خسارة الأمة كبيرة عظيمة بفقدان خلافتها فهل من عامل مُدكر؟!
February 13, 2021

خسارة الأمة كبيرة عظيمة بفقدان خلافتها فهل من عامل مُدكر؟!

خسارة الأمة كبيرة عظيمة بفقدان خلافتها فهل من عامل مُدكر؟!

ما إن غابت شمس الخلافة عن الوجود حتى غاب الحكم بما أنزل الله وتبدل حال المسلمين من العزة والكرامة والحماية من أعدائهم إلى الذل والهوان واستباحة البلاد والحرمات... يحل علينا شهر رجب هذا العام وقد مر على إسقاط دولة الخلافة وغياب حكم الله في الأرض مائة عام هجري، تآمر على دولة الإسلام كفرة الغرب وخونة الترك والعرب ومن لف لفيفهم من المضبوعين بثقافة الأجنبي والآخذين ماله المسموم، فبمساندة من عملائهم في المنطقة أمثال مصطفى كمال وحسين بن علي، كادوا لها وعملوا على إسقاطها في حال ضعف وغفلة من المسلمين.

ولقد كانت سماء الخلافة صافية وشمسها ترسل أشعتها لتضيء للتائهين طريق النجاة، ومنارة للعالم تنشر النور والعدل بين الناس وتحافظ على حياتهم وتعمل على سعادتهم في الدارين، وما إن أسقطت حتى تلبدت السماء بالغيوم واغابت الشمس وراء الأفق فلا تكاد تسمع بعدها إلا بكاء المظلومين وآهات الحيارى وأنين اليتامى والجرحى والثكالى.

ولإدراك أعداء الإسلام حجم وخطر دولة الخلافة على حضارتهم لم تخرج الجيوش البريطانية المحتلة لمضيق البوسفور وإسطنبول إلا بعد أن اطمأنت من إسقاط دولة الخلافة، وإقامة الجُمهورية العلمانية على أنقاضها، وإخراج الخليفة من البلاد.

لقد كان هدم الخلافة بحق أعظم مصيبة حلت بالمسلمين، فبزوال خلافتهم وذهاب سلطانهم توقف العمل بكتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام. فبعد أن كانوا يعيشون حياة إسلامية ويطبقون شرع الله في كل مناحي حياتهم وكان القرآن دستورهم كما قال عنهم ربنا عز وجل: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّه﴾ [آل عمران: 110]، تم تعطيل العمل بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم من حياة الناس، وأصبح القرآن مهجوراً، واستُبدلت بشرع الله الأحكام الوضعية التي هي من صنع البشر، وانطبق على حكام المسلمين قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: 44]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: 45]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: 47]، وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالاً بَعِيداً﴾ [النساء: 60]، وبعد أن طُبِّق الإسلام ثلاثة عشر قرناً من الزمان، أصبح المسلمون اليوم يُحكَمون بأنظمة الكفر التي جرّت على المسلمين الويلات والمصائب، التي لا زالوا يعانون منها حتى الآن في هذه الدنيا، وأصبحت حالهم اليوم وقد غابت دولتهم حوالي مائة عام حالا ذليلة مزرية، غابت أحكام الإسلام عن واقع الحياة كلية وحلت مكانها أحكام الكفر وسيطرت النزعة الرأسمالية على مجتمعات المسلمين وحلت الروابط القومية والوطنية والمصلحية محل رابطة العقيدة بين أبناء الأمة، وإن الواجب على المسلمين بذل قصارى جهدهم لإعادة حكم الله في الأرض بأقصى سرعة، فالله سبحانه يقول: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: 40].

وبعد أن كان المسلمون يعيشون في بلد واحد يحكمه خليفة واحد، يتكلمون لغة واحدة، ولهم راية واحدة، وجيش واحد، وهوية واحدة، يتنقلون حيث شاءوا، لا تفصل بينهم حدود ولا سدود ولا عوائق أو جوازات سفر، ولا يربطهم إلا قول الله سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10]، بعد كل ذلك مُزِّقت دولة الإسلام إلى أكثر من خمسين كياناً هزيلاً، نصب الكفار على كل كيان منها ناطوراً بل عبداً ذليلاً لهم، يحمي مصالحهم وأفكارهم وينفذ مخططاتهم الخبيثة على أبناء الأمة، وأصبحت الرابطة التي تربط المسلمين هي الرابطة الوطنية أو القومية أو المصلحية، مما زاد الفرقة والأنانية والتمزق بين أبناء الأمة الواحدة حتى نسيت قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103].

خسر المسلمون بعدم وجود الخلافة مكانتهم وهيبتهم بين الدول، والتاريخ يشهد أن دولة الإسلام كانت أقوى الدول في شتى المجالات، وكان لها التأثير الواضح في سياسات الدول الأخرى، فبعد أن كانت الدولة الإسلامية مهابة الجانب ذات جيش لا يقهر تتسابق الدول الكافرة لنيل رضاها وإبرام معاهدات الصلح معها، وبعد أن كان المسلمون يحققون الانتصار تلو الآخر، وكانت لهم عزة ما بعدها عزة، أصبحوا الآن وبعد تلاشي دولتهم أذل شعوب العالم وأقلها شأنا بل لم تعد لهم مكانة أصلا ناهيك عن الهيبة، فهذه بلاد المسلمين محتلة وتتوالى المصائب عليهم وكياناتُهم الهزيلة وعلى رأسها الحكام العملاء لا تحرك ساكنا، حتى صار المسلمون يتوقون لطعم الانتصار بعد الهزائم المخزية والنكسات المتكررة، وأضحت كل شعوب العالم لا تحسب للمسلمين حسابا بل وتتسابق في العدوان على أمة الإسلام الجريحة كما قال الرسول ﷺ: «يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا فَقَالَ قَائِلٌ وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ قَالَ بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمْ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ الْوَهْنَ فَقَالَ قَائِلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهْنُ قَالَ حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ»، وستبقى الحال كذلك إلا أن تهب أمة الإسلام ساعية في طريق عزتها بإقامة دولة الخلافة، خلافة ترعى شؤونهم وتعيد لهم مكانتهم، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7].

كانت دولة الإسلام هي الأولى في العالم في كل شيء؛ سياسياً وعسكرياً وعلمياً وحضارياً، وكانت شمس الحضارة وزهرة الدنيا تحمل النور للعالم وتبدد ظلمات الجهل وتعمل على تحرير الإنسان من ظلم الطواغيت كما وصفها رب العزة: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 110]، وبعدما كانت قوية يخاطب رؤساؤها ملوك الأرض بكل عزة: "من رسول الله محمد بن عبد الله إلى كسرى الفرس، أسلم تسلم"، "من هارون الرشيد أمير المؤمنين إلى نكفور كلب الروم"، "من المعتصم أمير المؤمنين إلى ملك الروم أطلق سراح المرأة المسلمة وإلا جئتك بجيش أوله عندك وآخره عندي"، وغيرها من مواقف الرجال الذين كانوا يقولون وينفذون، فكان للمؤمنين عزة ما بعدها عزة، ولم يكن أي شخص في الدنيا يجرؤ على المساس بأي مسلم أو حتى ذمي من أفراد الرعية، بعد كل هذا أصبحت الأمة اليوم في ذيل الأمم يتحكم في شؤونها عباد الصليب، ينهبون خيراتها ويذبحون أبناءها ويغتصبون نساءها على مرأى ومسمع من العالم ولا أحد يحرك ساكناً، والأدهى من ذلك وأمرّ أن الأمة تستجدي أمريكا وأوروبا لحل مشاكلها بدل أن تنفض عنها الذل والهوان وتسقط أذناب الاستعمار وتعيد لنفسها الهيبة والسؤدد من جديد.

فقد المسلمون السيطرة على ثرواتهم وخيراتهم بزوال الخلافة التي كانت تحكم بما أنزل الله، وتطبق النظام الاقتصادي الإسلامي وفق الأحكام الشرعية فامتلأت خزائن المسلمين بالأموال وحسن التسيير ولم تجد الزكاة مستحقيها في بعض الأحيان، وعم الخير والرخاء وبارك الله للمسلمين في ثرواتهم وخيراتهم لما طبقوا شرعه فاستغنوا وقوي اقتصادهم، وبعد أن كان خليفة المسلمين أحرص الناس على بيت مالهم يحاسب الولاة والمسؤولين، صارت حالنا اليوم بغياب الخلافة حالا يرثى لها، وأضحت أموالنا وثرواتنا تنهب وتسرق سواء من الأجانب الكفار الذين يتكالبون على ثروات المسلمين من نفط وغيره من الخامات الحيوية أو من أبناء جلدتنا الذين لا يقفون عند مسؤولياتهم وينهبون مال الأمة بدون رادع أو زاجر، وأصبحت "دول" المسلمين وشعوبهم مثالاً على الفقر المدقع والاقتصادات الهشة التابعة لدول الكفر الرأسمالية مصداقا لقوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [البقرة: 276]. فهل كان فقد المسلمين لثرواتهم وانتزاع البركة من حياتهم حتى صار الكثيرون منهم يتضورون جوعاً، إلا لغياب الإمام الجُنّة الذي يجمع شتات الأمة تحت راية الإسلام؟!!

ولقد أدرك العلماء عبر تاريخ الأمة الممتد من العهد النبوي فالراشدي إلى العهد العثماني أنهم هم من يبصّر الأمة الحق ويبعدها عن الزيغ والزلل، فهم من قرأوا وامتثلوا قول الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام «الْعُلَمَاءُ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ» وهم من قرأوا قول الحق سبحانه ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ﴾، وهم من سطّروا لنا مواقف المحاسبة وقول الحق والصدع به مهما كانت الصعاب، فمنهم الإمام أحمد بن حنبل الذي ضرب أروع الأمثلة في محاسبة الحكام حتى قال مقولته المشهورة التي تكتب بمداد من ذهب "إذا أجاب العالم تقية والجاهل يجهل فمتى يتبين الحق؟!"، ومنهم العز بن عبد السلام بائع الملوك، ومنهم سعيد بن جبير، ومنهم أبو حازم التابعي الجليل، ومنهم ومنهم...

وإدراكاً لهذا الدور المحوري لعلماء الأمة عمد الكافر المستعمر في زماننا إلى شن حملة مقصودة بغرض حرف العلماء عن جادة الحق والصواب، واستخدم لذلك الترهيب والترغيب والتضليل، فالكافر المستعمر أدرك حقيقة أن "صنفان من الناس إذا صلحا صلح الناس وإذا فسدا فسد الناس، العلماء والأمراء"، وأدرك كذلك أن إحكام قبضته على الحكم في بلاد المسلمين عبر نواطيره لا يمكن له أن يصمد طويلاً في وجه الأعاصير والمتغيرات التي تعصف بهم، جراء فقدانهم لسند الأمة الطبيعي واعتمادهم على سند خارجي، إلا إذا سخر لهؤلاء النواطير جيشاً من العلماء والإعلاميين والكتّاب والصحفيين لكي يسبحوا بحمد السلطان صباح مساء فيضفوا بذلك مسحة الشرعية على هذه الأنظمة الغريبة عن جسم الأمة، ليتقبلها ذلك الجسد بلا مقاومة ظناً منه أنها جزء أصيل منه وما هي سوى مرض عضال يسري في عروقه، ففقدت الأمة بذلك العلماء الربانيين الذين يقولون كلمة الحق ولا يخشون إلا الله وحده.

ورغم هذا وذاك فإن في الأمة علماء أتقياء أنقياء، علماء عاملين مخلصين، أخذوا على عاتقهم إنقاذ أمتهم مما تعانيه والسير بها نحو العلا قدماً، عبر العمل الجاد لإقامة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة وإن كانوا على خطر عظيم، لذا كان على الأمة أن تميز بين علمائها وبين أدعياء العلم فيها، وأن تميز بين من يسعى لنهضتها وسؤددها ومن يسعى لتكريس واقع الذلة والمهانة فيها، وإنا على موعد قريب - بإذن الله - مع عودة دولة الخلافة الراشدة الثانية فيعود الحكم بما أنزل الله وتعود العزة والكرامة والوقاية من العدو ويعود العلماء الربانيون الذين يقولون كلمة الحق لا يخشون إلا الله وما ذلك على الله بعزيز.

#أقيموا_الخلافة

#ReturnTheKhilafah

#YenidenHilafet

#خلافت_کو_قائم_کرو

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المهندس علي القاضي – ولاية اليمن

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر