September 12, 2017

خفايا الصراع البريطاني الأمريكي

خفايا الصراع البريطاني الأمريكي

1-   جوهر الصراع

الصراع البريطاني الأمريكي في جوهره صراع استعماري على الهيمنة والاستغلال بين مستعمر قديم متمثل في بريطانيا ومستعمر جديد حل محلها في كثير من البلاد متمثل في أمريكا، هدف بريطانيا مزاحمة أمريكا على السيطرة والاستغلال ومشاركتها في السياسة الدولية أي التحكم في العلاقات الدولية وفي الدول نفسها ليتم اتخاذها أدوات للسيطرة والاستغلال وللدفاع حين يلزم الدفاع عن مصالح بريطانيا ونفوذها، أي اتخاذ هذه الدول دروعا للحماية، تمشيا مع الاستراتيجية البريطانية التي رسمتها لتحويل ضعفها الجغرافي (صغر مساحتها وعزلتها الجغرافية) وضعفها السكاني (قلة سكانها) إلى قوة تتلخص في شيء واحد هو تسخير غيرها من الأفراد والشعوب والدول لأن تكون أداة بيدها، أو للسير معها في تحقيق أهدافها أو لمشاركتها في عداواتها لأعدائها، أو في جلب المغانم ودفع المغارم، أو دفعها للتورط في المشاكل التي تضعفها وتجعلها تسير حسب سير الإنجليز. أما هدف أمريكا فهو التفرد بالموقف الدولي وبناء الإمبراطورية أي الهيمنة والاستغلال المطلق، ولقد كان تقريرا (جيريميا / وولفويتز) هما التقريرين المفصليين في رسم سياسة أمريكا بعد سقوط الاتحاد السوفياتي 1991. التقرير الأول صدر عن وزارة الدفاع (البنتاغون) مكون من 46 صفحة بالتنسيق مع مجلس الأمن القومي الأمريكي تحت إشراف مستشار الدفاع المكلف بالسياسات بول وولفويتز. والتقرير الثاني مكون من 70 صفحة تحت إشراف خبراء على رأسهم الأدميرال جيريميا، نشرتهما نيويورك تايمز في آذار/مارس 1992، وفيهما تم رسم سياسة أمريكا لما بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، خلاصتها "التفرد بالموقف الدولي وقهر كل المنافسين الموجودين والمرتقبين اعتمادا على القوة العسكرية".

إلا أن هذا المقال سيركز على بعض من سياسة بريطانيا في تقويض سياسة أمريكا في التفرد بالموقف الدولي ومن ثم مزاحمتها في السياسة الدولية على السيطرة والاستغلال.

2-   تجليات الصراع البريطاني الأمريكي: أزمة الخليج نموذجا

منذ مطلع القرن الحالي تم تأهيل دويلة قطر لتصبح مطبخا رئيسيا للسياسات الإنجليزية في المنطقة، وبذلك فقد أصبحت قناة الجزيرة الفضائية منبرا إعلاميا كبيرا للتشويش على سياسة أمريكا وعملائها في المنطقة، فليس صدفة أن يتزامن إنشاء الجزيرة سنة 1996 مع إغلاق القسم العربي لتلفزيون هيئة الإذاعة البريطانية، فقد باتت الجزيرة بديلا عنه وانضم العديد من العاملين في المحطة البريطانية إلى الجزيرة. وقد أضيف لقناة الجزيرة عامل آخر وهو المال السياسي، ذلك المال الذي أصبح مغناطيسا سياسيا كبيرا لجذب القوى السياسية كالحركات الإسلامية التي توصف بالمعتدلة في فلسطين ومصر وليبيا وتونس وسوريا لجرّها للسير في ركاب الإنجليز، حتى أضحت الدوحة مركزا للتخطيط والتشويش على السياسة الأمريكية وعملاء أمريكا في المنطقة. ثم أضيف لها عامل ذو بعد استراتيجي رسمته بريطانيا لقطر في توظيف الغاز، ثروة المسلمين بقطر، لضرب الاقتصاد الأمريكي وأداة هيمنته الاقتصادية "الدولار"، ففي أواخر سنة 2014 كانت أول زيارة لأمير قطر تميم للصين، وصفها الصينيون حينها بأنها انتقال من العلاقات العادية إلى علاقات الشراكة الاستراتيجية، حيث تم توقيع اتفاق بين مصرف قطر وبنك الشعب الصيني، قضى بموجبه إنشاء خط ثنائي الاتجاه للتبادل بالعملة الصينية بمبلغ إجمالي قدره 35 مليار يوان صيني على مدى ثلاثة سنوات بدل الدولار الأمريكي (النهار)، كما تم الاتفاق على إنشاء أول مركز للمقاصة والتسوية بالعملة الصينية في المنطقة على أرض قطر، وهو مركز يقدم خدمات مالية للتجار والشركات بالعملة الصينية، فضلا عن بيع قطر الغاز الطبيعي المُسال للصين بالعملة الصينية اليوان. كل هذه الإجراءات تهدد الدولار الأمريكي كعملة للتجارة العالمية. حتى إن الكاتب وخبير الاقتصاد الغربي وليام انجدال قال: "إن مصادر مطلعة في هولندا أفادت بأن واشنطن ترغب في معاقبة قطر لموافقتها على بيع الغاز للصين بالعملة الصينية بدل الدولار، علما أن قطر تتصدر قائمة أهم المصدرين للغاز المسال نحو آسيا ما يثير قلق واشنطن" حسب موقع أغورافوكس الفرنسي.

كما أن قطر وبعد اتخاذ الإجراءات العقابية ضدها من طرف واشنطن وتكليف السعودية بتنفيذها بداية حزيران/يونيو 2017، أعلنت بعد شهر، تحديدا في 04 تموز/يوليو 2017 زيادة في إنتاجها للغاز بنسبة 30% على مدى السنوات القليلة المقبلة. وقال سعد الكعبي رئيس شركة قطر للبترول في مؤتمر صحفي "إن قطر تعتزم رفع الإنتاج إلى 100 مليون طن من الغاز سنويا بحلول سنة 2024". وتعد قطر أكبر منتج للغاز الطبيعي المسال في العالم، ويبلغ إنتاجها الحالي 77 مليون طن سنويا.

وقد صرح رئيس وود سايد بيتروليوم الأسترالية "إن خطة قطر لزيادة الإنتاج ستعرقل النمو المتوقع من صادرات الولايات المتحدة منه"، وأضاف "إن المشروعات التي ستجد صعوبة أكبر في المنافسة ستكون تلك التي تحتاج إلى بنية تحتية بمليارات الدولارات ومشروعات تحويل غاز الفحم الحجري إلى غاز طبيعي مسال والتي تحتاج إلى إنفاق رأسمالي مستمر لحفر آبار جديدة... ذلك سيكبح التوسعات الأمريكية، وأضاف أن هذه الزيادة ستمنح مستوردين مثل الصين والهند واليابان وباكستان وبنغلادش الثقة بشأن الإمدادات لدعم التوسع في استخدام الغاز، وأشار إلى محدودية فرص الغاز المسال الأمريكي المتجه إلى آسيا بسبب معوقات عدة أهمها تكاليف الإنتاج والنقل الباهظة. (الخليج أونلاين).

هذا عن أداة من أدوات بريطانيا في صراعها مع أمريكا في توظيف حكام قطر العملاء خدمة لسياساتها الاستعمارية وتكليفها لها بمشاريع الضرار والضرر خيانة للمسلمين وخدمة لأطماع الإنجليز ونكاية بالأمريكيين.

أما من حيث مشاركة الغير في جلب المغانم ودفع المغارم فذاك ما يفسر سياسة بريطانيا تجاه الصين لإضعاف السيطرة الأمريكية، وتلك من خفايا السياسة البريطانية.

3-   خفايا الصراع البريطاني الأمريكي: العلاقات البريطانية الصينية

تعتبر العلاقة البريطانية الصينية تجسيدا عمليا للسياسة الخارجية البريطانية في إشراك الغير لتحقيق أهدافها الاستراتيجية. ويعني هنا إشراك الصين لها في إضعاف السيطرة الأمريكية، بضرب عملتها الدولار أداة هيمنتها الاقتصادية.

في حزيران/يونيو 2013 وقع بنك إنجلترا ونظيره الصيني اتفاقا لتبادل العملة مدته ثلاث سنوات بمقدار 200 مليار يوان صيني سنويا، وهو أول وأضخم اتفاق من نوعه على مستوى العالم بالنسبة للعملة الصينية. (التربيون الفرنسية). وذلك في إطار ما وصفه محافظ بنك إنجلترا حينها ميرفين كينغ بجعل لندن مركزا عالميا للعملات ومنها اليوان الصيني، وأضاف أن آلية التبادل "تسمح لبنك إنجلترا تبادل العملات ومنها اليوان الصيني، ويمكن استخدامها عن طريق الشركات لإبرام اتفاقيات تجارية بالعملة المحلية في الصين بدلا من الدولار الأمريكي". (البورصة نيوز 25 حزيران/يونيو 2013). وكانت وزارة الخزانة البريطانية قد أعلنت عن خطط لجعل لندن التي تعد أكبر مركز للتبادل المالي، مركزا رئيسيا لتبادل اليوان خارج الصين حسب المصدر نفسه.

وفي سنة 2014 كانت بريطانيا أول دولة غربية تصدر سندات سيادية (أي مضمونة السداد من الدولة البريطانية) بالعملة الصينية. ثم خلال زيارته للصين سنة 2014 أكد وزير المالية البريطاني جورج أوزبورن أن بريطانيا تدعم دخول العملة الصينية اليوان إلى نادي العملات العالمية (الدولار واليورو والجنيه الإسترليني والين الياباني). ولقد عمل البريطانيون على ذلك فقد أعدوا الدراسات والخطط لتيسير المعاملات المالية بين أسواق البورصات بلندن وشنغهاي الصينية حتى أصبحت سوق لندن أكبر سوق خارجي للعملة الصينية إذا تم استثناء سنغافورة وهونغ كونغ حسب وكالة الخدمات المالية الدولية (سويفت). كما أن بريطانيا كانت أول دولة غربية تنضم إلى البنك الآسيوي للاستثمار في البنيات التحتية، وهو في حقيقته بنك صيني دولي أنشئ لمواجهة البنك الآسيوي للتنمية الخاضع لأمريكا، حتى إن موقع ديبلو ويب الفرنسي نشر حينها أواخر سنة 2015 أن أمريكا واليابان وكندا يعترضون على إنشاء البنك الآسيوي للاستثمار في البنيات التحتية، ومستاؤون جدا من عزم بريطانيا الانضمام إليه.

وهكذا استمرت بريطانيا في توطيد علاقتها بالصين حتى صرح رئيس وزرائها حينها دافيد كاميرون: "لا يوجد في العالم الغربي بلد منفتح للاستثمار الصيني كبريطانيا". وصرحت بعده رئيسة الوزراء تيريزا ماي في أيار/مايو 2016 أن العلاقات بين بريطانيا والصين دخلت عصرها الذهبي، وذلك ما أكده الرئيس الصيني كز جانبينغ خلال حفل استقباله في قصر بانينغهام بالاس بلندن إذ صرح أن سنة 2016 هي السنة الأولى لهذا العصر الذهبي بين البلدين.

هكذا استمرت بريطانيا في دعم العملة الصينية لضرب الدولار الأمريكي، خاصة إذا علم أن ثاني اقتصاد عالمي هو الاقتصاد الصيني حتى تحقق لها ضم اليوان الصيني إلى الدولار الأمريكي واليورو الأوروبي والجنيه الإسترليني والين الياباني في سلة عملات حقوق السحب الخاصة اعتبارا من 1 تشرين الأول/أكتوبر 2016، مما يعزز عملية تدويل العملة الصينية اليوان، أي اعتباره عملة في التجارة العالمية منافسا للدولار.

هكذا سارت بريطانيا بخُطا حثيثة لتحقيق هدفها في إضعاف الدولار الأمريكي ومن ثم أداة أمريكا للسيطرة الاقتصادية، وتقوية عملتها الجنيه الإسترليني، فإذا علم أن الجنيه الإسترليني هو ثالث عملة باحتياطات العملات الدولية بعد الدولار واليورو، تكون بريطانيا هي المستفيد الأكبر من تبادل بريطاني صيني بعملة البلدين، مما يقوي نفوذ الجنيه الإسترليني في ثاني اقتصاد عالمي ويجعلها المستفيد الأكبر من تكتل دول آسيا حول الصين الذي يقدر حجم سكانه بنحو 3.6 مليار نسمة وذلك ما يعزز اقتصادها ونموها وفرص رعاياها وشركاتها على حساب أمريكا.

4-   الختام

هذا وجه من وجوه الصراع الرأسمالي الاستعماري بين أقبح وجهين للرأسمالية، وكل وجوهها قبيحة، بريطانيا وأمريكا في مص دماء الشعوب ونهب ثرواتها، ومما يدمي القلب أن البلاد الإسلامية هي أكبر ميدان للتطاحن والصراع الاستعماري بأدوات محلية حقيرة رخيصة من العملاء.

حري بأبناء هذه الأمة قطع هذه الأيدي العابثة للرويبضات بالعمل السياسي الراقي على أساس الإسلام العظيم مع الواعين المخلصين من شباب حزب التحرير مرضاةً لرب العالمين لإقامة دولة الإسلام العظيم الخلافة على منهاج النبوة، تحكم بما أنزل الله وتجاهد في سبيل الله، خليفتها جُنة يُتقى به ودرعٌ يحمي الرعية ويحوطها بنصحه، ونور لأهل الأرض ينشر الإسلام العظيم بين ربوعها عدلا ورحمة. وعند ذاك يتم قطع دابر الكافرين ووأد رأسماليتهم واستعمارهم.

﴿وَاللهُ غَالِبٌ عَلَىْ أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

محمد عبد الله

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر