August 24, 2025 2939 مشاهدة

جواب سؤال: لقاء ترامب بوتين في ألاسكا

جواب سؤال

لقاء ترامب بوتين في ألاسكا

السؤال: عقد الرئيسان الأمريكي ترامب والروسي بوتين اجتماعاً في ألاسكا 2025/8/16، فهل حصل بينهما اتفاق على القضايا الأساسية؟ وما تأثير هذا الاجتماع على العلاقة بين الدولتين؟ وعلى أوكرانيا؟ وتأثيره دولياً على أوروبا والصين؟

الجواب: لكي يتضح الجواب حول التساؤلات أعلاه نستعرض الأمور التالية:

1- تدرجت العلاقة بين أمريكا وروسيا خلال العقود الثلاثة الماضية من علاقة بين دولتين عظميين تتحكمان في مصير العالم قبل انهيار الاتحاد السوفييتي سنة 1991، إلى انسحاب روسيا من الحلبة الدولية وانكفائها على نفسها ومراقبة أمريكا لعمق الانهيار الروسي ومحاولاتها أخذ مناطق نفوذها السوفييتية، ومن ثم إلى محاولات الرئيس الروسي بوتين إعادة روسيا دولة كبرى ذات مكانة دولية ورفض أمريكا لذلك، وفي مؤشر على عمق التعارض بين أهداف الدولتين اندلعت الحرب في أوكرانيا سنة 2022 والتي أرادت روسيا من خلالها رفع مكانتها الدولية بالقوة وأرادت أمريكا من خلال دعمها لأوكرانيا شطب روسيا من قائمة الدول العظمى، وظل هذا هو الحال حتى نهاية فترة إدارة بايدن، ولما جاء ترامب رئيساً من جديد للولايات المتحدة فقد أخذ يعيد توجيه البوصلة الأمريكية ضد الصين، وأعلن بأنه يريد تخفيف التوتر مع روسيا، وكان يقول بأنه قادر على إنهاء الحرب في أوكرانيا خلال 24 ساعة، وأن هذه الحرب ليست حربه، بل هي حرب بايدن، وبهذا فقد أخذت أمريكا على عهد ترامب تنعطف في علاقاتها مع روسيا.. وظهر هذا الانعطاف بشكل جلي عن طريق الإهانات المتكررة التي وجهها الرئيس ترامب للرئيس الأوكراني زيلينسكي، وانتقد بشدة الدعم العسكري الأمريكي لأوكرانيا، وطالب الدول الأوروبية بتحمل مسؤولياتها المالية والعسكرية في أوكرانيا.

2- حققت الحرب الأوكرانية إضعافاً لمكانة روسيا الدولية، فقد ظهر جيشها عاجزاً عن تحقيق أهداف سريعة وعالية القيمة في أوكرانيا، وتحطم قرابة نصف أسطولها البحري في البحر الأسود وضربت قواعدها الاستراتيجية في عمق روسيا، وفقدت عناصر مهمة في قواتها البرية من معدات وجنرالات، إلا أنها لم تهزم وبقيت قادرة على تحقيق تقدم داخل أوكرانيا حتى وإن وصف بدبيب النمل. ولكن روسيا التي وجدت نفسها في مواجهة مقدرات الناتو العسكرية، وكأنها في حرب مع دول الناتو، كانت تظهر الضيق فتطفو على السطح أحياناً التصريحات والاستعدادات النووية، وهذا خطير للغاية ولا تريده أمريكا، بمعنى أن الحرب الأوكرانية أظهرت مخاطر الانتقال للحرب النووية.. وقد دفعت الحرب في أوكرانيا بالرئيس الروسي بوتين لتعزيز شراكته الاستراتيجية مع الصين، وهذا الاتجاه وإن كان متوقعاً من أمريكا، وعلى الرغم من عدم مقابلة الصين لروسيا بالحفاوة نفسها حتى لا تخسر علاقاتها التجارية الأساسية مع أمريكا وأوروبا، إلا أن إعادة انقسام العالم إلى ما يشبه المعسكرين هو آخر ما تريده أمريكا، ولا تود على الإطلاق أن تتكامل قوة الصين الاقتصادية مع قوة روسيا العسكرية في معسكر واحد.

3- كان خوف روسيا من الهزيمة الاستراتيجية التي تخطط لها أمريكا على الساحة الأوكرانية دافعاً لها لزيادة التسلح الصاروخي والنووي، فالاتفاقات النووية مع أمريكا في حدها الأدنى بعد انسحاب أمريكا عام 2019 من اتفاقية الصواريخ المتوسطة المدى، ففضلاً عن إدخال روسيا لمنظومة الصواريخ الفرط صوتية في حربها في أوكرانيا فقد أدخلت أيضاً سنة 2024 صاروخ "أوريشنيك" شديد التدمير، وأخيراً وقبيل اجتماع بوتين مع ترامب أعلنت روسيا عن تجارب، كانت تعلم أمريكا عن الاستعدادات الروسية لها، على صواريخ نووية بمحركات نووية أيضاً، أي بمدى وسرعة غير متناهية. وهذا فضلاً عن خطورته على أمريكا وأنه يلغي درعها الصاروخية التي تبجحت بها وأنفقت عليها المليارات، فإنه يؤكد لأمريكا بأن روسيا ماضية في سباق عسكري استراتيجي جديد مهما كلف ذلك اقتصادها، وهذا يقتضي من أمريكا الاتفاق مع روسيا لوقف تقدمها وتحاشياً لسباق عسكري شبيه بفترة الحرب الباردة.

4- وقفت روسيا أمام هزيمة عسكرية ممكنة في أوكرانيا، إذ تحطمت صورة جيشها بأنه جيش دولة عظمى وعجز عن هزيمة الجيش الأوكراني، فكانت الحرب بمثابة كر وفر، أي أن روسيا فقدت ميزة القوة الحاسمة، وهذا أضر بمكانتها الدولية، وفضلاً عن ضعفها العسكري الظاهر في أوكرانيا فقد وقعت تحت حزمة عميقة من العقوبات الغربية أوقفتها تقريباً على عتبة الخروج من الاقتصاد العالمي، وفرضت عليها عزلة دولية كبيرة، فلم يكن الرئيس الروسي بقادر حتى على حرية الحركة خارج البلاد بسبب أوامر القبض عليه من محكمة الجنايات الدولية.. وعليه فقد دفعت روسيا بكل طاقاتها الاقتصادية والعسكرية لإبعاد شبح الهزيمة الاستراتيجية عنها في الحرب الأوكرانية، وصار اقتصادها اقتصاد حرب، وكانت ترى بأن مكانتها الدولية إنما تقررها الحرب في أوكرانيا، ولكن شبح الهزيمة لم يفارقها وكان أشد مخاوفها أن تتطور الأمور باتجاه تدخل الناتو وفرض مواجهة مباشرة معه، وهي ليست بقادرة على ذلك إلا أن توظف أدواتها النووية، ولكن توظيف هذه الأدوات خطير وخطير للغاية. ولما جاء الرئيس الأمريكي ترامب وأخذ يغازل روسيا ويمدح رئيسها فقد تنفست الصعداء، إذ إن ذلك يمثل انعطافة أمريكية عن خطط الهزيمة الاستراتيجية لروسيا، وربما فكرت روسيا بقبول عروض ترامب كما هي للحد من استنزافها، ولكنها تراقب الباب الذي فتحه ترامب أمام عودتها للساحة الدولية وتقف على أعصابها مخافة أن يغلق وتريد ولوجه.

5- ولما شاهدت أمريكا تلكؤ روسيا وتمنعها عن إيقاف الحرب وارتفعت الأصوات في الغرب بأن بوتين إنما يستغل توجه ترامب الأخير ورغبته بوقف الحرب في أوكرانيا فقد أعلن الرئيس الأمريكي إمهال روسيا 50 يوماً لوقف الحرب في أوكرانيا، وعلى الرغم من انزعاج روسيا الشديد من هذه المهلة وطلبها توضيحات إلا أنها استمرت تتلكأ داخل هذه المهلة تريد استغلالها لآخرها، الأمر الذي حدا بالرئيس الأمريكي إلى التهديد بالانعطاف عكسياً، أي إغلاق الباب والعودة إلى مواقف إدارة بايدن، فأعلن عن تقصير هذه المدة إلى 10 أيام فقط، الأمر الذي رأت فيها روسيا على لسان نائب مستشار الأمن القومي والرئيس السابق ميدفيدف خطوة نحو الحرب، وذكر ميدفيدف أمريكا "باليد النووية المميتة" لروسيا، وتلاسن معه الرئيس الأمريكي الذي طالبه بالحذر بأنه يدخل منطقة خطرة للغاية، وبهذا التهديد الأمريكي بالانعطاف عكسياً والاتجاه من جديد لدعم أوكرانيا وفرض عقوبات أقسى على روسيا تشمل كل من يشتري النفط منها، أي الصين بالذات، وعندها دقت الساعة في موسكو بوجوب اتخاذ القرار.

6- وهكذا رأت روسيا بأنها يجب عليها المسارعة نحو التنازل لأمريكا، فهي لا تود عودة زخم الدعم الأمريكي لأوكرانيا الذي يفرض عليها مزيداً من الاستنزاف، ويضيع عليها فرصة ألقاها لها الرئيس ترامب بفك العزلة الدولية عنها، فضلاً عن شكوك روسيا بخصوص الصين، فالصين إذا ما خيرت بين الاستفادة من النفط الروسي الرخيص وبين علاقاتها التجارية مع أمريكا فإنها قطعاً ستختار الأخيرة لكثرة فوائدها. فضلاً عن أن عرض ترامب للسلام يوفر لروسيا ما توده من الاتفاق مع أمريكا لوحدها على غرار مؤتمر يالطا سنة 1945، ولا تريد إشراك أطراف أخرى أوروبية أو أوكرانية، بل تريد اتفاقاً مع أمريكا ثم يقدم للأطراف الأخرى كأمرٍ واقع، وهكذا بادرت روسيا لطلب الاجتماع مع مبعوث الرئيس الأمريكي ترامب (ويتكوف) لتقضي على فكرة المهلة الممنوحة لروسيا، وهذا يقتضي منها بالتأكيد التنازل عن بعض مطالبها.. وعلى عتبة إقرار القمة بين الرئيسين وخلال فترة التحضير القصيرة لها فقد أبدى الطرفان إشارات لرغبتهما في هذا اللقاء، وفعلاً استجاب ترامب لطلب روسيا إرسال مبعوثه الخاص ويتكوف لموسكو، وتحدث ترامب عن الفرص وتبادل الأراضي والحدود بين روسيا وأوكرانيا، وتحدثت روسيا عن صدق أمريكا: (قال بوتين إن موسكو تعمل لتهيئة الظروف من أجل إحلال السلام، وإن الولايات المتحدة تبذل جهودا صادقة لتسوية الوضع بشأن أوكرانيا. وشدد بوتين على أهمية التوصل إلى اتفاقات مع واشنطن بشأن الحد من الأسلحة الهجومية الاستراتيجية. الجزيرة نت، 2025/8/14)، ووافقت روسيا على أن تكون القمة في ألاسكا، أي في أمريكا ترضيةً لترامب: (ويرى ترامب أن قرار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالسفر إلى ألاسكا، لعقد لقاء معه، هو "تصرف يحمل الكثير من الاحترام". أر تي، 2025/8/12).

7- لكن أمريكا من زاوية ثانية وقد شاهدت تلكؤ روسيا على مدار شهور بعد مجيء ترامب للبيت الأبيض لم ترد على الإطلاق أن تكون هذه القمة بلا تنازلات من روسيا، وقال ترامب بأن هذه القمة "استكشافية"، وأنه سيعرف من الدقائق الأولى للقمة بأن بوتين جاد في إنهاء الحرب في أوكرانيا أم غير ذلك، وحذر من فشل القمة وحدد نسبة 25% لاحتمال فشلها، وتوعد روسيا بعواقب وخيمة: (توعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الأربعاء، نظيره الروسي فلاديمير بوتين بـ"عواقب وخيمة" إذا عرقل جهود إحلال السلام في أوكرانيا، ملوحا بإمكانية فرض عقوبات اقتصادية، في حال فشل لقائهما المقرر الجمعة في ألاسكا في تحقيق نتائج ملموسة. وأوضح ترامب أن الاجتماع مع بوتين سيكون "تحضيريا" للقاء ثانٍ يضم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، مشيراً إلى أن انعقاده يعتمد على ما سيسفر عنه اجتماع ألاسكا. عرب 48، 2025/8/14) ثم وصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قمته مع فلاديمير بوتين بأنها ("عالية المخاطر" قبيل توجهه إلى أنكوريج، ألاسكا، لعقد أول اجتماع لهما منذ سبع سنوات.. وأعرب ترامب عن رغبته في رؤية وقف لإطلاق النار "بسرعة كبيرة للغاية". إندبندنت عربية، 2025/8/15).. وقال ترامب بأنه سيسارع للعودة من ألاسكا لواشنطن في حال لم يكن بوتين جدياً، (وصل الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب إلى قاعدة إلمندورف الجوية في أنكوريج بولاية ألاسكا، الجمعة، وقال ترامب، إنه إذا سارت القمة مع الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين بشكل سيئ، فإنه سيغادر. CNN عربية، 2025/8/15)، ويحمل هذا التصريح بمغادرة الاجتماع نوعاً من الإهانة للرئيس بوتين الذي جاء للقاء ترامب في أمريكا!

8- وتحمل كل تلك التصريحات ضغوطاً على روسيا بوجوب تقديم تنازلات، فهو يهددها بالعواقب الوخيمة والعقوبات ومغادرة الاجتماع، بمعنى أن الاجتماع بينهما لم يكن متكافئاً كما كانت اللقاءات المهمة بين الزعماء السوفييت والأمريكيين سابقاً، فهو ليس لقاءً لعملاقين، ولا يرقى حتى لمستوى لقاءات القمة الأمريكية الصينية، وفيه تكريس لتكبر أمريكا ومطالبتها لروسيا بالخضوع وكذلك بتدني مكانة روسيا الجديدة التي قبلت بكل هذه الظروف والمهل والتهديدات الأمريكية، وسافر رئيسها إلى أمريكا لعقد اللقاء مع ترامب بدل أن يكون في بلد ثالث، ولعل الإجراء المخالف للبروتوكول حين قبل الرئيس الروسي بوتين بعرض الرئيس الأمريكي الركوب معه في سيارته الخاصة رغم وجود سيارة بوتين التي ترافقه في كل اجتماعاته الدولية دليل على خضوع روسيا وحاجتها لدفء العلاقة مع ترامب للتقليل من خسائرها الاستراتيجية.. وما يؤكد هذا أنه ورغم حالة القطيعة الكبيرة للعلاقات الأمريكية الروسية التي كانت فرضتها إدارة بايدن فإن الرئيس الروسي حرص على إغراء ترامب، وقال يوري أوشاكوف مساعد الرئيس الروسي: (التعاون بين روسيا والولايات المتحدة يحظى بطاقات هائلة غير مستغلة بعد. وأشار إلى أن الوفد الروسي سيضم مساعد الرئيس يوري أوشاكوف، ووزير الخارجية سيرغي لافروف، ووزير المالية أنطون سيلوانوف، ورئيس صندوق الاستثمارات المباشرة الروسي كيريل دميتريف. أر تي، 2025/8/14)، وهذا مؤشر ضعف لروسيا لا بد وأن أمريكا تلتقطه. ولعل في تصريحات رئيس روسيا بوتين بعد اللقاء ما يشير إلى ذلك الضعف وعمق القلق الروسي من استمرار توتر العلاقات بين البلدين: وبدأ الرئيس الروسي كلمته في المؤتمر الصحفي بالإقرار بتدهور العلاقات الأمريكية الروسية في السنوات الأخيرة. وقال: ("من المعروف أنه لم تُعقد أي قمم بين روسيا والولايات المتحدة منذ أربع سنوات، وهي فترة طويلة. كانت هذه الفترة صعبة للغاية على العلاقات الثنائية. ولنكن صريحين، لقد وصلت إلى أدنى مستوى لها منذ الحرب الباردة. أعتقد أن هذا لا يعود بالنفع على بلدينا والعالم أجمع". وأضاف: "لقد طال انتظار عقد لقاء شخصي بين رئيسي الدولتين". وقال بوتين: "عُقدت المفاوضات في أجواء من الاحترام البناء والاحترام المتبادل وكانت شاملة ومفيدة للغاية". CNN عربية، 2025/8/16)

9- والخلاصة فإنه بإنعام النظر وبتدبر مجريات اللقاء بين ترامب وبوتين وما تناولته وسائل الإعلام يمكن القول بأن ما تناوله لقاؤهما هو الأمور التالية:

أ- أوكرانيا: وهو الموضوع الأبرز وإن لم يكن الوحيد ولكنه الأشهر والأكثر سخونة، ورغم صلابة المطالب الأمنية الروسية والمتمثلة بإبعاد أوكرانيا عن الناتو وعدم امتلاكها لجيش قوي يهدد روسيا إلا أن اتفاقاً واضحاً قد خطّت القمة خطوطه العريضة، وتمثل من إحدى جوانبه بتعهد روسيا المستقبلي بعدم الاعتداء على أوكرانيا: (وأكد بوتين أنه يتفق مع ضرورة ضمان أمن أوكرانيا، وقال: "أتفق مع (الرئيس الأمريكي دونالد) ترامب على ضرورة ضمان أمن أوكرانيا، ونحن بالطبع مستعدون للعمل على ذلك". وأضاف: "آمل أن يُسهم الاتفاق الذي توصلنا إليه معاً في تحقيق هذا الهدف، وأن يُمهّد الطريق نحو السلام في أوكرانيا". CNN عربية، 2025/8/16)، وما يؤكد أيضاً وجود اتفاق أن الرئيس الأمريكي يعطي اجتماعه مع بوتين علامة 10 من 10 (سكاي نيوز، 2025/8/16). وتبريد أمريكا ساحة الحرب في أوكرانيا تمهيداً لوقفها، وهذا يقتضي تعهداً أمريكياً بإبطاء الدعم العسكري الأمريكي والغربي للجيش الأوكراني بالتدريج، ثم إعلان وقف إطلاق النار والذي ربما يكون من خلال قمة تالية تجمع الرئيسين مع رئيس أوكرانيا زيلينسكي خلال أسابيع، ثم السير بالحل في أوكرانيا على نار هادئة، وربما على مدار سنوات.. أي أن أمريكا تؤجل الحل النهائي وتريد السرعة في وقف إطلاق النار، وأن يكون الحل النهائي على مدار أعوام طويلة تحمل خلالها أمريكا أوكرانيا على التنازل عن الأراضي والحدود بقدر التنازلات الروسية لأمريكا في الملفات الأخرى، وكأنها تسيل لعاب روسيا باعترافها بحدود السيطرة الروسية في أوكرانيا بشروط يجب على روسيا تلبيتها وترضي أمريكا بها.

ب- إعادة تطبيع العلاقات الأمريكية الروسية: وهذه العملية وإن كانت قد بدأت منذ لقاء إسطنبول في نيسان 2025 إلا أنه يتوقع أن تأخذ هذه زخماً، والراجح أن يكون زخماً ظاهراً بعد الاجتماع الثاني بين البلدين والذي يمكن أن تنضم إليهما فيه أوكرانيا بقصد إعلان وقف إطلاق النار. وتطبيع العلاقات يعتبر ضرورة ملحة لأمريكا لفتح المفاوضات في الملفات الاستراتيجية الأخرى.

ج- سباق التسلح والقوة الاستراتيجية: من الراجح للغاية نظراً لحاجة الطرفين لها أن تفتح وبشكل عاجل مفاوضات التسلح والقوة الاستراتيجية النووية والصاروخية، والراجح أن روسيا توافق اليوم على شرط أمريكا السابق بأن تنضم الصين لهذه المفاوضات، فتكون ثلاثية الأطراف، وذلك أن الاتفاقات الروسية الأمريكية قبل ذلك كانت استمراراً لاتفاقات بين عملاقين عسكريين منذ عقود، وقطعتها أمريكا لأنها تريد ضم العملاق الصيني إليها، خاصة وأن الصين اليوم تقوم بتنفيذ برامج تسليح نووية من شأنها أن تضعها في مصاف العملاقين قريباً، إذ إن برنامجها النووي يقود لامتلاكها نحو ألف رأس نووي بحلول سنة 2030، أي أنها قد تجاوزت ومنذ سنوات القوى النووية المتوسطة كبريطانيا وفرنسا.. وعليه فإن الراجح أن كل أسباب حرج روسيا من دعوة الصين للمشاركة في المفاوضات الروسية الأمريكية بخصوص الأسلحة الاستراتيجية قد زالت. وهذا يمثل خطوة لأمريكا على طريقها لتفكيك التحالف الروسي الصيني.. ولكل ذلك فإن الراجح أن أمل أمريكا بتفكيك تحالف روسيا مع الصين كبير، ولكن دون طرقه بشكل مباشر فتجرح بذلك مشاعر روسيا، بل بخطوات تقارب مع روسيا لإضعاف التحالف الصيني الروسي بالتدريج.

10- وأخيراً فإنه من المؤلم أن تتحكم دول الكفر في العالم فيلتقي رؤساؤها ويتباحثون ويخططون.. وأمة الإسلام خير أمة أخرجت للناس قاعدة لا أثر لها في الأحداث الدولية بل حتى التحكم المستقل في قضاياها ليس في مقدورها بل يدار بأيدي الكفار المستعمرين!!

إن المشكلة هي أن هذه الأمة التي تناهز المليارين جسم بلا رأس، فالخلافة التي تجمعها ليست قائمة والخليفة الذي يرعى شئونها ويقاتل من ورائه ويتقى به غير موجود! ومع ذلك فالخلافة عائدة بإذن الله بوعد الله سبحانه وبشرى رسوله ﷺ، ولكن سنة الله اقتضت بأن لا ينزل ملائكة من السماء يقيمون لنا الخلافة والأمة قاعدة لا تعمل لإقامتها، بل ينزل الله الملائكة تساعدنا ونحن نعمل.. وإن حزب التحرير الرائد الذي لا يكذب أهله يدعو الأمة للعمل معه لإقامتها، وعندها يعز الإسلام والمسلمون ويذل الكفر والكافرون ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.

في الخامس والعشرين من صفر الخير 1447هـ

2025/8/19م

المزيد من القسم اجوبة الاسئلة

جواب سؤال :هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

جواب سؤال

هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

السؤال:

شهدت الأيام الأخيرة تطوراً في الحرب لافتاً للنظر، حيث هاجمت المسيرات مدينة بورتسودان العاصمة الإدارية، ولمدة ستة أيام متتالية، ضربت المطار المدني وقاعدة جوية ومستودعات الوقود ما تسبب في أزمة وقود على مستوى السودان، وهاجمت المسيرات مدينة كسلا على الحدود الإريترية شرقا، ومدناً أخرى.. وكل هذا دفع قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر على العودة والتركيز على حماية شرق السودان كما ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، فهل يعني ذلك أن الهجوم على شرق السودان هو لإبعاد الجيش عن دارفور لتبقى خالصة لقوات الدعم السريع؟ ثم هل تكون هذه الأحداث مقدمة لمؤتمر جدة للتفاوض؟ أو هناك أهداف أخرى؟ وشكراً.

الجواب:

لكشف دوافع هجمات الطائرات المسيرة على أهداف حيوية شرقي السودان نوضح ما يلي:

أولاً: المستجدات التي سبقت الهجمات القوية على شرق السودان وخاصة على بورتسودان:

1- حقق الجيش السوداني نجاحات كبيرة بطرد قوات الدعم السريع من مدن الوسط المهمة، الخرطوم وبحري وأم درمان، وهذا الانتصار الكبير رفع من معنويات الجيش السوداني الذي أخذ يتجهز لمطاردة قوات الدعم السريع في دارفور، وهذا الارتفاع لهمة الجيش لمطاردة الدعم السريع يعتبر طبيعياً بعد تلك النجاحات للجيش، وهذا الاتجاه يجبر القادة على مجاراة الواقع الجديد تحت الضغط الشعبي وضغط ضباط الجيش ذوي الرتب غير الكبيرة، أي غير المطلعين على المحركات الخارجية: (أكد رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، الخميس، عزم الجيش على تحرير البلاد من "المرتزقة والعملاء والقضاء على الدعم السريع". وكالة الأناضول، 2025/3/13)، فهذا التصريح من باب مجاراة الواقع الجديد، ولما كان لهذا الواقع من أثر كبير في الشعب وداخل الجيش، فقد أخذت قطاعات الجيش تشتبك مع قوات الدعم السريع في بعض مناطق دارفور، واستبسلت قوات الجيش في الدفاع عن مدينة الفاشر، وهي الوحيدة من عواصم دارفور الخمس التي لا تزال تحت قبضة الجيش، وأخذ الجيش السوداني يتدافع نحو دارفور:

(تشير آخر التطورات الميدانية إلى تقدم متحركات ضخمة من الجيش والقوة المشتركة انطلاقاً من مدينة الدبة شمالي البلاد لفك الحصار عن مدينة الفاشر بينما انفتحت قوات أخرى تتبع لذات الجهات في ولايات كردفان وحققت انتصارات مقدرة في طريق تقدمها نحو المدينة من محور آخر. القدس العربي، 2025/4/19). وهذا الاتجاه الذي يدفع به الشعب بعد انتصارات الخرطوم ويلقى صدى قوياً داخل الجيش ليس هو توجه أمريكا، لذلك حاول البرهان الحد من هذا التوجه: (حذر البرهان من حملات التضليل التي تروج لفكرة أن الحرب تستهدف أعراقا محددة، مؤكداً أن "حربنا ضد كل من يحمل السلاح ضد الدولة، وليست ضد أي قبيلة"، معتبرا أن هذه الإشاعات تهدف إلى "تحشيد الناس وجرهم للقتل". وأوضح أن "تمرد رئيس قبيلة لا يعني تمرد كل القبيلة"، آر تي، 2025/4/29) وكأنه أراد أن يوقف حدة اندفاع الجيش نحو دارفور باعتبار أن بعض القبائل فيها تظن أن الجيش ضدها، وكأنه يطلب التمهل.

2- بعد الهزائم المريرة التي تعرضت لها قوات الدعم السريع في منطقة الوسط وخسارتها لمواقعها الكبرى في الخرطوم وبحري وأم درمان وخسرت الكثير من مقاتليها وقادتها الميدانيين فإنها قد لبست ثوب الهزيمة والضعف، وقد توجهت بعد ذلك باتجاه معقلها في دارفور الذي كانت تسيطر على معظمه وحاصرت مدينة الفاشر، وكان هذا التجميع لقوات الدعم السريع وفق التوجهات الأمريكية للسودان، ومن الطبيعي والظرف هكذا أن يتفرق عن قوات الدعم السريع بعض أتباعها وأن تجد صعوبة في التجنيد من القبائل الموالية لها باعتبار أنها تخوض معارك خاسرة أمام خصم قوي، هو الجيش السوداني، أي أن معنويات الدعم السريع متدنية، لذلك فإن قوات الجيش داخل الفاشر كانت كفيلة بصد هجماتها المتكررة، بمعنى أن هجومها على الفاشر كان فاقداً للزخم. فكان لا بد من عمل كبير يعيد المعنويات لقوات حميدتي ويظهر يدها الطولى وقوتها وأنها قادرة على ضرب وتهديد المناطق البعيدة والآمنة للجيش السوداني مثل شرق السودان.

3- على الرغم من عمالة حكامها للإنجليز إلا أن دولة الإمارات لم تنفك عن تقديم الدعم لعميل أمريكا وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) على أمل أن يكون لها نفوذ عليه وبين أتباعه، وهو عمل شبيه لما تفعله في ليبيا بدعم عميل أمريكا حفتر، وقد أعلن السودان مراراً انزعاجه من دولة الإمارات واتهمها بتقديم مساعدات عسكرية كبيرة للدعم السريع، وعلى وقع هذه الاتهامات أغلقت دولة الإمارات سفارتها في السودان ولم تنقلها إلى مدينة بورتسودان على غرار الدول الأخرى التي فعلت ذلك بعد نشوب الحرب في الخرطوم في نيسان 2023، ولكن السودان استمر يحتفظ بسفارته وقنصليته في الإمارات، وفي ظل هذا الغيظ وتفاقمه تقدم السودان لمحكمة العدل الدولية بدعوى ضد الإمارات على أنها تشارك في الإبادة الجماعية التي يقوم بها الدعم السريع في السودان، ولكن المحكمة ردت هذا الطلب السوداني: (وأعلنت المحكمة يوم الاثنين أنها لا يمكن أن تنظر الدعوى المرفوعة على الإمارات، ورفضت طلب السودان إصدار أوامر باتخاذ إجراءات عاجلة وأمرت برفع القضية من جدول أعمالها. رويترز، 2025/5/6)، ثم قام السودان باتخاذ إجراء آخر قاسٍ ضد الإمارات، وهو قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، وسحب السفارة والقنصلية السودانيتين.. ثم تلاحقت الأحداث المتعلقة بالإمارات (أعلن الجيش السوداني، الأحد، عن تدمير طائرة شحن إماراتية وإمداد عسكري لقوات الدعم السريع.. وأفاد أن الطائرة كانت تحمل إمدادات عسكرية.. فضلاً عن طائرات مسيّرة انتحارية واستراتيجية. سودان تريبيون، 2025/5/4).

ثانياً: دوافع هذه المستجدات وما ترتب عليها:

1- مع تعاظم الاشتباكات في الخرطوم منذ 2023 فقد اضطر مجلس السيادة لنقل العاصمة مؤقتاً لمدينة بورتسودان بوصفها المنطقة الأكثر أمناً، وانتقلت مع أعضاء مجلس السيادة البعثات الدبلوماسية الأجنبية ومنظمات الإغاثة الدولية، وكثير من السكان الذي هربوا من منطقة الوسط ليؤمّنوا أنفسهم وصاروا لاجئين. وهذه المنطقة تمثل الرئة التي تنفس منها السودان أثناء الحرب، ففيها الميناء الذي يزود السودان بالبضائع التي تأتيه من الخارج، وفيها المطار الدولي الوحيد العامل، حيث لا يزال مطار الخرطوم متعطلاً حتى اللحظة رغم سيطرة الجيش عليه. ولأنها رئة السودان ومقر حكومته المؤقت فإن الهجمات بالطائرات المسيرة وبشكل متواصل لأيام عليها قد شكل صدمة كبيرة لدى السودانيين، ولدى الجيش. فالهجمات هذه تظهر قوات الدعم السريع بأنها قوة لم تنكسر كما ظن البعض، بل تملك قدرات كبيرة لم تظهرها من قبل، وتظهر أيضاً بأن الجيش لا يجب أن يشتت نفسه في صحاري دارفور بل يجب أن يقوم بتحصين هذه المرافق الحيوية وحمايتها، مثل الميناء والمطار ومخازن الوقود، فضلاً عن أن الحرائق الشديدة التي اندلعت في مخازن الوقود توحي للجيش بتضرر خدماته اللوجستية اللازمة للحرب في دارفور، لذلك عليه أن يتمهل ويصلحها قبل الاندفاع إلى دارفور.

2- كانت الضربات التي تعرضت لها مرافق مدينة بورتسودان ومطار كسلا وميناء "فلامينغو" بطائرات مسيرة صينية ثقيلة وفق تحليلات لمصادر عدة منها بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، ويمكن أن تحمل الواحدة منها 40 كغم وأخرى 200 كغم من المتفجرات والصواريخ الموجهة، ولم تستخدم قوات الدعم السريع مثلها من ذي قبل، وتم رصد ما يشبه هذه المسيرات في مطار مدينة نيالا الذي تسيطر عليه قوات الدعم السريع، وهو المطار ذاته الذي قال الجيش بأنه دمر فيه طائرة الشحن الإماراتية.

3- وكانت دولة الإمارات من أوائل دول المنطقة التي حصلت على مسيرات صينية منذ سنوات، فقد تحدث موقع Defence News في 2019/5/2 عن استخدام الإمارات لهذه الطائرات المسيرة لدعم خليفة حفتر في ضرب طرابلس الليبية، وتحدث موقع Times Aerospace عن استخدام دولة الإمارات لهذه الطائرات المسيرة الصينية لضرب مواقع لحركات جهادية في العراق وأفغانستان سنة 2014، وهذا يعني أن دولة الإمارات مدججة منذ سنوات طويلة بأنواع مختلفة وثقيلة من المسيرات الصينية، والراجح أنها من يقف وراء هذه الهجمات في شرقي السودان، إما مباشرة من البحر أو عن طريق تزويد قوات الدعم السريع بها، وهي غاضبة من تشهير حكومة البرهان بها في المحكمة الدولية وقطع العلاقات معها وتدمير طائرة الشحن التابعة لها.

4- كان تركيز الضربات على المطارات والميناء والقاعدة البحرية "فلامينغو" وغالباً ما كانت تندلع حرائق تحتاج لأيام للسيطرة عليها ما يشير لاستهداف مستودعات نفطية، وقد كشف وزير الطاقة والنفط السوداني، محيي الدين محمد نعيم، عن احتراق خمسة مستودعات رئيسية لتخزين النفط نتيجة ضربات الطيران المسير في اليوم الأول للحملة (صوت السودان، 2025/5/6)، وبسبب استمرار استهداف منشآت الطاقة أصدر الوزير نفسه توجيهاته بإغلاق خط الأنابيب الناقل لنفط جنوب السودان بسبب قصف الطيران المسير لمحطة ضخ هذا النفط شرقي عطبرة (الجزيرة نت، 2025/5/11)

5- إن الاستهداف كان يركز على الوقود، أي حرمان الجيش السوداني منه ما يمنعه من شن عمليات كبيرة في دارفور وخاصة مدينة الفاشر، هذا فضلاً عن إظهار الحكومة في موقف ضعيف وهي لا تستطيع تأمين مقراتها وكذلك تأمين الوقود والكهرباء لكل حاجات السودان، (أعلنت شركة كهرباء السودان عن "تضرر محطة كهرباء السودان جراء استهدافها بطائرات مسيرة وانقطاع التيار الكهربائي". الأناضول، 2025/5/8)

6- يتضح من كل هذا أن الهجمات الكبيرة شرقي السودان، خاصةً على مرافق مدينة بورتسودان الاستراتيجية مرتبطة بالحرب في دارفور، فهي لإجبار الجيش على الابتعاد عن مهاجمة الفاشر والتوجه للشرق للدفاع عن بورتسودان.. ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10 أن قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر قد أجبرها الهجوم على شرق السودان للعودة والتركيز على حماية شرق السودان.

ثالثاً: الخلاصة المترتبة على هذه الأحداث

1- الراجح أن الجيش السوداني بعد هذه الضربات الثقيلة أخذ يتخوف من القدرات الجديدة لقوات الدعم السريع، ويفقد القدرة على الوصول للوقود اللازم لتشغيل آلياته في الحرب التي خطط لها في الفاشر وعموم دارفور، هذا فضلاً عن ضرورة تحصين شرقي السودان خوفاً من موجات أخرى من الهجوم، ومن ثم يخف ضغط الجيش على دارفور وانشغاله بالجبهة الشرقية.

2- ومن ناحية قوات الدعم السريع فإن قواتها ستكتسب زخماً وتصبح في وضع معنوي أفضل لتحقيق نتائج في الفاشر، وكل هذا بدعم من دولة الإمارات وتوفير الطيران المسير الصيني الثقيل.

3- والمتوقع هو أن تشتد الهجمات على مدينة الفاشر وأن تتراجع قطاعات الجيش التي كانت في طريقها لنصرة مدينة الفاشر، وأن يأخذ مجلس السيادة وقتاً لترميم هذا الخراب شرقي السودان، ولا يرجح أن تبدأ مفاوضات جدة من جديد قبل سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر، أو يكون لها الثقل فيها، وهي مهمة في دارفور، وعندها تصنع أمريكا توازناً للقوة والسيطرة بين القوتين السودانيتين (الجيش والدعم السريع)، حتى إذا استؤنفت مفاوضات جدة يكون الدعم السريع قد خلع ثوب الهزيمة ووقف واثقاً من قوته وثبات سيطرته وقد أسس حكومة أمر واقع في دارفور، أي خلق الظروف المناسبة لإنضاج التقسيم، وصيرورته أمراً واقعاً يجب التسليم به.

رابعاً: إنه لمن المؤلم أن تستطيع أمريكا الكافرة المستعمرة أن تدير قتالاً يحصد الأرواح في السودان وتسخير عملائها بتنفيذ ذلك علناً لا سراً، وجهراً لا خفيةً.. فالبرهان وحميدتي يتصارعان بدماء أهل السودان لا لشيء إلا لخدمة مصالح أمريكا حيث تريد تكرار تقسيم السودان كما فعلته في فصل الجنوب عن السودان، وهي الآن تبذل الوسع في فصل دارفور عما بقي من السودان، لذلك فإن الجيش يركز اهتمامه على باقي مناطق السودان والدعم السريع يركز اهتمامه على دارفور، فإن نشط المخلصون في الجيش بإعادة السيطرة على دارفور ينقل الدعم السريع المعركة إلى مناطق أخرى في السودان لإشغال الجيش فتنسحب قواته من دارفور إلى شرق السودان التي يكثف الدعم السريع الهجوم عليها بالمسيرات.. وذلك لتمكين الدعم السريع من السيطرة الكاملة على دارفور!

وفي الختام فإننا نناديكم بنحو ما ناديناكم به في جوابنا السابق المؤرخ 2023/12/19:

يا أهلنا في سودان الإسلام العظيم... سودان مسجد دُنْقُلا أول مسجد خطه المسلمون الأوائل في السودان... سودان الفتح الإسلامي الكبير في عهد الخليفة عثمان رضي الله عنه حيث أمر والي مصر أن يُدخل نور الإسلام إلى السودان، فأرسل جند الإسلام بقيادة عبد الله بن أبي السرح، فكان الفتح سنة 31هـ... وهكذا انتشر الإسلام بتسارع بفضل الله سبحانه حتى ملأ كل السودان، من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه.. ثم استمر في عهد الخلفاء المسلمين...

يا أهلنا في السودان المجاهد ضد الإنجليز منذ سنة 1896 حتى منتصف الحرب العالمية الأولى 1916 عندما استشهد البطل التقي القوي "علي بن دينار" والي دارفور ذلك العالم المجاهد الذي كان له الفضل في إصلاح ميقات المدينة وأهل الشام "ذي الحليفة" وإنشاء الآبار لسقاية الحجيج التي تسمى باسمه حتى اليوم "أبيار علي"...

أيها الأهل في السودان.. إننا نناديكم، فتداركوا الأمر قبل الندم ولات حين مندم.. وخذوا على رقاب الطرفين المتقاتلين وأطروهما على الحق أطرا.. وانصروا حزب التحرير لإقامة الخلافة الراشدة، ففيها عز الإسلام والمسلمين وذل الكفر والكافرين.. ورضوان من الله أكبر.. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾.

في الثالث والعشرين من ذي القعدة 1446هـ

2025/5/21م

جواب سؤال: الهند وباكستان ووقف إطلاق النار

جواب سؤال

الهند وباكستان ووقف إطلاق النار

السؤال:

أعلن ترامب أمس السبت على نحو مفاجئ في منشور عبر منصته تروث سوشيال أنه ("بعد ليلة طويلة من المحادثات التي توسطت فيها الولايات المتحدة يسعدني أن أعلن أن الهند وباكستان اتفقتا على وقف إطلاق نار شامل وفوري "مشيدا بالبلدين" للجوئهما إلى المنطق السليم والذكاء العظيم... الجزيرة، 2025/5/11). وكانت حدة التوتر قد تصاعدت بين الهند وباكستان في أعقاب الهجوم الذي استهدف السياح في وادي بايساران بمنطقة باهالغام في جامو وكشمير الخاضعة للإدارة الهندية بتاريخ 22 نيسان/أبريل 2025، والذي أسفر عن مقتل 25 هندياً ونيبالي واحد.. وفي 23 نيسان/أبريل 2025، أعلنت الهند تعليق العمل باتفاقية مياه نهر السند الموقعة عام 1960 كجزء من سلسلة إجراءات عقابية ضد باكستان. ورداً على ذلك، أعلنت باكستان تعليق العمل باتفاقية شيملا لعام 1972 التي تنظم العلاقات الثنائية. وفي 7 أيار/مايو، أعلنت الهند عن تنفيذ عملية عسكرية تحت اسم "عملية سيندور".. ثم ردت باكستان.. والآن كما أعلن ترامب أن وساطته نجحت في وقف إطلاق النار.. فما هي حقيقة هذا التوتر والصراع؟ وما هي تحديداً اتفاقية مياه السند التي قامت الهند بتعليقها بشكل مؤقت؟ وهل لأمريكا يد في بدء الهجوم كما لها يد في وقفه؟

الجواب:

حتى يتضح الجواب على هذه التساؤلات، لا بد من استعراض الوقائع التالية:

1- حزب بهاراتيا جاناتا، الذي وصل إلى السلطة في الهند برئاسة أتال بيهاري فاجبايي في الفترة من 1998 إلى 2004، ثم عاد إلى السلطة برئاسة ناريندرا مودي في عام 2014 بعد 10 سنوات من حكم حزب المؤتمر الموالي لبريطانيا، هو حزب موالٍ لأمريكا، كجزء من استراتيجيتها الأوراسية، أي لمواجهة الصين وتطويقها.. ومن الواضح أن المصالح الأمريكية العاجلة في الشرق الأقصى كانت وراء انتصار مودي الهندوسي المتعصب في عام 2014 وهي ما زالت تدعمه.. وقد حقق ناريندرا مودي المصالح الأمريكية دائماً، سواء أكان ذلك في ضم كشمير في عام 2019، أم كان في الاشتباكات الحدودية التي خاضها مع الصين في أعوام 2014 و2017 و2020، أم كان في أفغانستان، أم في إفشال الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني.

2- بعد وصول مودي إلى السلطة في الهند عام 2014، استخدمت أمريكا الهند بشكل فعال لزيادة الضغط على الصين، وتطويقها، ومنعها من السيطرة على المناطق المحيطة بها، وحصرها داخل أراضيها.. خاصة وأن أمريكا قد أعلنت حرباً اقتصادية على الصين فقد فرض ترامب رسوماً جمركية باهظة على البضائع الصينية. ويهدف ترامب من خلال هذه الرسوم الجمركية الإضافية إلى إضعاف الاقتصاد الصيني. فقد انتشرت أخبار تفيد بأن شركات التكنولوجيا الكبرى، مثل شركة آيفون، تعتزم نقل مصانعها إلى الهند نتيجة للزيادة الكبيرة في الرسوم الجمركية. (كشفت شركة آبل أنها تخطّط لنقل عمليات تجميع جميع هواتف آيفون التي تباع في الولايات المتحدة إلى الهند، وفق ما أفادت صحيفة "ذا فايننشال تايمز"... يورو نيوز، 2025/4/26) وهكذا فإنه في إطار استراتيجيتها لمواجهة الصين، تسعى الولايات المتحدة إلى تعزيز مكانة الهند كقوة اقتصادية وعسكرية في المنطقة.

3- وكان هذا يقتضي من جانبٍ دعمَ الهند بوسائل القوة العسكرية والاقتصادية.. ومن جانبٍ آخر حلَّ مشاكل الهند مع باكستان، والنظامان فيهما مواليان لأمريكا وعملاء لها.. وذلك لتتفرغ الهند إلى الجانب الصيني:

أما الجانب الأول: فقد دعمت أمريكا الهند وجيشها بكل الوسائل مثل نقل التكنولوجيا النووية الأمريكية للهند.. وقد كان موضوع مواجهة الصين حاضراً بقوة أثناء اجتماع ترامب مع رئيس وزراء الهند في واشنطن: (ناقش الزعيمان أيضا تعزيز "التحالف الرباعي" الأمني في منطقة آسيا والمحيط الهادئ الذي يضم كذلك اليابان وأستراليا. ومن المقرر أن تستضيف الهند في وقت لاحق هذا العام زعماء المجموعة التي ينظر إليها باعتبارها ثقلا موازنا للنشاط العسكري الصيني المتنامي. رويترز، 2025/2/14).

وأما الجانب الثاني فكان أبرز هذه المشاكل:

أ- القوات الباكستانية على الحدود تحد من انتقال القوات الهندية نحو الجبهة الصينية، ولذلك فإن أمريكا دفعت باكستان لنقل قواتها من الحدود الهندية إلى المناطق القبلية في وزيرستان لمقاتلة حركة طالبان باكستان، وفي بلوشستان لمقاتلة جيش تحرير بلوشستان، وإلى الحدود الأفغانية، حتى تتمكن الهند من التحرك بحرية في مواجهة الصين ونقل جيوشها إلى الحدود الصينية بدلاً من نشرها على الحدود الباكستانية. ثم أخذت أمريكا تطلب من باكستان تقديم التنازل تلو التنازل للهند من أجل تسهيل انسحاب الهند من المواجهة مع باكستان ووضعها في المواجهة مع الصين.. ومن أجل ذلك كما قلنا آنفاً قامت باكستان بنقل الكثير من فرقها العسكرية من الحدود مع الهند ووظفتها في الاقتتال الداخلي في باكستان ضد الجماعات الجهادية، ... وأخذت تشتبك مع حركة طالبان في أفغانستان.

ب- النزاع حول كشمير، وقد ضمتها الهند بقرارها في 2019/8/5.. قلنا في جواب سؤال 2019/8/18:

(- بعد فترة وجيزة من أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001، ركزت إدارة بوش على الهند، وكانت نسبة كبيرة من الإجراءات الأمريكية موجهة نحو سد الفجوة العسكرية بين الهند والصين وفق البرامج الأمريكية، ومنها اتفاق أمريكا النووي مع الهند...

- لقد رأت أمريكا أن التوترات بشأن كشمير بين الهند وباكستان تؤثر في إضعاف مواجهة الهند ضد الصين... وللتغلب على هذه التوترات، بدأت الولايات المتحدة بعملية التطبيع بين الهند وباكستان، وكان الهدف من التطبيع هو تحييد القوات الهندية والباكستانية من قتال بعضها بعضاً بسبب كشمير، وتوجيه الجهود نحو التعاون مع الولايات المتحدة في نهاية المطاف لتقييد صعود الصين. وكانت تظن أمريكا أن ضم كشمير للهند وضغط أمريكا على النظام في باكستان لمنعه من إرجاعها عسكرياً ونقل الموضوع للحوار سيميت القضية ويمنع النزاع العسكري بينهما كما هو حال سلطة عباس في فلسطين والدول العربية حولها دون نزاع عسكري مع دولة يهود في الوقت الذي هم فيه يحتلون ويضمون ما شاءوا من فلسطين! وهكذا بدأ مودي بخطة ضم جامو وكشمير والتغيير السكاني فيها ومن ثم كان القرار الذي اتخذه مودي في 2019/8/5 بإلغاء المادة 370 من دستورهم المتعلق بكشمير..) ظناً من أمريكا أن الضم سينسي المسلمين كشمير وتصبح الهند وباكستان دونما مشاكل بينهما على اعتبار أن النظامين يسيران معا حالياً في الخط الأمريكي، ونسيت أمريكا أو تناست هي والهند أن كشمير هي في قلب المسلمين وستعود بإذن الله..

ج- مشكلة تقاسم المياه مع باكستان، فأرادت الهند إعادة النظر في اتفاقية مياه السند القائمة، فالهند تسعى منذ زمن إلى إعادة النظر في اتفاقية مياه السند الموقعة عام 1960 بوساطة البنك الدولي عقب مفاوضات استمرت تسع سنوات، متذرعة بالنمو السكاني المتسارع، في حين ترفض باكستان أي إعادة للتفاوض بشأنها. ذكرت صحيفة "India Today"، نقلا عن مصادر مطلعة لم تسمها، (أن الهند أوقفت تدفق المياه من سد باغليهار على نهر تشيناب إلى باكستان. وأشارت الصحيفة إلى أن الهند تخطط أيضا لقطع تدفق المياه من سد كيشانغانغا على نهر غيلوم. الأناضول، 2025/5/5) وبالنظر إلى هذا التعليق الأحادي للاتفاقية من قبل الهند ومطالبتها المستمرة بمراجعتها على مدى سنوات طويلة، يمكن تفسير إقدام حكومة مودي على تعليق الاتفاقية بعد هجوم باهالغام بأنه محاولة للضغط على باكستان وإرغامها على مطلب المراجعة. (في السنوات القليلة الماضية، سعت حكومة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى إعادة التفاوض على المعاهدة، وحاولت الدولتان تسوية بعض خلافاتهما في المحكمة الدائمة للتحكيم في لاهاي بشأن حجم منطقة تخزين المياه في محطتي كيشينجانجا وراتل للطاقة الكهرومائية... عربي21، 2025/04/27)

ومن الجدير ذكره أن اتفاقية مياه السند (ISA) تمثل معاهدة لتوزيع المياه بين دولتي الهند وباكستان، وقد جرى إعدادها والتفاوض بشأنها تحت رعاية البنك الدولي، وقد شهدت مدينة كراتشي في التاسع عشر من شهر أيلول/سبتمبر لعام 1960 مراسم توقيع هذه الاتفاقية المهمة، وقد مُنحت باكستان حقوق الانتفاع بمياه ثلاثة أنهار في الجزء الغربي من حوض السند (نهر جهيلوم، ونهر تشيناب، ونهر السند نفسه)، بينما احتفظت الهند بالسيطرة الكاملة على مياه الأنهار الشرقية الثلاثة (نهر ستلج، ونهر بياس، ونهر رافي).

د- الحركات الجهادية في كشمير، فقد كانت تسبب قلقاً للهند فأرادت أمريكا افتعال قتال هناك كمبرر لهجوم هندي على جذور تلك الحركات في كشمير ومحاولة إشراك النظام الباكستاني في الهجوم على تلك الحركات في باكستان.. وكان ذلك في مرحلتين:

الأولى: افتعال هجوم في كشمير تنسبه إلى تلك الحركات تتخذه مبرراً لعمل عسكري كبير ضد مراكز هذه الحركات في باكستان كما تقول.. وضد جذور تلك الحركات في كشمير وضد المسلمين فيها لقتلهم أو تهجيرهم بحجة تأييدهم لتلك الحركات كما يفعل يهود في غزة بمجازرهم في أهلها بحجة دعم المقاومة.. ثم إحراج النظام في باكستان فلا ينصر كشمير لأن الهجوم بدأته تلك الحركات!

وهكذا بدأت الهند بأمر أمريكا بهذا الهجوم المصطنع في كشمير.. والدليل على ذلك:

- إن الهجوم الذي استهدف السياح في وادي بايساران بمنطقة باهالغام في كشمير الخاضعة للإدارة الهندية في 22 نيسان/أبريل 2025، والذي تزعم الهند أنه نفذته مجموعة مسلحة مدعومة من باكستان، بينما تنفي باكستان ذلك، هذا الهجوم حصل في كشمير في 2025/4/22 أثناء وجود نائب الرئيس الأمريكي دي فانس في نيودلهي، (وصل "جيه.دي فانس" نائب الرئيس الأمريكي إلى الهند اليوم، الاثنين، في مستهل زيارة تستغرق أربعة أيام، يجري خلالها محادثات مع رئيس الوزراء "ناريندرا مودي". وكالة أنباء البحرين، 2025/4/21)، واتخذت الهند كل إجراءاتها الأولية ضد باكستان بما في ذلك تعليق معاهدة نهر السند أثناء وجود هذا المسؤول الأمريكي في نيودلهي، الأمر الذي يدل على تنسيق أمريكا مع الهند، ولا يجوز على الإطلاق الظن بأن كل ذلك محض صدفة.

- إسراع الحكومة الهندية إلى توجيه الاتهام لباكستان عقب وقوع الهجوم في الثاني والعشرين من نيسان/أبريل بدقائق معدودة، وقبل الشروع في أي تحقيقات أو أعمال بحثية، وذلك على الرغم من مطالبة باكستان بإجراء تحقيق دولي في الحادث، فضلاً عن التغطية الإعلامية الهندية التي سارعت إلى الإشارة إلى الجبهة المقاومة (TRF)، التي تعتبر جناحاً تابعاً لتنظيم لشكر طيبة (LET)، مع إعلان التنظيم نفيه الوقوف وراء الهجوم، كل ذلك يدل على أنها عملية "مصطنعة". (وتبنت "جبهة المقاومة" الهجوم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ثم تنصلت منه لاحقاً، مبررة ذلك بالقرصنة الإلكترونية... موقع 24، 2025/04/30)

ثم بدأت المرحلة الثانية، فشنت الهند هجوماً بالصواريخ على باكستان مساء 2025/5/6 ولم تقتصر على الجزء الباكستاني من كشمير كما جرت العادة، بل ضربت أهدافاً في إقليم البنجاب أيضاً، ولم ترد باكستان بضرب أهداف داخل الهند واكتفت بالاشتباكات الحدودية وإسقاط طائرات للهند على الحدود، وحاولت الهند تخفيف وقع الهجوم على باكستان فقالت بأنها لم تهاجم أهدافاً للجيش الباكستاني وهاجمت "إرهابيين" فقط... التلفزيون العربي، 2025/5/7)، واستمرت الاشتباكات تتصاعد بين الطرفين، (اندلعت اشتباكات عنيفة على طول خط السيطرة في كشمير بين القوات الهندية والباكستانية، وسمع دوي انفجارات على طول خط السيطرة بكشمير وسط أنباء عن قتلى، وفق وسائل إعلام هندية... العربية، 2025/5/9)، واعترفت بسقوط 3 طائرات لها، وأعلنت عن مقتل 7 مدنيين في كشمير التي تسيطر عليها جراء هجمات باكستانية. بينما ذكرت باكستان أنها أسقطت 5 طائرات هندية منها ثلاث من طراز رافال الفرنسية وكذلك 25 مسيرة من صنع كيان يهود، وقال رئيس وزراء باكستان شهباز شريف (كنا نستطيع أن نسقط 10 طائرات مقاتلة هندية، خلال الرد على الهجوم الهندي الذي استهدف مواقع باكستانية لكن قادة الجيش مارسوا ضبط النفس فأسقطوا 5 طائرات"... الشرق للأخبار، 2025/5/7) وأعلن المتحدث باسم الجيش الباكستاني أحمد شريف شودري أن الجيش قصف 26 منشأة عسكرية وحلقت عشرات الطائرات المسيرة فوق مدن هندية رئيسية بما فيها العاصمة نيودلهي"... سكاي نيوز، 2025/5/10). فيظهر أن الباكستان كانت قادرة على شن هجوم كبير واسع وأن تدخل في مواجهة مع الهند وتهزمها. ولكنها مرتبطة بأمريكا التي لا تسمح لها بالقيام بمثل هذه المجابهة وأن تلحق بالهند هزيمة نكراء فتؤدي إلى سقوط عميلها مودي.. ومع أن أمريكا استطاعت الضغط على النظام العميل لها في باكستان فيكتفي بالرد المحدود على العدوان الهندي إلا أن ما ظهر من هذا الرد المحدود يدل على بطولة الجند المسلم في باكستان وقوة اندفاعهم للقتال حتى إنهم رغم تواطؤ النظام في باكستان مع أمريكا والتقييد على تحرك الجيش إلا أن هذا الجيش المسلم ألحق بالعدو المشرك خسائر مؤثرة كما ذكرنا آنفاً.. وكل هذا دفع أمريكا أن تنهي خطة القتال كما بدأتها وتلجأ إلى إيقاف العدوان كما بدأته وتغير خطة القتال إلى الخبث السياسي التفاوضي بين نظامين مواليين لها الهند وباكستان، فتحقق للهند ما لم تستطع تحقيقه لها بالعدوان العسكري...

4- ولذلك فبعد أربعة أيام من بدء الهجوم الهندي أعلن يوم 2025/5/10 عن وقف لإطلاق النار بأوامر أمريكية. فكتب الرئيس الأمريكي ترامب على منصته تروث سوشيال يوم 2025/5/10 ("بعد ليلة طويلة من المحادثات بواسطة الولايات المتحدة، يسرني أن أعلن أن الهند وباكستان اتفقتا على وقف لإطلاق النار بشكل شامل وفوري. أهنئ كلا البلدين على استخدام المنطق السليم والذكاء العالي. أشكركم على اهتمامكما بهذا الأمر"). وقال وزير خارجية أمريكا ماركو روبيو على منصة إكس يوم 2025/5/10 "إن الحكومتين الهندية والباكستانية اتفقتا على وقف إطلاق نار فوري وبدء محادثات حول مجموعة واسعة من القضايا في مكان محايد" وأضاف أنه ونائب الرئيس جيه دي فانس عملا مع رئيسي الوزراء الهندي ناريندرا مودي والباكستاني شهباز شريف ووزير الشؤون الخارجية الهندي سوبرامانيام جايشانكار ورئيس أركان الجيش الباكستاني عاصم منير ومستشاري الأمن القومي الهندي أجيت دوفال والباكستاني عاصم مالك على مدى اليومين الماضيين للتوصل إلى اتفاق"). أي أن أمريكا لم تقدر بطولة الجيش الباكستاني رغم ولاء قيادته لها فخشيت على مودي من استمرار القتال فيفقد حكمه بدل أن يؤدي ما طلبته أمريكا منه في مواجهة الصين! ومن ثم أمرت بوقف الحرب واللجوء إلى الخبث السياسي بتحقيق أهدافها بالمفاوضات بين نظامين مواليين لها!

5- وفي الختام فإن حزب التحرير يحذر المسلمين بعامة وأهل باكستان بخاصة من أن الخبث السياسي والمفاوضات التي تجري مع أعداء الإسلام والمسلمين وخاصة المشركين الهندوس في الهند واليهود في فلسطين، هذه المفاوضات لا تنتج خيراً وخاصة إذا كانت أمريكا الكافرة المستعمرة هي التي تديرها كما هو حادث الآن، فهم يحاربون الله ورسوله في كل زمان ومكان.. وقد أخبرنا رسول الله ﷺ بقتالهم والنصر عليهم وفي ذلك الأجر العظيم.. أخرج مسلم في صحيحه عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَتُقَاتِلُنَّ الْيَهُودَ فَلَتَقْتُلُنَّهُمْ...»، وأخرج أحمد والنسائي عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ: «عِصَابَتَانِ مِنْ أُمَّتِي أَحْرَزَهُمَا اللهُ مِنَ النَّارِ؛ عِصَابَةٌ تَغْزُو الْهِنْدَ، وَعِصَابَةٌ تَكُونُ مَعَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِمَا السَّلَام» فقتال اليهود في فلسطين وقتلهم، وغزو الهند وانتصار الإسلام فيهما لا بد كائن بإذن الله، فهو قول الصادق المصدوق ﷺ.. غير أن الله سبحانه قضى أن لا ينزل علينا النصر من السماء، فتحمله ملائكته إلينا ونحن قاعدون، بل نعمل ونجد ونجتهد، ونتحرى الصدق والإخلاص فيما نعمل، وهكذا يجب أن نكون، فيأتي نصر الله ولا ريب، بإذنه سبحانه، وإنا لنستبشر خيراً بالأهل في باكستان، فهو بلد إسلامي قوي وجذور الإسلام فيه عميقة ومشاعر الإسلام فيه جياشة، وجيشه يحب الجهاد في سبيل الله، وتطلعات المسلمين فيه لإقامة الخلافة تتصاعد، ولن يطول الوقت بإذن الله قبل أن تتحقق النصرة للرائد الذي لا يكذب أهله، ...، فيتحقق قوله ﷺ بإقامة الخلافة الراشدة بعد هذا الحكم الجبري الذي نعيش فيه؛ أخرج أحمد في مسنده عن حذيفة قال: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «..ثُمَّ تَكُونُ مُلْكاً جَبْرِيَّةً فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ. ثُمَّ سَكَتَ» ويومئذ يفرح المؤمنون ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.

في السابع عشر من ذي القعدة 1446هـ

2025/5/15م