إقامة الخلافة الراشدة هي المنقذ الوحيد للأزمات التي يواجهها العالم
March 06, 2021

إقامة الخلافة الراشدة هي المنقذ الوحيد للأزمات التي يواجهها العالم

إقامة الخلافة الراشدة هي المنقذ الوحيد للأزمات التي يواجهها العالم


أقام النبي ﷺ دولة الإسلام العظيمة، على مرتكزات مهمة تمثلت في الآتي:


1) مبدأ الإسلام العظيم عقيدة وشريعة، أفكاراً وأحكاماً.


2) رجال أكفاء مؤمنون بهذا المبدأ حاذقون لهذه الأفكار والأحكام.


3) قوة مادية تحمي هذا المبدأ وتدافع عنه.


4) رأي عام واعٍ على وجوب تطبيق هذا المبدأ وتسيير الحياة به.


لقد أسست هذه الركائز وساهمت بفعالية في بناء أعظم دولة في العالم، ترعى شؤون الناس وتحل مشاكلهم، وترفع الفقر والذل عنهم، وتقهر عدوهم، وتساوي بين غنيهم وفقيرهم.


هذه الركائز إذا اجتمعت كفيلة بإقامة دولة بالمواصفات نفسها في أي زمان ومكان، لأن دولة الإسلام ليست دولة ملائكية ولا إلهية وإنما هي دولة بشرية، أمرنا الله تعالى بإقامتها، ووضع لنا النبي ﷺ التطبيق العملي لكيفية إقامة هذه الدولة لتتبع خطاه والتأسي به. فقد كان ﷺ يحكم بالإسلام أمام الناس، ويأمرهم بالالتزام به امتثالا لقول الله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾.


فقد كان النبي ﷺ يقضي بين المتخاصمين، ويستمع إلى المتنازعين، ويعاقب المجرمين، ويقسم الأموال إلى المحتاجين، ويتفقد المشاكل ويتصدى لعلاجها، وكان يستقبل الوفود، ويعقد الهدن والاتفاقيات، وكان ينظم ويقود الجيوش، ويدك الحصون، في تطبيق عملي لنظام الإسلام لا لشيء إلا لنتأسى به.


ومن الأمثلة القوية التي تبين وتؤكد التطبيق العملي لأفكار وأحكام الإسلام السياسية، والقيادة الرشيدة في إدارة شؤون الدولة الإسلامية:


1/ فقد كان النبي ﷺ حاسما في إقامة العدل بين الناس كانت على القريب أو الحبيب: فقال: «لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا».


2/ وعند دخوله المدينة بدأ بوضع دستور يحدد الحقوق والواجبات ليعرف كل ذي حق حقه، وحتى يضبط به يهود من التحايل والمكر المشهورين بهما.


3/ وفي الحروب كان يُرسل العُيون لاستطلاع الأخبار المهمّة عن المعارك، ففي معركة بدر أرسل دوريّةً استطلاعيةً لمراقبة عودة قافلة أبي سفيان، وقام بنفسه بالتأكُّد من قوّة قُريش، والمواضع التي تمركزوا فيها.


4/ وفي يومِ حُنين لم يَفِرّ ﷺ على الرغم من وجود عشرة من الصحابة معه فقط، ما يُؤكّد ثقته بربه، وقوّة توكُّلِهِ.


5/ وفي يومِ حُنينٍ كذلك أعطى المؤلّفة قُلوبهم الكثير من الغنائم، حيث جاء عن صفوان بن أُمية قوله: "ما زال رسول الله ﷺ يُعطيني من غنائم حُنين وهو أبغض الخلق إليّ، حتى ما خلق الله شيئاً أحبّ إليّ منه"، وبالمُقابل لم يُعطِ الأنصار منها؛ لِعلمه بِغِناهُم وإيمانهم العظيم الثابت.


6/ في الحديبية كان حريصاً على الصلح مع قريش ليتفرغ لقتال يهود خيبر الذين كانوا يحرضون العرب لصناعة حلف قوي للقضاء على الإسلام وأهله، فسمع النبي ﷺ بذلك فقرر أن يشق صف هذا الحلف المتآمر، فوقع اتفاق الحديبية في عمل سياسي متميز وراق.


وكان يستخدم الأساليب المباغتة والمفاجئة للأعداء يتضح ذلك:


أ‌) من خلال الصفوف في غزوة بدر.
ب‌) وحفر الخندق في غزوة الأحزاب؟
ت‌) وطبّق أُسلوب القتال في المُدن والأحراش في قتاله لبني النّضير وبني قُريظة وخيبر.
ث‌) واستخدم المنجنيق في حصار الطائف.
ج‌) واتّخذ مكاناً عالياً للمُراقبة في غزوة بدرٍ.
ح‌) وقسّم الجيش في غزوة الخندق.


كان ﷺ القائد الذي يساوي بينه بين وجُنُوده:


أ‌) فكان يُعرِّض نفسه للخطر دونهم.
ب‌) وفي غزوة بدرٍ كان يُشارِكُهم بالسير على الأقدام.
ت‌) وفي غزوة الخندق كان يحفر معهم، ويحمل التُراب على عاتِقِه، ويُشارِكُهُم الطعام.


7/ استشارة الرسول القائد لصحابته: كان النبي عليه الصلاة والسلام يستشير أصحابه بالرغم من أنه مُؤيّد بالوحي؛ وذلك ليُعلّمهم أهمية الشورى، وأنها في حقّهم أوْجب، فاستشارهم في معركة أُحدٍ وأخذ برأي الأغلبيّة في قِتال المُشركين خارج المدينة، أمّا الموقف الوحيد الذي لم يأخُذ فيه باستشارتهم فكان في صُلح الحُديبيّة؛ لأنه كان أمر من الله تعالى، اتضح ذلك بقوله لعمر: «أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، لَنْ أُخَالِفَ أَمْرَهُ وَلَنْ يُضَيِّعَنِي».


8/ الثبات على المبدأ وعدم الحيد عنه: برغم الضغوط والتهديدات، والإغراءات، التي وضعتها قريش ومنها: (..إن كنت تريد بما جئت به من هذا الأمر، مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تريد به شرفا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرا دونك...) فقال ﷺ: «وَاَللّهِ لَوْ وَضَعُوا الشّمْسَ فِي يَمِينِي، وَالْقَمَرَ فِي يَسَارِي عَلَى أَنْ أَتْرُكَ هَذَا الْأَمْرَ حَتّى يُظْهِرَهُ اللّهُ أَوْ أَهْلِكَ فِيهِ مَا تَرَكْتُهُ».


9/ حزمه في اتخاذ القرارات المصيرية: مثل ما صنع مع الشاعر الهجاء أبي عزة الجُمحي، وكان عفا عنه في بدر، فعاد في أحد وأسره، فأمر به وقُتل، وقال: (لا ترجع إلى مكة، فتمسح عارضيك، وتقول: خدعت محمدا مرتين، «لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ».


هذه بعض الأمثلة فقط من هذه المواقف الكريمة، التي تمثلها الثروة الثقافية والفكرية والشرعية الثرة التي تركها النبي ﷺ، وكذا طبقها خلفاؤه الكرام من بعده.


إن الأمة اليوم قادرة على تطبيق هذا المنهج وعلى إقامة هذا النظام البديع بإقامة أعظم دولة عرفتها البشرية وهي دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، ولن تستطع أي دولة في العالم أن تقف في وجهنا اليوم، وإن التحركات الكثيفة التي يقوم بها المبعوثون للدول الاستعمارية في بلادنا هي أصدق دليل على خشية هذه الدول التي استرقت الأمة عقوداً وعملت على تركيعها، حتى لا تقام في بلادنا دولة قوية عظيمة، والشواهد على ذلك كثيرة:


1/ وجود المشروع المبدئي الذي تدار به شؤون الدولة في كافة جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والتعليمية حيث يتبنى حزب التحرير مشروع دستور من 191 مادة عبارة عن أحكام شرعية مستنبطة من الأدلة التفصيلية.


2/ الموقع الاستراتيجي للأمة الإسلامية.


3/ الثروات الضخمة التي تتمتع بها بلاد المسلمين.


4/ القوى البشرية الضخمة الغنية بأهل الكفاءة والقوة التي يمكنها أن تحمي الدولة وأن تديرها إدارة رشيدة وعميقة.


1- المشروع المبدئي - الثروة التشريعية والفكرية:


حيث قدم الإسلام للأمة تشريعات شملت كل جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، حددت لهم الحقوق والواجبات وكشفت لهم الأعداء، وحددت لهم كيفية إدارة شؤون حياتهم بشكل راق ومتميز.


2- الموقع الاستراتيجي: احتلت البلاد الاسلامية قلب العالم، وتشرف على العديد من البحار المهمة والمحيطات ومضايق ومنافذ مهمة وضرورية يحتاجها كل العالم. وهذا الموقع جعل الاستعمار بكل أنواعه يتصارع على اقتسامها بجميع الطرق واستغلال كل مواردها وإمكانياتها وإثارة المنازعات والشقاق.


3- تنوع الثروات ووفرتها منها:


أ- الثروة الزراعية:


وهي من أهم الثروات، فبلاد المسلمين تتمتع بمساحات زراعية شاسعة وخصبة، تجري فيها الأنهار بالإضافة إلى المياه الجوفية وتنوع الأقاليم المناخية التي تؤدي إلى تنوع المحاصيل.


ب- الثروة الحيوانية: من الإبل والماعز والأغنام والخيول والجمال ذات السنام والسنامين.


ج- الثروة النهرية والبحرية:


د- الثروة المعدنية: البترول والغاز والفوسفات والكروم، والكوبلت: من المعادن المهمة التي تستخدم في صنع آلات الطائرات وآلات صناعة الأسلحة الذَّرية. ومنها الحديد، والقصدير والمنغنيز والرصاص وأملاح الصوديوم والبوتاسيوم والكالسيوم والمغنيسيوم وغيرها.


هـ- الثروات الصناعية: ففي البلاد الاسلامية تتوفر مقومات صناعية لا غنى عنها مثل:


1- المواد الخام: معدنية وحيوانية وزراعية وغابية.


2- مصادر الطاقة: مثل الشمس والبترول والغاز الطبيعي والفحم الحجري ومساقط المياه لتوليد الكهرباء وطاقة الرياح وهناك الطاقة الحرارية حيث إن هذه المنطقة هي أكثر مناطق الأرض سخونة.


3- القوى البشرية والأيدي العاملة


4- وحدة الدين والعقيدة: مما سهل التواصل والتآلف ووحدة الأفكار والمفاهيم والمشاعر مما صنع مجتمعاً راقياً يرتكز في بنائه على العقيدة الإسلامية أساسا والحكم الشرعي مقياسا.


حيث تميزت الأمة بنسيج مجتمعي متميز لا نظير له ولا مثيل يقول النبي ﷺ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى»، «الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا» صدق رسول الله ﷺ.


أمثلة تؤكد عظمة أحكام الإسلام في معالجة الناحية المالية والاقتصادية:


لقد قدم الإسلامُ نظاماً اقتصادياً راقياً ومتميزاً صنع استقراراً واطمئناناً وعالج المشاكل وحقق الرفاه الاقتصادي عندما طبق على المسلمين، وتتضح روعة هذا النظام في الآتي:


لقد فرَّق الإسلام بين علم الاقتصاد وبين النظام الاقتصادي: إن علم الاقتصاد يهتم بإنتاج الثروة وتحسينها، وهو علم يؤخذ من أي مكان.


أما النظام الاقتصادي: فهو كيفية امتلاك الثروة وكيفية توزيع الثروة للناس، وهنا يتدخل المبدأ ووجهة النظر، فلا يجوز أن يؤخذ النظام الاقتصادي إلا من العقيدة، وهنا تتضح الكارثة عندما طُبق على المسلمين الاقتصاد الرأسمالي الفاسد الذي أورث المسلمين الشقاء بأحكامه مثل الخصخصة، ورفع الدعم، وتحكم المستثمرين والرأسماليين...إلخ.


فقد حدد الإسلامُ من هو صاحب الثروة؟ وكيف تُملك الثروة؟ وكيف تنفق؟ وكيف تتم تنميتها؟ هذه كلها عبارة عن أحكام شرعية لا تؤخذ إلا من الإسلام، فالذي فرض الصلاة، هو الذي أوجب طريقة معينة لأخذ المال بالبيع أو التجارة أو الإجارة أو الشراكة، وحرم طريقة معينة لكسب المال مثل القروض الربوية أو القمار أو بيع الخمور أو عقود القمار...إلخ.


لذلك كان نظام الاقتصاد الإسلامي الذي تطبقه دولة الخلافة الراشدة عل منهاج النبوة متميزاً، ومن الأمثلة على ذلك:


أولاً: نظر الإسلام إلى المشكلة الاقتصادية بأنها فقر الأفراد وليس فقر البلاد، فعرَّف الإسلام المشكلة الاقتصادية بأنها: (توزيع الأموال والمنافع على جميع أفراد الرعية وتمكينهم من الانتفاع بها بتمكينهم من حيازتها ومن السعي له).


لذا أوجب الإسلام على الدولة أن تضمن إشباع جميع الحاجات الأساسية لجميع الأفراد فرداً فرداً إشباعاً كلياً وأن تضمن تمكين كل فرد منهم من إشباع الحاجات الكمالية على أرفع مستوى مستطاع. عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ: «وَأَيُّمَا أَهْلُ عَرْصَةٍ أَصْبَحَ فِيهِمْ امْرُؤٌ جَائِعٌ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُمْ ذِمَّةُ اللَّهِ تَعَالَى» الإمام أحمد في مسنده


ثانياً: لقد جعل الإسلام الملكيات ثلاثة أنواع: الملكية الفردية والملكية العامة وملكية الدولة.


1) الملكية العامة هي: (إذن الشارع للجماعة بالاشتراك في الانتفاع بالعين) يقول النبي ﷺ: «النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ: الْمَاءِ وَالْكَلَأِ وَالنَّارِ».


2) يجبر كل من ملك أرضاً على استغلالها ويُعطى المحتاج من بيت المال ما يمكنه من هذا الاستغلال وكل من يهمل الأرض ثلاث سنين من غير استغلال تؤخذ منه وتُعطى لغيره. (المادة 136).


3) يمنع تأجير الأرض للزراعة؛ فمن كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه.. أخرج البخاري عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ لِيَمْنَحْهَا أَخَاهُ فَإِنْ أَبَى فَلْيُمْسِكْ أَرْضَهُ».


4) تتحقق الملكية العامة في ثلاثة أشياء:


أ‌) كل ما هو من مرافق الجماعة كساحات البلد


ب‌) المعادن التي لا تنقطع


ت‌) الأشياء التي من طبيعتها تمنع اختصاص الفرد من حيازتها كالأنهار (المادة 137)


5/ لا يجوز للدولة أن تحول الملكية الفردية إلى ملكية عامة لأن الملكية العامة ثابتة في طبيعة المال لا برأي الدولة (139) من مشروع دستور دولة الخلافة.


6/ لكل فرد من أفراد الأمة حق الانتفاع بما هو داخل في الملكية العامة، ولا يجوز للدولة أن تأذن لأحد دون باقي الرعية بملكية الأملاك العامة أو استغلالها (المادة 140) من مشروع دستور دولة الخلافة.


7/ تمنع الدولة كل ما من شأنه أن يصنع غلاء الأسعار ويزيد من معاناة الناس لذا حرَّم الإسلام:


أ‌) فرض الضرائب غير المباشرة على السلع والخدمات. روى الإمام أحمد في مسنده وغيره، عن معقل بن يسار رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: «يَقُولُ مَنْ دَخَلَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَسْعَارِ الْمُسْلِمِينَ لِيُغْلِيَهُ عَلَيْهِمْ فَإِنَّ حَقّاً عَلَى اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنْ يُقْعِدَهُ بِعُظْمٍ مِنْ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».


ب‌) كما حرّم الإسلام أخذ الجمارك من أفراد الرعية:


أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن المرأة الغامدية التي اعترفت بالزنا وهي محصنة، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ، قال: فَيُقْبِلُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِحَجَرٍ فَرَمَى رَأْسَهَا فَتَنَضَّحَ الدَّمُ عَلَى وَجْهِ خَالِدٍ فَسَبَّهَا فَسَمِعَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ سَبَّهُ إِيَّاهَا فَقَالَ مَهْلاً يَا خَالِدُ: «فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ لَهُ» وصاحب المكس هو آخذ الجمارك.


8/ التجارة الخارجية تعتبر حسب تابعية التاجر لا حسب منشأ البضاعة؛ فالتجار الحربيون يمنعون من التجارة في بلادنا إلا بإذن خاص للتاجر أو المال. والتجار من الرعية يمنعون من إخراج ما تحتاجه البلاد من المواد التي من شأنها أن يتقوى بها العدو عسكرياً أو صناعياً أو اقتصادياً. يستثنى من هذه الأحكام البلد الذي بيننا وبين أهله حرب فعلية مثل كيان يهود فإنه يأخذ أحكام دار الحرب الفعلية في جميع العلاقات معه تجارية كانت أم غير تجارية (المادة 161) من مشروع دستور دولة الخلافة.


9/ نقود الدولة هي الذهب والفضة ولا يجوز أن يكون لها نقد غيرهما ويجوز أن تصدر الدولة بدل الذهب والفضة شيئاً آخر على شرط أن يكون له في خزانة الدولة ما يساويه من الذهب والفضة (المادة 167). واليوم على سبيل المثال إذا أعلنت الدول التي تنتج البترول بأنها ستبيع البترول بالذهب غدا سيصبح (الدولار) ورقة لا قيمة لها.


لذلك فإن الذي يقوي ويحمي الدولار هي الحكومات القائمة في بلادنا اليوم، فنحن لسنا بحاجة إلى الدولار، فنحن لدينا الثروات التي تحتاجها الدول الاستعمارية المتحكمة في العالم اليوم، فماذا إن رفضنا بيع الصمغ، أو اللحوم، إلا بالذهب فهل ستضطر الدول الاستعمارية إلى التعامل معنا بالذهب أم أنها ستستغني عن هذه السلع الاستراتيجية؟!


لذا هذا يؤكد أن الفقر في بلادنا مصطنع، وأن الاستفادة من هذه الثروات وتطبيق هذه الأحكام يحتاج إلى قرار سياسي، وهذا لا يمكن أن تقوم به إلا دولة تجعل السيادة لشرع الله تعالى، والقضية الأساسية عندها هي إرضاء الله تعالى، وأن رعاية شؤون رعيتها هو واجب كوجوب الصلاة والصيام، ولا توجد دولة تفعل ذلك إلا دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة.


والدعوة لإقامة هذه الدولة العظيمة تفرد بها حزب واحد في العالم منذ سقوط هذه الدولة العظيمة في عام 1342هـ، نعم، حزب واحد هو الرائد في الدعوة لإقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هو حزب التحرير، الذي بذل لهذه الدعوة الأرواح والمهج، والغالي والنفيس، يتعرض الحزب للمضايقات والاعتقالات، بل وفقد خيرة شبابه بالقتل والتعذيب.


- حزب التحرير هو الحزب السياسي الإسلامي الوحيد الذي لديه دستور كامل لدولة الخلافة القادمة مكون من 191 مادة تشمل كل جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، مستنبط من كتاب الله وسنة رسوله e، وما أرشدا إليه من إجماع الصحابة والقياس الشرعي، كما أوجد صورة واضحة للدولة التي يريد إقامتها مع الأمة، موضحاً كل صغيرة وكبيرة تتعلق بالحكم والسياسة والاقتصاد والاجتماع والتعليم وغيرها، في كتب تدرّس للشباب في حلقات مركزة، كما أنها متاحة للجميع للاطلاع عليها. وبذلك لا تبرأ ذمة أي مسلم اليوم إلا بالعمل مع حزب التحرير لإقامة الخلافة. إن حزب التحرير هو الرائد الذي لم يكذب أهله وهو الذي يمثل الأمة وتطلعاتها أفضل تمثيل، فهو عند الأمة معروف بصدقه وصراحته ونقائه فهو في قضية الإسلام لا يجامل أحدا ولا يداجي ولا يداهن ولا يتملق أحداً.

- حزب التحرير هو الحزب الوحيد الذي ليس له ارتباط بالدول الاستعمارية ولا بالسفارات الأجنبية، بل يعتبر الارتباط بهذه الكيانات خيانة لله ولرسوله وللمؤمنين، فلا يأخذ حزب التحرير تعليماته إلا من الإسلام وأحكامه العظيمة.


وما زال حزب التحرير برغم شدة القمع والبلاء، وفقد الأحباب والأعزاء، ثابتاً في دعوته لإقامة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة، يصنع الرجال الأكفاء المثقفين بأحكام دينهم، الواعين على قضية سياسة الدنيا بالإسلام.


حزب التحرير هو القادر على تحرير الأمة تحريراً حقيقياً بالإسلام، حيث يملك الحزب حشداً ضخماً من السياسيين رجال الدولة الواعين، ومثلهم من النساء، يستطيعون إدارة شؤون الدولة، إذا أقيمت اليوم، بقيادته الرشيدة وأميره العالم الجليل والسياسي المحنك، عطاء بن خليل أبو الرشتة لقيادة الأمة في إقامة الخلافة وقيادة الخلافة نحو التمكين في الأرض بإذن الله رب العالمين.


- فنحن ندعو المسلمين بقلب صادق وبرغبة حقيقية للتغيير أن ينضموا إلى مسيرة حزب التحرير، وينصروا هذه الدعوة الكريمة، بإقامة دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة فإقامتها فرض وواجب. يقول النبي ﷺ: «مَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» أخرجه مسلم عن عبد الله بن عمر.


- وهي وعد وبشرى، يقول الله سبحانه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.


#أقيموا_الخلافة
#ReturnTheKhilafah
#YenidenHilafet
#خلافت_کو_قائم_کرو

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
محمد جامع (أبو أيمن)
مساعد الناطق الرسمي لحزب التحرير في ولاية السودان

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر