إلى حركة طالبان! ما جزاء من فعل بكم وبأهلكم وبدياركم ما فعل؟
July 29, 2019

إلى حركة طالبان! ما جزاء من فعل بكم وبأهلكم وبدياركم ما فعل؟

إلى حركة طالبان! ما جزاء من فعل بكم وبأهلكم وبدياركم ما فعل؟

أعلن سهيل شاهين المتحدث باسم مكتب حركة طالبان في قطر أن حركته تقترب من عقد اتفاقية سلام مع المحتل الأمريكي. فقد صرح لوكالة "تاس" الروسية يوم 2019/7/25 قائلا: "لا أستطيع الخوض في التفاصيل لأن المحادثات مستمرة، لكن يمكنني القول إنه لم يبق أمامنا سوى التوافق على الفقرة أو الفقرتين الأخيرتين. وبعد التوافق عليهما سنعلن عن توقيع اتفاقية سلام مع الولايات المتحدة. وبعد ذلك سنبدأ المفاوضات الأفغانية الأفغانية".

إن أمريكا دولة محتلة قاتلة مدمرة، احتلت أفغانستان بلا حق، وقتلت وجرحت وهجرت الملايين من أهلها المقاومين والآمنين ودمرت البلد، فهي عدو مجرم بلا شك. فما جزاء هذا المعتدي الأثيم؟ أقل شيء هو إخراجه مذموما مكسورا. والمطلوب معاقبته على ما اقترفته أيديه الأثيمة التي تقطر دما من دماء المسلمين الأبرياء الآمنين والمجاهدين.

فكيف يجري التفاوض معها لعقد اتفاقية سلام، وذلك ما يحرمه رب العباد وهو القائل في حق المعتدين والذين يخرجون المؤمنين من ديارهم: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ‌﴾ ويقول سبحانه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ‏﴾.

فالحركة تقدم التنازلات لأمريكا المعتدية المحتلة بعقد سلام معها كما حصل في العراق عندما تم توقيع اتفاقيات معها تضمن بقاء نفوذها وتبعية البلد لها وتدخلها فيه متى وكيف شاءت. فعقد اتفاقيات سلام مع العدو المحتل حرام قطعا، حيث قال تعالى: ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾.

فإذا جاء أحدهم وادّعى أن الرسول ﷺ وقع اتفاقية سلام مع قريش، فهذا الاستدلال مردود على صاحبه. إذ إنه لم يوقع مع دولة محتلة لبلده. فمكة ملك لقريش والرسول ﷺ جاء ليوقع اتفاقية هدنة لعشر سنوات حتى يتفرغ لقتال يهود خيبر الذين كانوا يتآمرون عليه سرا ويريدون أن يعقدوا تحالفا عسكريا مع قريش ليعتدوا على دولته. وتحقق له ما كان. فهل هذا ينطبق على العدو الأمريكي القادم من آلاف الكيلو مترات في حرب صليبية كما أعلنها جورج بوش الابن؟!

يظهر أن التنازلات تتوالى من طالبان، فبعد قبولها بالتفاوض مع الأمريكان وكانت ترفض التفاوض معهم حتى يخرجوا، تستعد الآن للتفاوض مع النظام الذي أقاموه وكانت ترفض التفاوض معه وتعتبره دمية الاحتلال الأمريكي، وهو كذلك لم تتغير حاله.

وكذلك التنازل على بقاء الاحتلال الأمريكي لفترة أقلها 9 أشهر حسب تنازلها، وأكثرها 30 شهرا حسب مطلب العدو المحتل. فذكرت الوكالة أن المتحدث لم يؤكد ما نقلته صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية عن مصادر لها حول اقتراح أمريكا سحب قواتها من أفغانستان خلال سنتين ونصف السنة بينما تصر طالبان على ألا تتجاوز هذه الفترة تسعة أشهر؛ فقال المتحدث: "أنا أيضا قرأت هذه التقارير لكن هذا الموضوع لا يزال قيد النقاش ولم يتم التوافق على جدول سحب القوات بعد". علما أن العدو يجب أن يرحل فورا من دون تأخير ولو ليوم واحد، ويجب الاستمرار في مقارعته ومقاومته من دون هوادة حتى يرغم على الخروج رغم أنفه مذموما مدحورا.

وهناك تنازل آخر ورد على لسان المتحدث كما نقلته الوكالة الروسية حيث قال: "إن روسيا والصين ستقومان بضمان الاتفاقية بدون شك". وهاتان دولتان عدوتان للمسلمين لا تقل عداوتهما عن عداوة أمريكا، فمجازر روسيا على عهد الاتحاد السوفياتي في أفغانستان وتدميرها لها! فهل جرى تناسيها؟ وما زالت تحارب المسلمين في سوريا وتحمي نظام الإجرام فيها! واحتلالها للقرم واضطهادها للمسلمين فيها قديما وحديثا! وجرائمها في الشيشان وتدميرها لعاصمتها غروزني في تسعينات القرن الماضي وقد نكثت بوعدها لهم ونكلت بهم وأخضعتهم لحكمها وقد احتلتها ومنطقة القفقاس من قبل وهجرت واضطهدت وقتلت الملايين من أهلها المسلمين... فهل تعتبر هذه الدولة ضامنة؟! والصين التي تحتل تركستان الشرقية وقتلت وشردت الملايين منهم وما زالت تسجن الملايين لتردهم عن دينهم وتعتبر الإسلام ضربا من الجنون! فهل تعتبر دولة ضامنة؟! فكيف تنسى طالبان كل ذلك ولا يهمها أمر المسلمين الآخرين وتنسى مكر روسيا والصين وخيانتهما وتعتبر هذه العدوين ضامنين؟! علما أن روسيا والصين يهمهما كثيرا استقرار النظام الذي أقامته أمريكا في أفغانستان حتى لا يأتي أي دعم من هناك للمسلمين القاطنين فيهما.

 وقد توجه الممثل الأمريكي في المفاوضات خليل زاد إلى الدوحة ليواصل المحادثات ما بين الثاني والعشرين من الشهر الحالي إلى الأول من الشهر القادم وذلك لتحقيق أهداف أمريكا. وقد أكد زاد أن "الجانبين حققا تقدما حول محاور الاتفاقية الأربعة ألا وهي ضمانات وقف نشاطات (الإرهاب) وسحب القوات والمشاركة في حوار أفغاني أفغاني ووقف شامل ودائم لإطلاق النار". وقد صرح وزير خارجية أمريكا بومبيو الشهر الماضي أن "أمريكا تعول على عقد اتفاقية مع طالبان حول بسط السلام في أفغانستان قبل بداية شهر أيلول القادم". فتعتبر أمريكا الجهاد ضد احتلالها إرهابا وهي دولة الإرهاب الأولى المعتدية، وتريد أن تؤمن وقفا شاملا للجهاد ضدها في المنطقة كلها وأن يُعترف بالنظام الذي أقامته وتنخرط طالبان فيه.

 وفي الوقت نفسه يقوم الرئيس الأمريكي ترامب ويهدد متغطرسا ومزهوا بغروره يوم 2019/7/22 خلال مؤتمر صحفي في البيت الأبيض مع رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان فيقول: "لدي خطط بشأن أفغانستان، إذا أردت الانتصار في تلك الحرب، فسيتم محو أفغانستان من على وجه الأرض، سيكون خلال 10 أيام. وأنا لا أريد أن أفعل ذلك، لا أريد السير في هذا الطريق". (رويترز) ولا تحتج طالبان على ذلك وتقطع المفاوضات مع الأمريكان ولا تستأنفها حتى يدركوا أن هناك رجالا مؤمنين لا تخيفهم أمريكا ولا قوتها. ولكنها أي طالبان تستمر في المفاوضات داسّة رأسها في التراب كالنعامة حريصة على إنجاح المفاوضات التي هي لصالح أمريكا التي هي في مأزق لأطول حرب تخوضها في تاريخها ولا تخرج منها منتصرة! فهي تتألم كما تتألم طالبان وأهل أفغانستان. والله يقول: ﴿وَلاَ تَهِنُواْ فِي ابْتِغَاء الْقَوْمِ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.

ولهذا أضاف ترامب قائلا: "إنه يأمل بأن تقوم باكستان وتساعد في التوسط للتوصل إلى تسوية سياسية لإنهاء الحرب المستمرة منذ 18 سنة في أفغانستان". فأمريكا في مأزق شديد، دولة عظمى ولا تستطيع الانتصار رغم إمكانياتها الهائلة، وهي لا تستطيع أن تنفذ تهديداتها، وكل ذلك هراء وهذيان ولهذا من شدة حنق ترامب وعجزه يهدد بمحو أفغانستان، ويطلب من باكستان مساعدة أمريكا وهي التي طالما ساعدتها باعتراف عمران خان نفسه حيث قال "باكستان ضحت في سبيل أمريكا فخسرت عشرات الآلاف من جنودها كما خسرت أكثر من 20 مليار دولار". بالإضافة إلى ذلك يظهر عمران خان الذلة وهو يقف بجانبه ويسمع تهديداته وكأنها لا تعنيه، علما أن هذا التصريح يعتبر تهديدا لبلاده مع أفغانستان التي تعتبر بلاده يجب أن يدافع عنها ويحتج من أجلها. وبدلا من ذلك يعمل على التودد لأمريكا ويستعد لتقديم أية خدمة تسندها أمريكا إليه لترضى عنه، فينصاع على الفور لأوامر ترامب قائلا: "سألتقي مع طالبان وسأبذل قصارى جهدي لإقناعهم بالدخول في محادثات مع الحكومة الأفغانية". ولكن النظام الأفغاني يظهر كأنه يستنكر لرفع العتب فقال المتحدث باسم الرئاسة الأفغانية صديق صديقي: "إن أفغانستان لن تسمح أبدا لأي قوة أجنبية بتحديد مصيرها". وكأن النظام في أفغانستان يملك من أمره شيئا وقد أقامه المحتل الأمريكي وما زال يشرف عليه ويسيره، ولو كان عنده ذرة من حياء أو حمية لأعلن الانفكاك عن الأمريكان وطلب رحيلهم على الفور.

إن مواقف هذه الأطراف الثلاثة؛ باكستان وأفغانستان وطالبان، متخاذلة، فلا تتخذ مواقف كما يطلب منها دينها الحنيف؛ فتتوحد في وجه العدو وتطلب منه الانسحاب على الفور وتقطع كل الحبال معه ولا توقع معه على أية اتفاقية، وتعمل على تغريمه وإرغامه على دفع مئات المليارات من الدولارات تعويضا عن الخسائر التي كبدها لهم والدماء الزكية التي أراقها، وأن تعمل على الوحدة الحقيقية بين البلدين لتجعلهما نقطة انطلاق لدولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة وتطلب الاستعانة من حزب التحرير ليرسم لها كيف تقام هذه الدولة وكيف تدار وما هي أنظمتها وسياساتها وكيف ستتصرف تجاه أمريكا وروسيا والصين، بل تنصره وتسلمه الحكم لأنه القادر على ذلك بإذن الله وقد صاغ كل ذلك وهضمه وبلوره وجسده في كيانه وفي شبابه فأصبحوا قادرين على إدارة مثل هذه الدولة التي ستصبح بمنة الله وفضل منه الدولة الأولى في العالم.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أسعد منصور

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر