(إسـرائيلُ) وأخـواتُها
July 14, 2014

(إسـرائيلُ) وأخـواتُها


ما زال كثيرٌ من أبناءِ أمَّتنا الإسلامية يستغرِبون ويتعجبون من حالة الصمتِ التي تسودُ المواقفَ الرسمية العربية والإسلامية حيال ما جرى في فلسطين على مَرِّ عقودٍ وما جرى في غزة في الأمسِ وما يجري في غزةَ هذه الأيام، أقول ما زال كثير من المتعلمين والمثقفين يستغرِبون هذا الصمت.


وهذا الاستغرابُ يدلُ دلالة واضحةً على أن الرؤيةَ ما زالت غيرَ واضحةٍ عند كثير من أبناء أمتنا تجاه ما يجري من أحداث سياسية وعسكرية على أرض بلادنا، ولا أَدَلَّ على هذا التشتت في الرؤى حيال ما يجري الآن من أحداث في غزة إلا هذا الاستغراب الملحوظ والملامة الشديدة التي يُبْدِيها البعضُ على أنظمة الدول العربية والدول القائمة في البلاد الإسلامية، ولعل ما يجري في غزة من أحداثٍ إجراميةٍ وعربدةٍ صهيونيةٍ وصمتٍ، لا بل تواطؤ عربيٍ ودولي، أقول لعل ما يجري الآن في غزة يخلق مناسبة تفرض علينا أن نُذَكِّرَ مرةً أخرى ونضع النقاط على حروفها بلغة واضحة وأسلوب لا لَبْس فيه، بحيث لا يمكن معها إلا فهمُ هذا الصمتِ المُشين الذي يتوارى خلفهُ أولئك الذين طالما سموا زعماءَ أو ملوك أو رؤساء دويلاتِ العالم العربي والإسلامي الذين استطاعوا مع أسيادهم للآن وبجدارة أن يكبحوا جماح الأمة الإسلامية عن رغبتها الجامحة في نصرةِ أهلِ فلسطين وغزة، والسيطرةَ على جيوش الأمـة من أن تتحرك أي تحركٍ إيجابي نحو قضايا أمتها.


يجري هذا وشبابُ أمتنا ثائرٌ حائرٌ في كل بلد من بلداننا، ثائرٌ على ما يعانيه في بلده من ظلم وتجويع وإذلال، وحائر لكثرة الفتن والمؤامرات السياسية التي تحاك له هنا وهناك، إلا أن ما يجري في غزة وفلسطين وعلى الدوام يضع الواحد منا أمام مسؤوليات ولو بشكل فردي تفرض عليه أن يحسم أمره في فهم هذا المشهد على حقيقته لأن العدو هنا ظاهر لكنه في بلادنا ربما ليس بهذا الوضوح لدى الكثير منا.


ففي فلسطين وغزة هناك (إسرائيل) تُلقي بجحيم حِممها على رؤوس المسلمين العزل في بيوتهم، أما هنا في بلادنا فإن الذي يُلقي براميل الموت على المدن السورية ليس كيان يهود، فدولة سوريا تقتل رعاياها، كما أن الذي يغتال ويقتل المسلمين في ليبيا ويقصف بنغازي بالطائرات ليس كيان يهود، فبقايا الدولة العميقة بحفترها تقف للمسلمين بالمرصاد، وليس كيان يهود من يدير الأحداث في اليمن وليس هو من يقمع المحتجين من المسلمين أمام سفارة (إسرائيل) في عمان، وليس هو الذي قام بمجزرة رابعة العدوية بمصر، ولا هو الذي يواجه المحتجين التواقين للحرية والعيش الكريم في شوارع مصر، وليس هو من يخنق المعتقلين أحياء في عربات الترحيلات في أرض الكنانة، وليس هو الذي هاجم الفلوجة والمدن السنية في العراق، نعم ليس كيان يهود من يفعل ذلك وأكثر منه في بلادنا العربية من محيطها إلى خليجها.


ولكنك إذا ما عرفت أن كل هذه الدول القائمة في عالمنا العربي هي دول شقيقةٌ (لإسرائيل) من رَحِمِ أمٍّ واحدة، إذا عرفت ذلك فيجب أن يزول عنك العجب والاستغراب من صمتِ أنظمة الدول العربية حيال ما يجري في غزة، فدولة يهود ودولة الأردن ودولة مصر ودولة سوريا ودولة لبنان (دول الطوق) وغيرهم لا تستثني منهم أحداً، كلها دول شقيقة (لإسرائيل) وُلدت جميعا من رحم اتفاقية سايكس بيكو، بعد أن قام الغرب الكافر بقيادة بريطانيا وفرنسا بعد أن هزموا دولة المسلمين "دولة الخلافة الإسلامية العثمانية" قاموا بتقسيم العالم الإسلامي بعد احتلاله إلى دول كرتونية وضعوا عليها مدراء يديرون شؤون الناس حسب ما يريدون هم وسموهم زعماء، تقتصر مهمتهم على أن يسمعوا ويطيعوا لأسيادهم في إدارة البلاد بالطريقة التي يريدون لإرضاء أسيادهم كي يبقوا في مكان الزعامة المزيفة الخائنة العميلة التي لم تتغذ يوما إلا على أجسادنا ودمائنا ومقدرات بلادنا، فهم كلهم متآمرون على أمة الإسلام، ففي كل مكان يتحرك فيه المسلمون طلبا لحريتهم وكرامتهم، تجدهم يتحركون لقمعهم متضامنين متكاتفين، فهم من جينات سياسية واحدة، وكلهم في الإجرام سواء، فما الفرق بين براميل الموت التي يمطرها مأفون دمشق على رؤوس أهلنا في سوريا فيدمر المكان على من فيه، وبين ما يلقيه يهود الجبناء من صورايخ على البيوت فوق رأس ساكنيها في غزة، ثم ما الفرق بين فض (إسرائيل) للمظاهرات والاعتصامات حول الأقصى أو في أي مكان من ربوع فلسطين وبين فض النظام المصري لجموع المعتصمين في ميدان رابعة العدوية وخنق المعتقلين في سيارات الترحيل بالغازات، ما الفرق؟!


فمن هؤلاء يا ترى الذين تفوَّقوا بإجرامهم فينا على يهود أضعاف المرات؟! من يا ترى؟! إن الشبه كبير بين (إسرائيل) وأخواتها في عنفهم وإجرامهم وتجرؤهم على حرمات المسلمين، فملة هذه الدول كلها واحدة، وكلها عدوة للإسلام وللمسلمين، فسكوتهم على ما يجري بغزة، لأنهم إن اعترضوا على (إسرائيل) فإنما يعترضون على أنفسهم، فهم يعلمون أنهم أشقاء وأشقياء، وُلِدوا في وقت واحدٍ وأن زَوالهم سيكون في وقت واحدٍ، بل هم فوق ذلك توائم من حملِ سفاحٍ واحد، فقد وُلِدوا جميعا لأبٍ واحد وأُمِّ واحدة وبمخاض واحد.


يا قومنا نحن لسنا طرفاً ثالثاً، فالبلاد بلادنا وهي محتله عسكريا منذ ما يقارب القرن، وما أن استقر الحال للمحتلين حتى صنعوا لنا حكاما وجيوشاً أفنوا حياتهم يخبطون الأرض بأرجلهم، رافعين التحية لهذا الحاكم ومن يورث من بعده في إيقاع عسكري يوهمنا أن لدينا جيوشاً نعتمد عليها ضد أعدائنا، ولكن للأسف فإن أعداءَنا ليسوا هم أعداءَ حكامنا.


إن الحقائق أصبحت جلية لكل من يريد أن يعمل على نهضة أمته واستعادة مجدها لرفع الظلم عن كاهل أهلنا في كل مكان، ولكن تجلية الحقائق وحدها لا تكفي، فبناء الدول يحتاج إلى رجال يقودون المسيرة ويبذلون في سبيل ذلك كل غالٍ ونفيس، أما أن نقف ونتفرج على الصواريخ والبراميل المتفجرة التي تنهال علينا من كل حدبٍ وصوبٍ ونحصيها، ونقف مكتوفي الأيدي نتفرج على طائرات قواتنا المسلحة يقودها أبناء أمتنا وهي تقصف بلا رحمة ولا هوادة بيوتنا ونساءنا وأطفالنا، وأما أن نتسابق في تصوير هذه المشاهد المروعة لنبثها لبعضنا على ما يسمى بمواقع التواصل الاجتماعي فنـزداد ولولة وتحسراً على ما يجري كأن الأمر لا يعنينا إلا من ناحية إنسانيةٍ، وأما أن نكتفي بنقل الصور ونبثها إلى الهيئات والمنظمات الحقوقية ونناشد هيئة الأمم المتحدة لتقف بجانب قضيتنا فتحمينا كما فعل "عباس" الذي قرر أن يطلب من الأمم المتحدة حماية الشعب الفلسطيني، فهذه قمة الجهل السياسي والهوان ذلك أن هذه المنظمات المزعومة من أشد المناصرين (لإسرائيل) وأخواتها، يدعمها غرب كافر لا هم له في منطقتنا إلا أن نبقى تحت سيطرة هذه الدول لتبقى مصالحهم بعيدة عن أي تهديد حقيقي، نحن بهذا نفعل هراءً، ونزيد ضعفنا ضعفاً، لماذا لا نتوجه إلى تلك الجحافل من الرجال في جيوشنا ونخاطبهم بشكل واضح أنه لا بد لهم أن يتحملوا مسؤولياتهم فيتحركوا لنصرة دينهم وأهلهم، ما نوع هذا الدم الذي يجري في عروقهم، وإذا لم يكونوا لمثل هذه اللحظة فما ضرورة وجودهم، كيف يقبلون على أنفسهم أن تكون مهمتهم هي حماية الزعيم الخائن العميل من شعبه وهم جزء من هذا الشعب، وإذا لم يستجيبوا لكم ورضوا بالركون إلى حياة الذل والهوان، فما علينا إلا أن نتحرك لإسقاط هؤلاء الحكام الخونة ونقيم دولة العزة دولة الخلافة لتكون حرباً على أعدائنا وأعداء الله سلماً على المسلمين، لا أن يكون حرباً علينا وسلما على يهود.


نعم نريد إقامة دولتنا التي لا غنى لنا عنها دولة الخلافة الإسلامية، وسنُلقى بدولة يهود وأخواتها إلى جهنم وبئس المصير.


﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾



كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
أبو حذيفة - مصر

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر