جماعات الإسلام السياسي في بلاد المسلمين  قراءة فيما بثته الجزيرة في (موازينها)
December 16, 2022

جماعات الإسلام السياسي في بلاد المسلمين قراءة فيما بثته الجزيرة في (موازينها)

جماعات الإسلام السياسي في بلاد المسلمين

قراءة فيما بثته الجزيرة في (موازينها)

قبل عدة أيام استضافت قناة الجزيرة القطرية الفضائية باحثا ومعلما للفلسفة في إحدى الجامعات التونسية واستعانت بأستاذين كريمين، وتحدثوا جميعا حول جماعات الإسلام السياسي في بلاد المسلمين، وبالذات في البلاد العربية، ودور هذه الجماعات في إعادة الخلافة، وقد تناول البرنامج حزب التحرير (والذي هو - حسب مقدم البرنامج - من أبرز الحركات التي ركزت على إعادة الخلافة وجمع كيانات الأمة تحت مظلة الخلافة)، وعليه فقد كان من الإنصاف وحسن إدارة البرنامج أن تناقش طريقة الحزب في الوصول إلى إقامة الدولة وضم الكيانات القائمة الآن في بلاد المسلمين بشيء من التفصيل، سيما والأمر يخصه كثيرا، أن تستضيف أحد شبابه ليشرح وجهة نظر الحزب بالبيان والتفصيل، لا أن يتم حشو اسمه وتناقش أطروحته ويكون حظه من البرنامج أقل من خمس دقائق!

على كل حال، ونحن نعلم توجه الجزيرة ولماذا أنشئت ومن وراءها، إلا أننا نجد أنفسنا معنيين أن نبين الأمور التالية:

أولا: إن حزب التحرير قد أخذ على عاتقه حمل هذه الأمانة العظيمة وهو يصل ليله بنهاره منذ سبعة عقود ليعيد الخلافة، التي ستضم هذه الكيانات الكرتونية في بلاد المسلمين، هذه الخلافة التي لم يعرف المسلمون غيرها طوال ثلاثة عشر قرنا إلى أن جاء الكافر المستعمر بمعاونة بعض من مطاياه في بلاد المسلمين فهدمها وأنشأ مكانها دولا وصنع لها أعلاما وأناشيد وحدودا...

ثانيا: إن حزب التحرير وقد تبين له المرض الذي أنهك جسم الأمة وكاد يجهز عليها ويستأصل شأفتها كان لا بد أن يجمع قواه ويخوض صراعه مع الغرب الكافر وأذنابه وهو يسير في طريقه بقوة وصلابة، سيما بعد أن تبين أن المستعمر لم يستعمر بلاد المسلمين ويهدم الخلافة إلا لأنها تمثل بالنسبة للمسلمين الإطار الجامع والنظام السياسي الذي يحفظ بيضتهم ويقيهم من غوائل الأمم، فبات همه أن ينسف فكرة الخلافة من أذهان المسلمين بعد أن تآمر عليها وهدمها بالفعل في بدايات القرن المنصرم، فهذا اللورد كرزون يلخص لنا كيف يفكر الغرب كله، فعندما عاب عليه مجلس العموم البريطاني تركه تركيا على حالها وبمساحة جغرافية كبيرة بعيد انتهاء الحرب العالمية الأولى مع أنه كان يملك وقتها هو ومن معه من دول الكفر والاستعمار العمل على أن يصنع بها كما صنع في بلاد الشام فكان جوابه: "لقد قضينا على سر قوة المسلمين قضينا على الخلافة"، ولذلك لم يكن لحزب التحرير بعد معرفته المرض الذي نخر جسم الأمة وجعلها غثاء كغثاء السيل لا وزن لها ولا قيمة بين الأمم، لم يكن له إلا أن يفكر في إعادة الخلافة وما هي الطريقة الشرعية لإعادتها، ثم بعد أن تقام ما هو الدستور والقوانين التي يجب أن تطبقها وكيف يجري ضم البلاد الإسلامية التي انتزعت من جسد الأمة، وهو يعتبر أي جهد في غير هذا مضيعة للوقت ولن تكون له ثمرة، فالمرض الأساس هو عدم وجود كيان يمثل الأمة الإسلامية بوصفها أمة واحدة وأن ما يُظن أنه أمراض فتكت في جسمها الأمة إنما هي أعراض لذلك المرض الأساس، فإذا عولج المرض فإن جسم الأمة سرعان ما تدب به الحياة من جديد، وأمام هذا التوصيف فإن حزب التحرير منذ سبعين عاما يعمل في الأمة ومعها ليجعل الهم الذي يحمله هماً تحمله الأمة حتى إذا ما أصبح رأيه رأيا عاما في الأمة يكون قد قطع شطر الطريق.

ثالثا: إن الأمة الإسلامية اليوم قد أبصرت ما يبصره الحزب فلم يعد مطلب إعادة الخلافة مطلبا لحزب التحرير فقط، ففي الوقت الذي كانت تنتشر فيه الحركات الوطنية والقومية التي أنشأها الغرب وعملاؤه لتصرف الناس عن قضيتهم المصيرية وهي إقامة الخلافة، فإن الناس اليوم قد تجاوزوا هذه الحركات التي لم يعد لها وجود، حتى من بقي منها على قيد الحياة فإنها قد أجبرت على أن تتدثر بلبوس الإسلام حتى يقبلها الناس ويعملوا معها، وما ذلك إلا لأنه علم أن الأمة قد عرفت مشكلتها وشخصت مرضها وحسمت أمرها، فلم يعد ينتطح في ذلك عنزان أو يختلف عاقلان؛ أن الأمة أصبحت تدرك أن أم المصائب هي زوال الخلافة، ولسنا هنا نحاول أن نتحدث عن أمنيات أو أحلام وإنما نتحدث عن عدو حقيقي للغرب وهاجس أصبحت مراكز الدراسات الاستراتيجية تكتب فيه المطولات وتحذر منه العالم، ألا وهو أن الأمة بدأت تتبصر طريقها وأن الخلافة لم تعد فكرة حزب التحرير وحده، ولا أدل على ذلك من تآمر الدنيا على ثورة الشام لأنها رفعت شعار إقامة الخلافة، وما جمعة تحكيم الشريعة التي جمعت الملايين من الناس في مصر عنا ببعيدة.

فحزب التحرير قد قطع مع الأمة شوطا بل أشواطا من أجل أن تكون الخلافة مطلبها، وهو والحمد لله حقق ما رسمه وزيادة، فالأمة الإسلامية هي أمة حية ولا ينقصها إلا أن تتوحد في كيان واحد وليس ذلك إلا الخلافة، ونستطيع القول إن الأمة بفكرتها العامة قد حسمت أمرها وانتصرت على كل فكرة ليست من دينها وعقيدتها.

رابعا: إن الجزيرة تسأل ضيوفها عن حزب التحرير كي تضفي على نفسها شيئا من المصداقية والجرأة، حتى تقول للمشاهد ها نحن نتحدث عن الجماعات الإسلامية جميعها ومنها حزب التحرير، وإلا فإن قناة الجزيرة هذه نفسها من قال قائلها بالأمس القريب بعد أن استضاف تحريريا: "هذه آخر مرة أستضيف فيها تحريريا"! لما وجد تفاعل الناس مع طرحه وسؤاله على الهواء مباشرة، فالقنوات الفضائية ومنها الجزيرة ليست معنية أو مهتمة بالخلافة أو أي من هموم الأمة، وها هو مونديالها وعرسها الكروي قد طغى على كل تغطيتها الإعلامية، فليس مهرجانا يعقده حزب التحرير ويحضره الآلاف خبر عاجل أو مهم أو تجب تغطيته وتصويره، وإنما مؤتمر صحفي يعقده ميسي بعد فوز السعودية على الأرجنتين هو الأهم، وبهذا تنهض الأمة في قناة الجزيرة!!

خامسا: إن تناول فكرة الخلافة بهذا التسطيح والبساطة لا يليق بفكرة عظيمة حملتها الأمة ثلاثة عشر قرنا، وإن تناول حزب التحرير كأي حزب شكّله هواة ليس عملا صحفيا ومهنيا، وكان حريا بقناة الجزيرة أن تحترم عقل المشاهد وترتفع بتقديم الفكرة وتكون على مستواها، أما أن تضع المقدمة وتصل إلى النتيجة كما تحب وتشتهي فليس ذلك عملا صحفيا بريئا وإنما وراء الأكمة ما وراءها؛ فمثلا إن الجزيرة لما افتتحت كان شعارها الرأي والرأي الآخر حتى إنها من فرط (إنصافها!) تستضيف من يمثل كيان يهود بحجة أنها تريد السماع من كل الأطراف، فلماذا عندما يتعلق الأمر بحزب ملأ سمع الدنيا وبصرها وأصبحت فكرته تزاحم كل الأفكار التي رعاها الغرب من قومية ووطنية وعلمانية، لماذا والأمر بهذه الجدية والاهتمام تتكرم علينا الجزيرة بخمس دقائق لتختزل فيها ثلاثة عشر قرنا؟!!

سادسا: عندما سئل ضيف الجزيرة عن حزب التحرير عاب على الحزب الطريقة التي استنبطها للوصول للحكم، والتي هي طريقة النبي عليه الصلاة والسلام، إلا أنه خلط بين ما قاله ابن خلدون في مقدمته من أن الحكم يقوم على ركيزتين أساسيتين: وهي الشوكة والعصبية أولاً، والمال الذي يعطيه الحاكم للجند ليستقر له الحكم، وبين كون الحزب يريد أن يصل للحكم عن طريق الرأي العام، ولا أدري هل كان ذلك خلطا متعمدا أم عن جهل بطريقة الحزب للوصول إلى الحكم، على كل حال فإن المقارنة بين حزب كحزب التحرير يسعى لأخذ الحكم عن طريق الأمة ويطلب النصرة ممن بيدهم القوة التي يستطيعون بها إيصاله للحكم وبين دولة قامت على شوكة وعصبية وتمتلك المال الذي تعطيه للجند، إن هذه المقارنة لا تصح، فالحزب لم يخف طريقته يوما فهو يطلب النصرة ممن بيده القوة حتى تعود الأمة فتمتلك سلطانها من جديد حتى إذا بايعت استقر الحكم له وطبق الإسلام تطبيقا انقلابيا جذريا، فتصبح فكرة الحزب بعد ذلك دستورا وأنظمة وقوانين.

فالرأي العام الذي نقله مصعب بن عمير للنبي عليه الصلاة والسلام وكيف أصبحت فكرة الكتلة التي رأسها النبي في مكة رأيا عاما عند أهل المدينة، ثم لما صرف الله له وفد الأوس والخزرج اجتمع الرأي العام مع حزم وقوة أهل النصرة فلم يعد ينقص الدولة الجديدة إلا أن يستلم من تمت بيعته الحكم، فقد وصل عليه الصلاة والسلام إلى المدينة حاكما ببيعة أهل النصرة وأصحاب الشوكة والقوة. والحزب ما انفك يطلب النصرة من أهل القوة والمنعة، فلربما طلب النصرة من عشيرة أو جيش أو قبيلة، وجماع ذلك عنده أن النصرة حكم شرعي يطلب من مظانه فكل من يغلب على الظن أنه إن أعطى النصرة جيشا كان أو قبيلة أو عشيرة فإن الحزب يوجه له الخطاب لأنه من قوى الأمة وليس من قوى الحاكم، وبمعنى آخر كل من جاز عمليا أن يكون سندا لنظام الحكم البائد فإنه يصلح أن يكون سندا لنظام الحكم الجديد.

سابعا: إن الأمة لم يعد ينقصها من عوامل العزة وأسباب القوة شيء إلا أن تبايع خليفتها على الحكم بالكتاب والسنة وتطبيق الإسلام، وإن أهل القوة والمنعة يوشكون أن تتآزر إرادتهم مع الرأي العام الكاسح في الأمة، وإنهم سيبقون من جسم الأمة وأجهزتها، فالظلم يعمهم كما هي الأمة، وإن أهل القوة والمنعة لن يعدموا سعداً وأسيداً وأسعد، بل فيهم العشرات والمئات من مثلهم ممن سينصرون الإسلام ويعملون على استعادة مجده وسؤدده، وإن غدا لناظره قريب... إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو المعتز بالله الأشقر

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر