جريدة التحرير  أردوغان يتدخل في تونس!  لماذا؟ وهل له علاقة بأمريكا؟ وما علاقته بالإسلام؟
April 19, 2022

جريدة التحرير أردوغان يتدخل في تونس! لماذا؟ وهل له علاقة بأمريكا؟ وما علاقته بالإسلام؟

جريدة التحرير

أردوغان يتدخل في تونس!

لماذا؟ وهل له علاقة بأمريكا؟ وما علاقته بالإسلام؟


قال الرئيس التركي أردوغان: "إن حل البرلمان المنتخب في تونس يشكل ضربة لإرادة الشعب التونسي" وقال: "نأسف لحل مجلس نواب الشعب التونسي الذي عقد جلسة عامة في تونس بتاريخ 2022/03/30، ولبدء تحقيق بحق النواب الذين شاركوا في الجلسة" وأعرب عن تمنيه أن "لا تؤدي هذه التطورات إلى إلحاق الضرر بالمرحلة الانتقالية الجارية نحو إرساء الشرعية الديمقراطية في تونس". (الأناضول 2022/4/4)

وتبعه رئيس البرلمان التركي مصطفى شنطوب منتقدا حلّ قيس سعيد البرلمان التونسي ووصفه بأنه "خرق صارخ للقانون والمبادئ الديمقراطية" ودافع عن رئيس البرلمان التونسي وبعض أعضائه قائلا: "إن حل مجلس النواب التونسي بالقرار الصادر يوم 30 آذار/مارس الفائت، وإجراء تحقيقات جنائية بحق رئيس المجلس وبعض النواب والمسؤولين التنفيذيين بسبب إجراءاتهم التشريعية أمر باعث للقلق إلى أبعد الحدود". وكذلك تبعه المتحدث باسم حزب أردوغان حزب العدالة والتنمية الحاكم عمر تشليك الذي انتقد حل البرلمان التونسي وعبر عن أسفه وقلقه البالغ جراء حل مجلس النواب التونسي وأكد "ضرورة عدم التفريط بالمكتسبات الديمقراطية للشعب". (الأناضول 2022/4/5)

وقد أعربت وزارة الخارجية التونسية على حسابها على موقع تويتر عن "بالغ استغرابها من التصريح الذي أدلى به الرئيس التركي بخصوص تونس". واعتبرت ذلك بأنه "تدخل غير مقبول في الشأن الداخلي ويتعارض تماما مع الروابط الأخوية التي تجمع البلدين والشعبين ومع مبدأ الاحترام المتبادل بين الدول". ما يعني أنّ هذا الوزير التونسي يحترم وغيره من الحكام تقسيمات الاستعمار إلى تونس وتركيا وغيرهما وقد كانا بلدا واحدا في دولة الخلافة العثمانية.

أردوغان، المخلب الأمريكي في المنطقة:

إن أردوغان يلعب دورا فعالا لحساب أمريكا في كل قضية حيث إنه يدور في فلكها، وهو يريد أن يلعب دورا لها في تونس أيضا، حيث تعمل أمريكا على بسط نفوذها هناك وقد حاولت أن تتبنى الثورة وتوجّهها لحسابها ولكنها لم تتمكن لأن الوسط السياسي في تونس أوروبي.

وقد اعترف غوردن غراي السفير الأمريكي السابق في تونس في ندوة نظمها مركز التقدم الأمريكي في واشنطن بعنوان "الانتفاضات العربية بعد 8 سنوات" أذاعتها الجزيرة مباشر يوم 2019/2/14 للحديث عن الدروس المستفادة من رد الفعل الأمريكي على أحداث الربيع العربي فقال: "كان بإمكان الإدارة الأمريكية التعامل بشكل أفضل مع الأحداث وعدم التراجع لصالح الدول الأوروبية في شمال أفريقيا". واعترف أنّ أمريكا تعمل على الولوج إلى تونس بواسطة منظمات المجتمع المدني، فقال: "وزارة الخارجية الأمريكية منذ البداية تستثمر الموظفين وتدربهم وترسلهم إلى تونس، منهم من عمل مع جماعات المجتمع المدني، ومنهم من درس في مدارس تونس ولديهم معرفة جيدة بأوضاع تونس". وبذلك تشتري الذمم الرخيصة فتوجد العملاء الذين يعملون لحسابها.

ولم تكتف أمريكا بذلك فعملت في الوقت نفسه على مستوى النظام فأقامت شراكة استراتيجية مع النظام التونسي عام 2015 للولوج إلى الأمن والجيش، لتوجد العملاء (مثلما حدث في بلاد أخرى) من خلال دورات التدريب والتسليح وتبادل المعلومات، كما فعلت في مالي حيث قام الضباط الذي شاركوا في دورات تدريبية أمريكيّة بالانقلاب على عملاء فرنسا يوم 2020/8/18. وتستغلّ أمريكا تسلّط صندوق النقد الدولي على تونس حتى تغرق في الدّيون الربوية، ومن ثمّ تنتهز الفرصة للتّدخّل عساها تتمكن من إيصال عملائها إلى الحكم كما فعلت في تركيا عام 2002 عندما سلطت صندوق النقد الدولي وسحب 5 مليارات من البنك المركزي التركي فكادت تركيا أن تعلن إفلاسها فسقط أجاويد الموالي للإنجليز وجاءت بأردوغان وحزبه.

الانتقادات التي وجّهها أردوغان وموظفوه للرئيس قيس سعيّد، جاءت بعد أن انتقدت أمريكا قرار قيس سعيد انتقادا شديدا على لسان المتحدث باسم وزارة خارجيّتها نيد برايس الذي قال: "تعرب الولايات المتحدة عن انشغالها العميق بشأن القرار أحادي الجانب الذي اتخذه الرئيس التونسي بحل البرلمان وإزاء ما يتداول من أن السلطات التونسية تدرس اتخاذ إجراءات قانونية بحق نواب فيه" وقال "إن العودة السريعة إلى الحكم الدستوري ومن ذلك برلمان منتخب أمر بالغ الأهمية لمنظومة حكم ديمقراطي" (الأناضول 2022/4/1)

التدخّل التّركي من أجل حماية الإسلام (الأمريكي)، ومحاولة احتواء النّهضة وتوابعها:

الوجه الآخر لانتقاد أردوغان خطوة قيس سعيد بحل البرلمان التونسي الذي يرأسه الغنوشي ويهيمن عليه حزبه:

أردوغان ينتمي إلى حظيرة من يسمون بالإسلاميين المعتدلين، أي الأشخاص الذين هم من بيئات إسلامية يتبنون العلمانية والديمقراطية والمفاهيم الغربية ويكتفون بالجانب الروحي من الإسلام، فلا يتجاوز تديّنهم العبادات، ولكنهم في العمل السياسي علمانيون أقحاح، لا يقلّون عن العلمانيين الذين يرفضون الإسلام. فأردوغان يطبّق مشروع أمريكا فيما يتعلق بالإسلام المعتدل لضرب الإسلام وإقصائه عن السياسة والحيلولة دون إقامة الخلافة من جديد، وضرب الجماعات الإسلامية التي تعمل على ذلك وخاصة حزب التحرير. فقد تبنت أمريكا منذ سقوط الاتحاد السوفيتي سياسة محاربة الإسلام السياسي عندما أعلن ديك تشيني وزير الدفاع الأمريكي عام 1992 في مؤتمر ميونيخ للأمن العالمي بأن "العدو الجديد هو الإسلام السياسي" وقد أطلق عليه فيما بعد اسم "الإرهاب" حتى لا يثير حساسيّة أكثر في البلاد الإسلامية فيخفي الحقيقة. وقد أصبح تشيني نائب الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن عام 2001 وكان من مخططي شن الحرب على البلاد الإسلامية من أجل محاربة عودة الإسلام إلى الحكم ونشر الإسلام المعتدل أو الوسطي، وقد أعلن جورج بوش الابن عندما التقى أردوغان عام 2003 في واشنطن أن النظام التركي بقيادة أردوغان هو النموذج للإسلام المعتدل الذي يستند إلى العلمانية ويطبق الديمقراطية ضمن مشروع الشرق الأوسط الكبير.

والغنوشي تبنّى الإسلام المعتدل وروّج له زاعما أنّ العلمانية لا تخالف الإسلام، ولم ينفكّ يُصرّح أنّه وحزبه قد خرج من الإسلام السياسي ودخل في الديمقراطية.

ومن هنا لا يخفى أنّ فشل هذه التجربة في تونس تؤثر على أردوغان أيضا، خاصّة بعد فشل هذا النهج في مصر عندما أُسقط الإخوان المسلمون من الحكم، فاحتج أردوغان على ذلك وعمل على احتواء الإخوان المسلمين وتسييرهم، وكذلك الأمر مع الإخوان المسلمين في سوريا الذين احتضنهم أعلنوا يوم 2012/3/25 تبني هذا النهج بشكل رسمي عندما أخرجوا وثيقة العهد والميثاق حيث ذكروا في البند الأول منها: "يلتزم الإخوان المسلمون بالعمل على أن تكون سوريا دولة مدنية حديثة (أي علمانية) تقوم على دستور مدني (أي علماني).. وأن تكون دولة ديمقراطية تعددية تداولية وفق أرقى ما وصل إليه الفكر الإنساني الحديث، ذات نظام جمهوري نيابي..". وكان يرأس الإخوان المسلمين رياض الشقفة ([1]) وقد أعلن عن هذه الوثيقة مع نائبه صدر الدين البيانوني في مؤتمر صحفي في ذلك اليوم.

إن أردوغان يخشى من سقوط أقرانه "الإسلاميين المعتدلين" المنحرفين عن الإسلام، ويخشى أن يلحقه ذلك في تركيا وقد سقط أستاذه في هذا الانحراف نجم الدين أربكان من قبلُ عام 1997 بعد أن قام بتنفيذ ما أراده ضباط الجيش العلمانيون: مثل قوانين 28 فبراير التي تحارب الإسلام من منع تدريس الإسلام ولبس اللباس الشرعي في المدارس، وكذلك توقيع 11 اتفاقية أمنية وعسكرية واقتصادية مع كيان يهود. ونذكر أيضا سقوط تنظيم الإخوان في المغرب مؤخرا بسقوط حزب العدالة والتنمية المغربي في الانتخابات الأخيرة التي جرت يوم 2021/9/9 من 125 مقعدا إلى 12 مقعدا! ومن ثم سقوطه من الحكم لفترة أربع سنوات، فلم يقدم للإسلام شيئا سوى مزيد من التنازلات وتطبيق سياسة الملك الظالم الموالي للغرب. وهو الحزب الذي يعتبر امتدادا للإخوان المسلمين في المغرب ويمثل الإسلاميين المعتدلين والذي وقع على التطبيع مع كيان يهود المغتصب لفلسطين في نهاية عام 2020.

سقوط العلمانيّة الملتبسة بالإسلام أو سقوط "الإسلام الأمريكي":

كثير من المغرضين من العلمانيين الذين يرفضون الإسلام ومن الكتاب الغربيين، يتعمّدون المغالطة والتدليس فيصرخون ابتهاجا بسقوط الإسلام السياسي بسقوط الغنوشي وحزب النهضة وسقوط مرسي وجماعته الإخوان المسلمين وسقوط حزب العدالة والتنمية المغربي وسقوط أربكان. مع أنّ هؤلاء كلّهم تخلوا عن الإسلام وانخرطوا في النظام العلماني وطبقوا قوانينه ودساتيره حرفيا وداروا مع النظام حيث دار، فأين الإسلام من هؤلاء وأين تطبيقه؟!

الإسلام الذي أنزله الله على رسوله لا يمكن أن يفشل:

إنّ الإسلام كما هو معلوم من الدين بالضرورة لا علاقة له بالعلمانية ولا بالديمقراطية ولا بالجمهورية، فالعلمانية التي يعبر عنها أحيانا بالمدنية هي كفر بواح تقول بفصل الدين عن الحياة، والدّيمقراطية تعني أن السيادة للشعب أي أن الشعب هو الذي يشرع قوانينه، بينما في الإسلام السيادة للشرع الإسلامي وحده، فالقوانين هي أحكام شرعية مأخوذة من الكتاب والسنة عندما يتبناها خليفة المسلمين، والنظام الجمهوري هو نظام لشعب محدد في أرض محددة يحكم نفسه بالأكثرية فيكون له حق السيادة أي التشريع من دون الله وهي شكل من أشكال النظم الديمقراطية.

إن الإسلام لم يأت إلى الحكم حتى يفشل، بل الذين فشلوا هم الذين تسلّقوا إلى الحكم بالمخاتلة والمكر، علمانيّون ادّعوا الإسلام لينتخبهم الناس، فأساؤوا إليه، فضلوا وأضلوا كثيرا عن سواء السبيل، إنهم ساء ما يعملون. أمّا الذين يحملون مشروع الإسلام وما زالوا ثابتين عليه (وخاصة حزب التحرير)، فيعملون على تجسيده في دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة وبإذن الله سيصلون ويظهرون، وقد خرجوا من بيت المقدس وانتشروا في كافة البلاد حتى وصلوا إلى تونس الخضراء، فقد بشّر بهم رسول الله ﷺ قائلا: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الدِّينِ ظَاهِرِينَ، لِعَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ إِلَّا مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لَأْوَاءَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَيْنَ هُمْ؟ قَالَ: «بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ» (مسند ابن حنبل).

المصدر: جريدة التحرير - العدد 387 – 2022/04/10م


[1] رياض الشقفة هذا، شغل منصب المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين في سوريا بين 2010/8/3 إلى 2014/11/6، استهزأ بالخلافة وبمن يدعو لها ورفضها، ففي مقابلة مع الجزيرة مباشر يوم 2013/3/18 عندما سئل عما إذا كان هدف الإخوان المسلمين الخلافة فقال: "أبدا، لا خلافة عند الإخوان، هذه شغلة الأحزاب الصغيرة كحزب التحرير! نحن متفقون في الإخوان المسلمين على إقامة دولة ديمقراطية مدنية".

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر