يشاء وينزعه ممن يشاء وبيده الحساب، يوم الحساب تذعن له السماوات والأرض وجميع المخلوقات طوعاً أو كرهاً:

قال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ * هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ * أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ * وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ * أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَٰنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ * أَمَّنْ هَٰذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ الرَّحْمَٰنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ * أَمَّنْ هَٰذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَل لَّجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ * أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ * قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ [الملك: 14-26].

وقال جل وعلا: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ * ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ * فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ * قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ * لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ * قُلْ إِن تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: 23-29].

هذه هي الحقيقة وهذا هو الواقع الذي خلق الله تعالى العقل البشري وجعل فيه المقدرة على معرفة أنه مخلوق لخالق، وأخبره عن سر وسبب الخلق، فالله تعالى خلق الخلق لسبب وذكر ذلك السبب وفرض على الإنسان أن يتفكر في عقيدته وكل ما عجز العقل البشري عن إدراكه قد أخبر الله تعالى الإنسان به عن طريق الوحي لسيدنا محمد e في القرآن الكريم والسنة الشريفة وعلى الإنسان التفكر والتدبر وإدراك الواقع على حقيقته، وذلك يُرسخ عند العبد مفهوم العقيدة الإسلامية التي يجب أن تصبح القاعدة الفكرية التي يبني عليها العقل البشري جميع الأفكار والمفاهيم الأخرى المتعلقة بشؤون الإنسان والحياة الدنيا والآخرة:

قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]. وقال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ [محمد: 19].

وعلى الإنسان أن يتعلم وأن يعبد الله على علم وأن يطيعه بتطبيق قوانينه، وفي تجاهلها إثم عظيم وغرور وكفر، فهذه القوانين قوانين ربانية وأحكام شرعية مستنبطة من القرآن والسنة. إذاً لقد وضع الخالق عز وجل حدا وخطا أحمر واضحا لتقف عنده العقول البشرية، ألا وهو عدم التشريع، فالعقل البشري يعجز عن التشريع لكنه قادر على التفكر والتدبر والإحساس بالواقع، وقادر على الإخلاص في البحث عن الحقائق وعلى قراءة الواقع على ما هو عليه فعلياً، ولديه القدرة على فهم الإسلام عقيدة ونظاما، وللمسلمين إن طبقوا الإسلام يصبحون سادة العالم ويقودونه ويُسيِّرونه وفق الأحكام الشرعية، وواجب العقل البشري أن يتحرى عن مصدر القوانين فإن كانت من رب العالمين عليه أن يتقيد بها، لكنه أبداً لا يسن القوانين ولا يشرع، فكيف يُشرع من كان ناقصاً وعاجزاً ومحدوداً، فالله تعالى هو وحده المُشرع وهو وحده القادر على وضع قوانين لإدارة جميع شؤون البشر وسائر الكائنات، ولقد حذر الله تعالى عباده مِن تجاوز حدوده:

قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: 189-191].

وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً﴾ [الأحزاب: 36].

وعليه يجب على أصحاب العقول أن يدركوا بأن قمة الغباء هي في اتباعهم للقوانين الوضعية وتركهم للقوانين الربانية! وأن قمة الكفر والغرور في فصل الإسلام عن الحياة وما في ذلك من تحدٍّ وتعدٍّ على سيادة الشرع وعلى الله ورسله وكتبه وأنها منازَعة لله تعالى في مُلكه! وأن الحل والكرامة والعِزة والنهضة في جعل أنظمة الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتعليم والخدمات ورعاية شؤون الرعية والحقوق والواجبات كلها تقوم على الأحكام الشرعية العادلة وحدها، وجميع الناس والمجتمع والدولة يخضعون لحكم الله تعالى فقط، وهكذا يتحقق معنى العبودية الذي أراده الله تعالى:

قال تعالى: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: 40].

إن العالم اليوم يعيش في صراع فكري مرعب في حرب بين الحق والباطل؛ بين نظام الإسلام وأنظمة الكفر؛ بين المطالبات بإسقاط أنظمة المجرمين حكام المسلمين الطواغيت الذين يخضعون للغرب الكافر المستعمر الذي يحكمونهم بالقوانين البشرية من خلال "البرلمانات التشريعية" وبحجة الديمقراطية، ليستمروا في فسادهم وأذية الشعوب التي ثارت على الظلم وعلى أنظمة الكفر، وبين المطالبة الحقيقية بتطبيق الإسلام وجعل الأحكام الشرعية مواد للدستور والقوانين في دولة الخلافة الراشدة التي تحكم العالم بالإسلام وتنهض بالبشرية من القاع؛ بالانعتاق والتحرر من عبودية المصالح إلى العبودية لخالق البشر. ومع كل يوم يمر يقترب المسلمون من الله تعالى ويعيشون هويتهم الحقيقية فهم أحباب سيدنا محمد e الذين ثاروا اليوم على أعداء الإسلام في شتى بلاد المسلمين، منها سوريا ومصر وليبيا وتونس والجزائر والسودان وحتى فرنسا ثارت على منظومة العقل البشري الرأسمالية العلمانية الظالمة، فالثورة ثورة على أصحاب العقول الأغبياء والضالين والمغضوب عليهم وأذنابهم. فالحكمة وكل العقل في أن يختار الإنسان صف الله تعالى ليفوز في الدارين وذلك قمة السداد والثبات. نسأل الله تعالى النصر القريب.

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

غادة محمد حمدي – ولاية السودان

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر