جرد الحساب ما بين مطالب الكفار والمطالب الشرعية
August 29, 2020

جرد الحساب ما بين مطالب الكفار والمطالب الشرعية

جرد الحساب ما بين مطالب الكفار والمطالب الشرعية

كما تابعتم الأحداث السياسية التي تمر بها البلاد في هذه الأيام بخروج الناس للشوارع في تظاهرات أطلقوا عليها (جرد الحساب) وذلك امتداداً لانتفاضة كانون الأول/ديسمبر من العام 2018م التي انتظم فيها أهل السودان في جميع بقاع البلاد، وعبروا فيها عن رفضهم للظلم الذي لاقوه من الحكومة البائدة سيئة الذكر (حكومة الإنقاذ) في شكل تظاهرات سلمية أفضت إلى إسقاط رأس النظام المتمثل في البشير وباقي طاقمه الحكومي، وكان من أبرز شعاراتها (سلمية سلمية ضد الحرامية... الدم قصاد الدم ما بنقبل الدية)... وغيرها من الشعارات التي تمحورت فيما بعد في شكل مطالب وهي:

  1. المطالبة بالمحاسبة والقصاص من رموز النظام البائد على كل الجرائم التي ارتكبها في حق أهل السودان وخاصة المتظاهرين في انتفاضة كانون الأول/ديسمبر السلمية.
  2. المطالبة بحياة كريمة ونوال أبسط حقوقهم في العيش الكريم.
  3. المطالبة بتحقيق الأمن والاستقرار في جميع نواحي البلاد.

وفي 17 آب/أغسطس من العام 2019م اتفق المجلس العسكري ومن خلفه أمريكا وقوى الحرية والتغيير ومن خلفها بريطانيا على توقيع وثيقة تكون بمثابة دستور توضح مهام وملامح الفترة الانتقالية، وجاءت هذه الوثيقة نتيجة للصراع الأمريكي الأوروبي بمباركة إقليمية ودولية.

وها نحن الآن في 20 آب/أغسطس من عام 2020م، إذ مرت سنة كاملة على توقيع هذه الوثيقة، وبالتالي لا بد من وقفة واعية ومستنيرة نجرد فيها الحساب لهذه الفترة التي مرت من عُمُر هذه الحكومة ونوضح فيها الحقائق:

أولا: معاش الناس:

وهو الذي كان سبباً أساسياً في خروج الناس للشارع ومطالبتهم بإسقاط الحكومة نتيجة لتدهور الحالة الاقتصادية خاصة مع بداية عام 2018م بعد الرفع الجزئي للعقوبات الاقتصادية عن السودان، هذا الرفع الذي كشف حقيقة تدثر النظام السابق به وجعله كـ(شماعة) لتدهور الحالة الاقتصادية، مع أن تدهور الاقتصاد كان سببه فشل وعمالة الحكومة، وهذا الفشل يتمثل في السياسات التي قامت بها؛ من رفع أسعار الخبز والمحروقات ورفع قيمة الدولار الجمركي لثلاثة أضعاف من 6.9 إلى 18 جنيهاً، وتراجع قيمة العملة المحلية مما أدى لارتفاع الأسعار حيث بلغ معدل التضخم وقتها 70%، وقام البنك المركزي على ضوء ذلك بحجز الأموال من البنوك في محاولة منه لخفض معدل التضخم ولكن ذلك لم يعالج مشكلة، وجاءت الحكومة الانتقالية والأصل المنوط بها هو وقف التدهور الاقتصادي بإيجاد حلول جذرية لمشكلة الاقتصاد، لكن طوال السنة الكاملة من عمرها نجد أنها عاجزة وفاشلة للوصول إلى حل ولو جزئي، فكل الذي قامت به الحكومة الانتقالية أنها اتبعت سياسات النظام السابق نفسها، وأبرز دليل على ذلك هو تعديلها لموازنة 2020م التي كان أبرز ما فيها هو رفع الدعم عن المحروقات بنسبة 75% وعن الكهرباء بنسبة 41% مما ينذر بكارثة اقتصادية جديدة، بخروج المنتجين عن دائرة الإنتاج بسبب زيادة تكلفة مدخلات الإنتاج مما يزيد من معدلات البطالة والفقر المدقع الذي بلغ أكثر من ثلثي السكان حسب "مسح الجهاز المركزي للإحصاء في عام 2014م"، وهذه هي عينها توصيات وأوامر صندوق النقد الدولي الذي طالب بها الحكومة البائدة في اجتماع في جزيرة بالي بإندونيسيا مطلع شهر 10 من عام 2018م حيث طلب منهم تعويم الجنيه ورفع الدعم عن المحروقات وإلغاء دعم الكهرباء والقمح من 2019م إلى 2021م حتى يتم خلق ظروف لازمة لجذب المستثمرين وتعزيز التنمية الاقتصادية في البلاد ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً﴾. وأيضا من أبرز الجرائم التي وردت في التعديل هي رفع حجم الاستدانة من البنك المركزي بنسبة 333% أي طباعة مزيدٍ من النقود دون غطاء على طريقة (رب رب) مما أدى إلى زيادة الكتلة النقدية في السوق إلى 200 مليار جنيه من أصل 60 مليار جنيه سابقاً، وهذه سرقة لأموال الناس وتدمير للاقتصاد بالكلية، إذاً لا فرق بين عبد أمريكا وعبد أوروبا في تدمير البلد والتآمر على أهله وثروته، لذلك نقول إن السبب الرئيسي الذي أودى بهذه الحكومة الانتقالية في هذه الدائرة السحيقة؛ هو عمالتها للكافر المستعمر واستنادها على النظام الرأسمالي في الاقتصاد، واتخاذها لصندوق النقد الدولي سيداً لها، تنفذ روشتاته دون أدنى تفكير، وكذلك تعويلها على ما يسمى بأصدقاء السودان، أو شركاء السودان، لدرجة أنها بَنت موازنتها ابتداءً على تعليماتهم، مما جعلها تضطر إلى هذا التعديل القاتل، بعد أن أيقنت أنها كانت تتشبث بخيوط العنكبوت.

ثانياً: محاسبة المجرمين والقصاص من قتلة المتظاهرين:

ولتوضيح هذا الأمر لا بد من أن نقف على نقطتين:

النقطة الأولى: محاسبة أفراد النظام البائد وغيرهم في الجرائم التي ارتكبت في حق أهل السودان:

من المعلوم أن نظام الإنقاذ ارتكب الجرائم العديدة في حق أهل السودان ولذلك يجب أن يحاسب عليها، ومن أبرز هذه الجرائم، بعد عمالته لأمريكا وتنفيذه لكل جرائمها، قتل الأبرياء من أبناء أهل السودان في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق لأتفه الأسباب كما صرح بذلك البشير نفسه حيث قال في رمضان من عام 2013م: (لقد سفكنا دماء المسلمين في دارفور لأتفه الأسباب)، وتعتبر هذه جريمة من أعظم الجرائم التي تم ارتكابها في حق البلد وأهله وفي حق الإنسانية عامة، ورغم وضوح خيوط هذه الجريمة لكن الحكومة الانتقالية عاجزة حتى عن فتح بلاغ في مواجهة هؤلاء المجرمين، ناهيك عن الاقتصاص منهم في ميدان عام!

وأيضا من ضمن الجرائم التي ارتكبت في حق أهل السودان هدر ثروات هذه البلاد وتسليمها للأعداء الطامعين في خيراتها من فصل جنوب السودان الذي بفصله فقدت البلاد ثلاثة أرباع مواردها النفطية التي كانت تضخ في خزينتها نحو 80% من موارد النقد الأجنبي. (الجزيرة نت 2018/12/26م) وهذه تعتبر جريمة وخيانة بـ(المفاهيم الوطنية) النتنة ناهيك عن عقيدة أهل هذه البلاد؛ مبدأ الإسلام العظيم، وأضيف لهاتين الجريمتين جريمة فتح البلاد على مصراعيها للكافر المستعمر يصول ويجول فيها لينهب خيرات البلاد من ذهب وبترول وزراعة وثروة حيوانية وغيرها من الخيرات تحت لافتة الاستثمارات الأجنبية والخصخصة التي تم بموجبها بيع 120 مؤسسة على رأسها الخطوط الجوية والسكة حديد ومشروع الجزيرة وشركات الاتصالات اللاسلكية... وغيرها من الجرائم. والسؤال الذي يفرض نفسه وبقوة هل الحكومة الحالية حاسبت هؤلاء المجرمين على هذه الجرائم المُنكرة؟ بكل أسف لم يتم ذلك!! بل كل الذي فعلته أنها قامت بمحاكمة رأس النظام على أشياء هامشية مثل حيازة النقد الأجنبي! وهذا تضليل وصرف للناس عن القضايا الأساسية والجوهرية من جرائم القتل وتدمير البلد وثروته.

النقطة الثانية: القصاص من قتلة المتظاهرين وخاصة جريمة فض الاعتصام:

خرج الملايين من المحتجين في العاصمة والولايات بصورة سلمية يطالبون فيها بإسقاط النظام، لكن للأسف قابلهم النظام البائد بوحشية مُفرطة سقط خلالها شباب البلاد. فمثلا في احتجاجات عام 2013م بلغ عدد القتلى 29 شخصا حسب إحصائيات الدولة كما ورد في الـBBC بتاريخ 27 أيلول/سبتمبر 2013م، وجاءت انتفاضة كانون الأول/ديسمبر لتعمق الحكومة الجراح من جديد، حيث بلغ عدد القتلى وسط المتظاهرين 85 شخصاً حسب لجنة الأطباء المركزية (وكالة الأناضول 2019/12/18م)، وبتاريخ 3 حزيران/يونيو 2019م ومن أمام القيادة العامة للجيش وقعت فاجعة فض الاعتصام بالقوة التي تمثل الصدمة الكبرى لأهل السودان كون الحادثة وقعت بعد سقوط رأس النظام حيث قتل 180 شخصاً حسب منظمة شهداء ديسمبر (وكالة الأناضول 2019/12/18م)... ورغم هذه الجرائم النكراء التي سردناها نجد أن حكومة الفترة الانتقالية لم تعبأ بها ولم تُتعب نفسها في أن تَسترِد حقوق أهل هؤلاء الضحايا المكلومين وفعلت بهم كما فعل النظام البائد؛ بأن زادت من جراحهم في فترة حكمها لعام واحد فكيف بنا إذا استمرت أعواماً أخرى؟ وبالتالي تعتبر هذه الحكومة عاجزة وفاشلة ومسلوبة الإرادة وذلك بنَظَرها للحكم باعتباره كيكة وليس مسؤولية ورعاية كما قال ﷺ: «الإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ…».

ثالثاً: ملف السلام ووقف الحرب:

ملف السلام هو من ضمن التحديات التي تواجه حكومة الفترة الانتقالية حيث حددت الوثيقة الدستورية أن الستةَ أشهر الأولى يتم فيها حسم هذا الملف، لكن الآن الحكومة مرت عليها سنة كاملة وما زال هذا الملف لم يحسم بعد:

1- عدم صحة أسس التفاوض:

(أ) فكرة الحل الوسط:

التفاوض الذي يجري الآن قائم على فكرة الحل الوسط الذي هو مبني على طريقة الغرب الكافر في تشخيص المشكلة وإعطاء المعالجات، أي تقديم مزيد من التنازلات والترضيات للوصول إلى توافق حتى ولو على حساب وحدة البلاد كما حصل في اتفاقية نيفاشا التي بموجبها فُصل الجنوب.

(ب) فكرة المحاصصات الجهوية والمناطقية:

هذه الفكرة ابتلي بها هؤلاء السياسيون الذين هم في سدة الحكم أو على كراسي التفاوض، فقد بدأت هذه الفكرة السرطانية تنخر في جسد الدولة؛ من تكوين المجلس السيادي، مروراً بطاولة التفاوض بجوبا، ووصلت إلى تعيين الولاة مما ينذر بكارثة جديدة لا يحمد عقباها.

2- عدم مخاطبة جذور المشكلة الأساسية:

حيث إن جذور المشكلة الأساسية هي غياب الرعاية التامة من جانب الدولة تجاه الأقاليم، والأصل أن يرفع فوراً هذا الظلم بالبحث عن مبدأ يوفر العدل والأمن لكافة الناس وهو وحده لا سواه مبدأ الإسلام العظيم، لكن للأسف الآن يبحث في طاولة التفاوض حل مشكلة الحركات المتمردة على طريقة النظام البائد! لذلك تجد أهم بند تم الاختلاف عليه هو قسمة الثروة والسلطة!! والدليل على ذلك مطالبة الجبهة الثورية قبل الاتفاق الأخير بعدد 140 مقعداً في المجلس التشريعي و9 مقاعد في السيادة والمطالبة بتعديل البند 20 في الوثيقة الدستورية، الذي لا يسمح بالترشح في الانتخابات لكل من شارك في الفترة الانتقالية.

3- التدخل الدولي من أجل المصالح والأغراض الخبيثة:

إن تدخل الدول الكبرى من مثل أمريكا وبريطانيا في الشأن الداخلي للبلد أصبح واضحاً وجلياً، سواء أكان مباشرة أم عن طريق العملاء أو المنظمات الإنسانية، لذلك فإن فكرة السلام الشامل في حد ذاتها هي فكرة خبيثة لأنها لا تقصد في ذاتها وإنما المقصود منها حقيقة التقسيم والتمزيق والتفتيت للبلاد، وبالتالي تعتبر مطية لتدخل الدول الكبرى في الشؤون الداخلية لتمرير الخطط والمؤامرات، والدليل على تدخل الدول الغربية لقاء البرهان رئيس مجلس السيادة مع رئيس وزراء كيان يهود نتنياهو في عنتيبي بتاريخ 2020/2/3م بأمر مباشر من مايك بومبيو وزير الخارجية الأمريكي عبر مكالمة هاتفية، وأيضاً الطلب الذي قدمه حمدوك سراً للأمم المتحدة للتدخل تحت البند السادس بتاريخ 2020/01/26م ولما كشف أمره وتسرب للإعلام انزعج سفير بريطانيا بالسودان عرفان صديق كما أوردت الخبر تاق برس بتاريخ 2020/03/30م مما يدل على أنه هو مهندس هذا الخطاب، وهذه عمالة واضحة وبينة. ومما يدل على تدخل الدول الكبرى في ملف السلام ورشة العمل التي أقيمت في أديس أبابا حيث جمع فيها الجبهة الثورية وممثلو الحكومة برعاية مباشرة من السفارة الأمريكية في السودان بتاريخ 2019/10/09م (العين الإخبارية)، وأضيف لذلك المطالبات التي ليس لها علاقة بأهل الأقاليم مثل تطبيق النظام الفيدرالي، وفكرة حق تقرير المصير، وإعطاء ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق صفة خاصة، والمطالبة بتغيير هوية أهل البلاد من الإسلام إلى القبلية والقومية النتنة، لذلك يتضح أن الغرض من ملف السلام هو تقسيم ما تبقى من السودان، وهذا عينه مشروع برنارد لويس لتقسيم السودان لخمس دويلات صغيرة وهزيلة، وهذا ما أكده الرئيس البائد في لقاء في تلفزيون السودان بتاريخ 2010/09/30م حيث قال: (لقد عرضنا وحدة البلاد للخطر مقابل تحقيق السلام عن طريق انفصال الجنوب).

والخلاصة:

لقد اتضح لنا من خلال عرض أبرز الملفات خلال سنة كاملة أن هذه الحكومة تسير على نهج الحكومة البائدة نفسه بعجزها وفشلها عن تحقيق مطالب أهل البلد، بل تسير طائعة وذليلة في تنفيذ مزيد من الأوامر التي تتمثل في إفراغ القوانين من أي صبغة إسلامية بحذفها بعض القوانين مثل إلغاء حد الردة واستبدال جريمة التكفير بها، ودفعها تعويضات المدمرة كول وغيرها من الجرائم التي ارتكبت في حق أهل السودان، لذلك نقول إن النظام لم يتغير بعد...

وفي الختام نقول إن مثلنا ومثل هذه الحكومة كما قال النبي ﷺ: «مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنْ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ فَقَالُوا لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقاً وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعاً وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعاً» رواه البخاري.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

الدكتور محمد نور عبد الرحيم

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر