جريدة الراية: النهوض لا ينتظر إذناً  والانهزام الداخلي ووهم الاستضعاف لن يُنتج تمكيناً
August 12, 2025

جريدة الراية: النهوض لا ينتظر إذناً والانهزام الداخلي ووهم الاستضعاف لن يُنتج تمكيناً

Al Raya sahafa

2025-08-13

جريدة الراية: النهوض لا ينتظر إذناً

والانهزام الداخلي ووهم الاستضعاف لن يُنتج تمكيناً

في زمن التحوّلات الكبرى، ليست الهيمنة العسكرية أخطر ما يُكبِّل الأمم، بل الاستسلام العقلي والنفسي الذي يُقنع الشعوب بأنها ضعيفة، ويُشعرها بأن التغيير رهين رضا العدو أو موافقة الداعم، فيُخدّر الطاقات ويشلّ الإرادات، فيُمكّن للاستضعاف بدل التمهيد للتمكين.

وهذا تحديداً ما يُراد ترسيخه اليوم في بلاد الشام، بعد أن تكسّرت قوى الطغيان وانهارت أركان النظام، وتقدّمت الثورة إلى قلب العاصمة، فإذا بالخطاب المسيطر يعود ليقول "نحن دولة فقيرة، نحتاج دعم الخارج، لسنا قادرين على إدارة أنفسنا...، نحن ضعفاء ولنكن واقعيين ولنقبل بالواقع"!

غير أن الأخطر من مجرد الشعور بالاستضعاف، هو أن يتحول ترويج هذا الشعور وتحويله إلى سياسة ممنهجة تُزرع في الوعي الجمعي لشلّ إرادة التغيير والنهوض.

فهذا النمط من الخطاب الذي نشاهده لم ينشأ من فراغ، بل يُراد له أن يُصبح قاعدة، تغذيه جهات داخلية وخارجية تخشى من وعي الأمة وتحررها وثقتها بقدرتها على التغيير. فكلما اقتربت الأمة من لحظة الإمساك بقرارها، وامتلكت أدوات النهوض، سارعوا لتذكيرها كذباً أنها "غير مؤهلة"، وأن "الواقعية" تقتضي التنازل، وأن "العالم لن يسمح الآن"، وكأنّه سيسمح لهم غداً أو كأنّهم يظنّون أنهم يخدعونه!

وهنا تتحول "المرحلة الانتقالية" إلى عقيدة سياسية جامدة، يتعطّل فيها المشروع، وتُجمد فيها الثروات، وتُكبل فيها القيادة بأوهام الحاجة والعجز، فتزرع الهوان الذي في نفسها في نفوس شعبها.

حين دخل رسول الله ﷺ المدينة لم يطلب الإذن من قريش، ولم ينتظر اعتراف الروم، بل أقام دولة، ووضع دستوراً، وربّى رجالاً، وخاطب الأمم... لأنه كان يحمل مشروعاً عالمياً مبدئياً منبثقاً من الوحي، فاستحق نصر الله.

أما اليوم، فمتى نُدرك أن مشكلتنا ليست ضعفاً حقيقياً إنما هي الوهم المصطنع؟

ومتى ندرك بأنَّ الحاضنة هي جوهر القوة؟

في سوريا، الحاضنة الثورية التي لم تُهزم، بل ما زالت قادرة على العطاء، هذه الحاضنة التي قدّمت أولادها وأموالها ودعمت الثورة في أحلك الظروف، ولكنها بعد سقوط النظام البائد تُعامَل باعتبارها مجرّد جمهور يُراد ضبطه لا تحشيده، يُستحضر حين الحاجة ويُقصى حين الخلاف، وتسعى الإدارة الجديدة للقضاء على روح الثورة والجهاد في نفوس الحاضنة.

متى ندرك أنَّ الدولة تُبنى بالحاضنة لا على حسابها، وبالمشروع لا بالتكتيك، وبقيادة صادقة مبدئية لا بحسابات المناصب والمرحلة؟!

إن من أهم ما يُقوّض النهوض الحقيقي هو أن يُختزل دور الناس في الصمت والانتظار، وأن يُختزل دور القيادة في التنسيق والتكتيك، فيغيب المشروع، ويتقدّم "الإجراء المؤقت" القائم على قاعدة "نحن ضعفاء" ليصير سياسة ثابتة.

إن النهوض لا ينتظر مؤتمراً دولياً، ولا يُصنَع القرار السياسي في قاعات الفنادق، ولا تستجدى الكرامة من عواصم الغرب. فالنهوض قرار ذاتي شجاع، والإقدام إيمان وثبات، والتمكين عطاء من الله لمن صدق وأخلص وثبت.

وهنا لا بد أن نقف لنُميّز بين من ضلّ الطريق تحت وطأة الواقع، ومن انتكس عن الثوابت تحت عباءة الواقعية، فالأول قابل للتصحيح بالحوار والمكاشفة، أما الثاني فمكانه على رصيف الإقصاء السياسي، لا في موقع القيادة.

فمن أراد تمكيناً حقيقياً، فليُعدّ عدته التي تتمثل بمشروع مبدئي، وقيادة واعية، وأمة مجندة، ونظرة إلى الله لا إلى واشنطن أو أنقرة أو الرياض، وثقة بالنفس لا انهزام داخلي وهوان.

فسوريا ليست ضعيفة ولا فقيرة، وهي غنية بثرواتها وطاقاتها المادية والبشرية: نفط، غاز، زراعة، موقع جغرافي نادر، وحاضنة معطاءة، ومع ذلك تُقدَّم على أنها منطقة منكوبة، وكأن الثورة ولّدت فقراً! بينما الفقر جاء من عقود النهب الممنهج على يد نظام أسد والذي ينبغي أن يُزال بزوال أسبابه لا بتلميعها أو الالتفاف حولها.

وهنا تعود على الدوام لتبرز أزمة القيادة الحالية التي تنظر للحاضنة الشعبية كحمل ثقيل لا كخزان قوة، وتحاول احتواء الناس لا الانفتاح عليهم، وكأن التمكين والعمل للتمكين مؤجل حتى إشعار دولي آخر لن يأتي!

إنّ الخطورة لا تكمن فقط في الخطاب الانهزامي، بل في تحوّله إلى مسلمات فكرية تُدرّس وتُكرر وتُشرعن في المؤتمرات والدراسات، حتى يُصبح النقد جريمة لمعارضته للواقع الفاسد وللواقعية التي تتخذ الرضا بفساد الواقع قاعدة لها، وحتى يصير البديل المبدئي طوباوية غير واقعية.

فما أحوجنا اليوم إلى خطاب صريح يحاكم الواقع ويقر بصعوباته ولكن لا يتكيف معه، يفتح أفق الأمة ولكن لا يسجنها في غرف التفاوض، خطاب يُنهي عقلية الانتظار والهوان، ويستبدل بها عقلية الإقدام والعزيمة، ويرفع سقف الثقة بالله لا بسفراء الغرب.

فالتمكين عندنا نحن المسلمين يأتي من الإيمان بالله لا بالأمم المتحدة. وما نعيشه اليوم هو لحظة نادرة في عمر الأمة، لا يجوز أن تُدار بعقلية المستضعف.

من امتلك الأرض، وحرّر العقول، وفضح المشروع الدولي، لا يجوز له أن يعود خطوة بل خطوات للوراء، لأنه بذلك يُفرّط بثمرة الجهاد، ويُعيد إنتاج النظام البائد بشعارات جديدة.

فالواجب ألا ننتظر اعترافاً دولياً أو معونة خارجية، بل نستنبط مشروعنا المنبثق من عقيدتنا، ونعيد اكتشاف ثرواتنا وطاقاتنا. ولا ينبغي أن نبقى في آخر الركب ننتظر قيادة توافقية ونصفق لدروشتها، بل نُفرز قيادة صادقة تحمل مشروعاً مبدئياً دون مساومة.

إن الثورة باعتبارها فكرة راسخة في قلوب الناس لا تزال ذاخرة بالطاقات، والحاضنة لا تزال تنبض بالإيمان، وما على أصحاب العزم إلا أن يشمّروا ويقودوها بصدق وثبات، فاللحظة لحظة نهوض، لا لحظة مساومة، والقرار يجب أن يُصنع هنا، على الأرض، لا هناك في غرف المساومات على يد المندوب السامي باراك!

بقلم: الأستاذ محمود البكري

المصدر: جريدة الراية

المزيد من القسم خبر وتعليق

تركيا والأنظمة العربية طلبت من حماس إلقاء السلاح

تركيا والأنظمة العربية طلبت من حماس إلقاء السلاح

(مترجم)

الخبر:

عُقد في نيويورك يومي 29 و30 تموز/يوليو مؤتمر الأمم المتحدة الدولي رفيع المستوى بعنوان "إيجاد حلّ سلمي للقضية الفلسطينية وتطبيق حلّ الدولتين"، بقيادة فرنسا والسعودية. وفي أعقاب المؤتمر، الذي هدف إلى الاعتراف بفلسطين كدولة وإنهاء الحرب في غزة، وُقّع إعلان مشترك. وإلى جانب الاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية، وقّعت تركيا أيضاً على الإعلان إلى جانب 17 دولة أخرى. وأدان الإعلان، الذي تكوّن من 42 مادة ومُلحق، عملية طوفان الأقصى التي نفذتها حماس. ودعت الدول المشاركة حماس إلى إلقاء السّلاح، وطالبتها بتسليم إدارتها إلى نظام محمود عباس. (وكالات، 31 يوليو/تموز 2025).

التعليق:

بالنظر إلى الدول التي تُدير المؤتمر، يتّضح جلياً وجود أمريكا، ورغم عدم امتلاكها للسلطة أو النفوذ لاتخاذ القرارات، فإن مُرافقة النظام السعودي خادمها، لفرنسا هي الدليل الأوضح على ذلك.

في هذا الصّدد، صرّح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في 24 تموز/يوليو بأنّ فرنسا ستعترف رسمياً بالدولة الفلسطينية في أيلول/سبتمبر، وستكون أول دولة من مجموعة الدول السبع تُقدم على ذلك. وعقد وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان آل سعود ووزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو مؤتمراً صحفياً في المؤتمر، مُعلنين بذلك أهداف إعلان نيويورك. في الواقع، في البيان الصادر بعد المؤتمر، أُدينت مجازر كيان يهود دون اتخاذ أي قرار عقابي ضدّه، وطُلب من حماس نزع سلاحها وتسليم إدارة غزة لمحمود عباس.

في استراتيجية الشرق الأوسط الجديدة التي تسعى أمريكا لتطبيقها استناداً إلى اتفاقيات أبراهام، يُمثل نظام سلمان رأس الحربة. سيبدأ التطبيع مع كيان يهود بعد الحرب، مع السعودية؛ ثم ستتبعها دول أخرى، وستتحول هذه الموجة إلى تحالف استراتيجي يمتدّ من شمال أفريقيا إلى باكستان. كما سيحصل كيان يهود على ضمانة أمنية كجزء مهم من هذا التحالف؛ ثمّ ستستخدم أمريكا هذا التحالف كوقود في صراعها ضدّ الصين وروسيا، ولتضمّ أوروبا بالكامل تحت جناحيها، وبالطبع، ضدّ احتمال قيام دولة الخلافة.

العائق أمام هذه الخطة حالياً هو حرب غزة ثم غضب الأمة، الذي يتزايد، ويوشك على الانفجار. ولذلك، فضّلت الولايات المتحدة أن يتولى الاتحاد الأوروبي والأنظمة العربية وتركيا زمام المبادرة في إعلان نيويورك. ظناً منها أن قبول القرارات الواردة في الإعلان سيكون أسهل.

أما الأنظمة العربية وتركيا، فمهمتها هي إرضاء الولايات المتحدة، وحماية كيان يهود، وفي مقابل هذه الطاعة، حماية نفسها من غضب شعوبها، وعيش حياة ذليلة بفتات السلطة الرخيصة حتى تُرمى أو تُصاب بعذاب الآخرة. إنّ تحفظ تركيا على الإعلان، بشرط تنفيذ ما يُسمى بمخطط حل الدولتين، ليس إلا محاولةً لتغطية الهدف الحقيقي من الإعلان وتضليل المسلمين، وليس له أي قيمة حقيقية.

وفي الختام، فإنّ طريق تحرير غزة وكل فلسطين ليس عبر دولة وهمية يعيش فيها اليهود. إنّ الحلّ الإسلامي لفلسطين هو حكم الإسلام في الأرض المغتصبة، وهو قتال المغتصب، وتعبئة جيوش المسلمين لاقتلاع اليهود من الأرض المباركة. والحلّ الدائم والجذري هو إقامة دولة الخلافة الراشدة وحماية أرض الإسراء والمعراج المباركة بدرع الخلافة. إن شاء الله، تلك الأيام ليست ببعيدة.

قال رسول الله ﷺ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ، فَيَقْتُلُهُمْ الْمُسْلِمُونَ، حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ، فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوْ الشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ يَا عَبْدَ اللَّهِ، هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ» (رواه مسلم)

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

محمد أمين يلدريم

ما تريده أمريكا هو الاعتراف الرسمي بكيان يهود، حتى لو بقي السلاح

ما تريده أمريكا هو الاعتراف الرسمي بكيان يهود، حتى لو بقي السلاح

الخبر:

معظم الأخبار السياسية والأمنية في لبنان تدور حول موضوع السلاح الذي يستهدف كيان يهود، دون أي سلاح آخر والتركيز عليه عند معظم المحللين السياسيين والصحفيين.

التعليق:

أمريكا تطلب تسليم السلاح الذي قاتل يهود للجيش اللبناني، ولا يهمها أي سلاح يبقى بين أيدي جميع الناس مما يمكن استخدامه في الداخل عندما تجد لها مصلحة بذلك أو بين المسلمين في الدول المجاورة.

أمريكا العدو الأكبر لنا نحن المسلمين قالتها بصراحة، بل بوقاحة، عندما صرح بذلك مبعوثها برّاك ومن لبنان أن السلاح الذي يجب تسليمه للدولة اللبنانية هو السلاح الذي يمكن استخدامه ضد كيان يهود الغاصب لفلسطين المباركة، وليس أي سلاح آخر فردي أو متوسط لأن هذا لا يؤذي كيان يهود، بل يخدمه ويخدم أمريكا وكل الغرب في تحريكه للتقاتل بين المسلمين بحجة التكفيريين أو المتطرفين أو الرجعيين أو المتخلفين، أو غير ذلك من الأوصاف التي يغذونها بين المسلمين بحجة المذهبية أو القومية أو العرقية، أو حتى بين المسلمين وبين غيرهم من الذين عاشوا معنا مئات السنين ولم يجدوا منا سوى حفظ العرض والمال والنفس، وأننا كنا نطبق عليهم القوانين كما نطبقها على أنفسنا، لهم ما لنا وعليهم ما علينا. فالحكم الشرعي هو الأساس في الحكم عند المسلمين، سواء فيما بينهم، أو فيما بينهم وبين غيرهم من رعايا الدولة.

وطالما أن عدونا الأكبر أمريكا تريد إتلاف أو تحييد السلاح الذي يؤذي كيان يهود، فلماذا التركيز على ذلك عند السياسيين والإعلاميين؟!

ولماذا تطرح المواضيع الأهم في الإعلام وفي مجلس الوزراء، بطلب من العدو الأمريكي، دون البحث فيها بعمق وتبيان مدى خطورتها على الأمة، وأخطرها على الإطلاق ترسيم الحدود البرية مع كيان يهود، أي الاعتراف بهذا الكيان الغاصب رسمياً، وبصورة لا يحق لأحد بعد ذلك أن يحمل السلاح، أي سلاح من أجل فلسطين، التي هي ملك لكل المسلمين وليس لأهل فلسطين فقط، كما يحاولون إقناعنا وكأنها تخص أهل فلسطين فقط؟!

إن الخطورة هي في طرح هذا الأمر تارة تحت عنوان السلام، وتارة بعنوان الصلح، وأخرى بعنوان الأمن في المنطقة، أو بعنوان الازدهار الاقتصادي والسياحي والسياسي، والبحبوحة التي يَعِدون المسلمين بها في حال الاعتراف بهذا الكيان المسخ!

أمريكا تعرف جيداً أن المسلمين لا يمكن أن يرضوا بالاعتراف بكيان يهود أبدا، ولذلك تراها تتسلل إليهم عبر أمور أخرى لإلهائهم عن الأمر المصيري الأهم. نعم، أمريكا تريدنا أن نركز على موضوع السلاح، ولكنها تعلم أن السلاح مهما كان قوياً لن ينفع ولا يمكن استعماله ضد كيان يهود إذا اعترف لبنان الرسمي به بترسيم الحدود معه، ويكون بذلك قد اعترف به وبأحقيته بأرض فلسطين المباركة، متذرعاً بحكام المسلمين، والسلطة الفلسطينية.

إن هذا الاعتراف بكيان يهود هو خيانة لله ولرسوله وللمؤمنين، ولكل دماء الشهداء التي أريقت وما تزال تراق من أجل تحرير فلسطين، ورغم كل ذلك ما زلنا نأمل خيراً في أمتنا التي يقاتل بعضها في غزة هاشم وفي فلسطين، ويقولون لنا بدمائهم: لن نعترف بكيان يهود أبداً ولو كلفنا كل هذا وأكثر... فهل نقبل في لبنان بالاعتراف بكيان يهود مهما كانت الظروف صعبة؟! وهل نقبل بترسيم الحدود معه، أي الاعتراف به، حتى لو ترك السلاح معنا؟! إنه السؤال الذي يجب أن نجيب عليه قبل فوات الأوان.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

د. محمد جابر

رئيس لجنة الاتصالات المركزية لحزب التحرير في ولاية لبنان