خدعة مبادرة ترامب: الخروج من ورطة غزة بسحق النظام الإيراني  إعادة ترتيب الأولويات مع المحافظة على الأهداف
September 27, 2025

خدعة مبادرة ترامب: الخروج من ورطة غزة بسحق النظام الإيراني إعادة ترتيب الأولويات مع المحافظة على الأهداف

خدعة مبادرة ترامب: الخروج من ورطة غزة بسحق النظام الإيراني

إعادة ترتيب الأولويات مع المحافظة على الأهداف

دعا الرئيس الأمريكي ترامب ثمانية من حكام المسلمين إلى اجتماع في 23 أيلول 2025 في قاعة الاجتماعات الخاصة به في مقر الأمم المتحدة لبحث وقف الحرب في غزة. وصدر عن الاجتماع بيان ختامي من 7 بنود أهمها وقف إطلاق النار، وإطلاق سراح أسرى يهود، وإدخال المساعدات، والإعمار، ورفض التهجير القسري، ودعم السلطة الفلسطينية، وأن لا يكون أي دور لحماس في غزة. ووصف ترامب هذا الاجتماع بقوله: "كان اجتماعي مع قادة عرب ومسلمين بشأن غزة عظيماً، هذا أهم اجتماع أعقده لأننا سننهي شيئاً كان من المفترض ألا يحدث".

إن مثل هذا الخبر، على إيجازه، مليءٌ بالطامات التي يعسُرُ تعدادها، لكثرة مخازيها، سواء لما فيها من ضلال عقول وسفاهة أفهام، أو من انحطاط نفوس واستمراء ذل. اختار ترامب حكام تركيا ومصر وباكستان وإندونيسيا والسعودية والأردن وقطر والإمارات ودعاهم للاجتماع فامتثلوا. ولماذا دعاهم؟ لبحث وقف الحرب على غزة! وكأنه حَكَمٌ عَدْلٌ يريد السلام فعلاً! وقد تبجح بأنه رجل سلام ورجل إيقاف الحروب، وأنه يريد إيقاف الحرب على غزة، وأن حماس هي التي ترفض ذلك، وسبق أن رفضت كل مبادراته لوقفها. وهم ينصتون إنصات مُقِرٍّ ذليل، مع أن العالم كله يعرف أنه هو وإدارته ودولته يقفون خلف كل المجازر في غزة، ويُسقطون كل مبادرات ومشاريع وقف الحرب في مجلس الأمن وغيره.

لم يعد خافياً أن الحرب على غزة هي حرب أمريكا، فهي تدعمها بكل ما تستطيع. وهي تقف خلف كيان يهود في كل اعتداءاته على اليمن ولبنان وإيران وسوريا وقطر. وكل ما تدعيه خلافَ ذلك كذب وخداع. ومن الطامات أنها تكرر خداعها بالأكاذيب نفسها وبالوعود ذاتها، ويستجيب هؤلاء وأضرابهم، فيركعون أمام ترامب ومبعوثيه خوفاً وطمعاً، يستجدون تدخله للضغط على نتنياهو والحد من تجاوزاته. وهما في الواقع على أتم انسجام وتوافق على ما يسمونه الشرق الأوسط الجديد.

ومن جهة أخرى، يظهر سؤال هنا: لماذا هذا التحول عند ترامب لوقف الحرب على غزة، والتقدم بمبادرة خالية من بند القضاء على حماس، بخلاف كل المبادرات السابقة من بداية الحرب إلى اليوم؟

ومهما تعددت الآراء في هذا التحول، فهو لا يخلو من المخادعة. وأقرب المداخل لفهم هذا التحول، أن هذا الاجتماع جاء على هامش مؤتمر الجمعية العامة للأمم المتحدة، التي جاءت كلمات معظم الدول فيها ضد كيان يهود ومجازره وداعميه في غزة والمنطقة، أي على الولايات المتحدة وترامب. وقد تولت أوروبا هذا التوجه منذ أكثر من سنة، وتجلت قيادة فرنسا له، وبادرت مع السعودية إلى عقد هذا المؤتمر في 22 أيلول 2025، بهدف تكريس حل الدولتين ومقتضياته. فشكّل هذا المؤتمر والمواقف الدولية والشعبية في العالم ضد مجازر يهود ضغطاً على أمريكا، دفَعَها لإعادة النظر في خططه. ولكن هل كانت هذه الضغوط كافية لتعدِّل أمريكا سياستها في غزة؟ في الواقع هي لا تكفي. فالاعتراضات على مجازر يهود ومواقف أمريكا، ومحاولات وقف الحرب ليست مستجِدَّة، ولكنها لم تكن لتؤثر لولا عوامل أخرى.

من هذه العوامل اجتماع كلمة أوروبا تقريباً وبدء اتخاذها إجراءات متتابعة ضد كيان يهود، ووقوفها في مواجهة سياسة أمريكا في غزة والضفة الغربية. ومنها أيضاً الأسطول الضخم المتوجه لفك الحصار على غزة، والمدعوم من دول أوروبا.

ومنها استياء الدول العربية وغيرها في المنطقة، وخوفها من سياسة أمريكا بعدما ترجح أنها غير جادة في موضوع حل الدولتين، وأن استراتيجيتها للمنطقة (الشرق الأوسط الجديد) ليس فيها اعتبار لهذا الحل، وفيها بدل ذلك إطلاق يد كيان يهود ليكون شرطي المنطقة والحاكم فيها بأمر أمريكا، الأمر الذي تأكد عملياً بعد ضربة يهود للدوحة، وأرعب كل حكام المنطقة من أمريكا وهذا الكيان الفاجر. وقد كان لهذه الضربة تداعيات واسعة دولياً، منها القمة العربية الإسلامية في الدوحة في 15 أيلول 2025، والتي نبَّهت أمريكا إلى أن سياستها متسرعة، وتدفع المنطقة، عاجلاً أو آجلاً، إلى البحث عن خيارات بديلة، وإن كان بالخفاء وعلى وَجَل.

ومن العوامل المهمة والتي قد تكون حاسمة فشلُ أمريكا وكيان يهود في غزة. فقد مضى على هذا الهجوم سنتان من غير طائل، بل ازداد جيش يهود بسببه ضعفاً وعجزاً. وهو لا يحقق على الأرض سوى الفظائع التي تثير العالم ضد كيانهم وضد أمريكا.

فهذه العوامل كفيلة بأن تدفع الولايات المتحدة لإعادة النظر في استراتيجيتها وتعديل ما لا يناسب منها. ويمكن القول إن موقف أوروبا المتصاعد في معارضة سياسة أمريكا في غزة، إضافة إلى الصدمة التي أصابت دول المنطقة والبلاد الإسلامية، سرَّعت الذهاب إلى هذا التحول.

أما ما هو التحوُّل، فيتبيّن من تتبع مبادرات أمريكا السابقة، والتي يقول الأمريكيون إنها بلغت 27 مبادرة، فقد كانت كلها تنص على القضاء على حماس، ما يعني موت المبادرة قبل ولادتها، وهو مراد أمريكا ويهود. أما المبادرة المذكورة الآن، فهي خالية من هذا البند. وهذا يعني احتمال جدية أمريكا، وليس ضمان نجاحها.

وهنا ينشأ تساؤل، هل فعلاً تريد أمريكا إنهاء الحرب في غزة، مع أن هذا إعلان فشل لها ولكيان يهود، وتخلٍّ عن خطتهما لغزة، ومآله الذهاب إلى حل الدولتين؟ والجواب: كلا، ليس في هذا التحول والتوجه دلالة على ذلك، والأمر الطبيعي أن ما تريده هو تعديل في الخطط بسبب التعثر، مع المحافظة على الأهداف المُقرَّرة.

وقد ظهر ما يشير إلى الخطة البديلة المحتملة، في مقابلة المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا توماس برّاك في قناة سكاي نيوز في 22 أيلول 2025، youtube.com/watch؟v=Yppp_DKa0sw. فقد قال فيها إنّ حكومة لبنان فشلت في سحب سلاح حزب الله، ولم يبقَ إلا أن يتكفل كيان يهود بهذا الأمر، والوضع في لبنان وغزة معقد، ولا سبيل للحل في المنطقة العربية والإسلامية إلا بالقوة، لأنه لا قابلية في المنطقة لتقبل الخضوع لهيمنة أمريكا أو التسليم لإرادتها. وقد بالغ بشكل دل على نكد بسبب فشله، وقال إنه لا يوجد في قاموسهم تعبير (خضوع)، لذلك يجب إخضاعهم بالقوة، وذلك بقطع رأس الأفعى، أي إيران. فقال: "حزب الله هو عدونا، وإيران هي عدونا، ونحن بحاجة إلى قطع رؤوس هؤلاء الثعابين، وقطع تدفق الأموال، وهذه هي الطريقة الوحيدة لإيقاف حزب الله". ورداً على سؤال إن كانت هناك حاجة لضربة حاسمة أخرى ضد إيران لقطع رأس الأفعى؟ قال: "هذا النظام بارع جداً في تأجيل الأمور والانتظار، لأنه يظن أن أوباما سيعود... يبدو أن إسرائيل تسير نحو حل المشكلة بأكملها، والمشكلة هي غزة. أتصور أن السيطرة على غزة، والسيطرة على حزب الله، والسيطرة على الحوثيين لن تكون مجدية إذا لم تتم السيطرة على النظام الإيراني".

وقد يفسِّر كلام توم برّاك هذا، التنازلات التي يقدمها ترامب بشأن غزة، بأنها مؤقتة لجمع الإمكانات وتوجيهها نحو رأس الأفعى. وبعد ذلك يرجعون لنقض الاتفاقات وتحقيق الأهداف في غزة ولبنان واليمن وغيرها، وفرض مشروع الشرق الأوسط الجديد. ومع أن هذا الأمر دونه خرط القتاد، فيبدو أنه صار حاجةً ملحة لأمريكا، بسبب صعود المنافسين وتكاثر المآزق واستمرار الفشل وانسداد المخارج، وقبل كل ما تقدّم استعصاء الإسلام السياسي.

﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

محمود عبد الهادي

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر