خطر مشروع "المدينة الآمنة"
October 14, 2019

خطر مشروع "المدينة الآمنة"

خطر مشروع "المدينة الآمنة"

عقدت مناقصة للمرحلة الثانية من مشروع "المدينة الآمنة" في قرغيزستان، وقد فازت شركة صينية بالمناقصة.

من المعروف أن القوى الاستعمارية مثل روسيا وأمريكا والصين تتصارع على النفوذ في آسيا الوسطى، وشرعت أيضاً في "حرب إعلامية" في إطار هذا النزاع. إن انتصار الشركة الصينية في هذه المناقصة يعني أن الصين دخلت قرغيزستان بـ"الحرب الإعلامية".

فلنبدأ من البداية.

في السنوات الأخيرة تطورت وسائل الحصول على المعلومات وجمعها وتحويلها ونشرها نتيجةً للاكتشافات العلمية والاختراعات الصناعية. ولهذا السبب صدرت عبارة "تحولَ العالم إلى قرية". وعلى سبيل المثال، أصبح تخزين البيانات اليوم بشكل إلكتروني أكثر شيوعاً من تخزينها على الورق. وكذلك ظهر جيل جديد من أدوات التبادل. أصبحت هذه النظرة واحدة من الاتجاهات العالمية الكبرى. ومن هنا تأتي عبارة "لقد تحول العالم من قرية إلى مدينة".

والآن نبحث دور صناعة المعلومات في السياسة العالمية والدولية.

من حيث السياسة العالمية، يهيمن اليوم على العالم النظامُ الرأسمالي الذي يغطيه قناع الديمقراطية. منذ أن بدأ الرأسماليون في حكم العالم من خلال الاستعمار أخذ يستخدم الاكتشافات العلمية والاختراعات الصناعية بشكل أساسي في الحفاظ على النظام الرأسمالي وتعزيزه. وإن قول ناثان روتشيلد اليهودي الرأسمالي المصرفي في القرن التاسع عشر "من يمتلك المعلومات فهو يسيطر على العالم" لقد أصبح شعاراً استعمارياً. هؤلاء المستعمرون يبذلون قصارى جهدهم للسيطرة على العالم من خلال الاستحواذ على جميع المعلومات في العالم.

ومن حيث السياسة الدولية تدخل الدول المستعمِرة في حرب إعلامية من أجل الاستيلاء على مستعمَرات لدولة أخرى. أي أنها تقوم بالدعاية وتسرق المعلومات وتستخدم المعلومات لمصلحتها الخاصة وتتخذ تدابير "لأمن المعلومات". وكانت تقنيات المعلومات المتقدمة الحديثة تُنتَج في معاهد البحوث التابعة لوزارات الدفاع في هذه البلدان المستعمرة في سياق حرب المعلومات. وهم في البداية استخدموها أولاً في أنظمتهم الحكومية ثم وسعوها ليشملوا شبكات أخرى. ثم تم تطوير الجيل التالي من التقنيات أيضاً، وسيّروا أخْذَ معلوماتٍ من بلدان أخرى بتقنيات الجيل الأقدم وبعد ذلك تم نقلها إلى دول أخرى ليحصلوا على المعلومات منها. ومع ذلك فإن تكنولوجيات الجيل الأقدم لا تشكل تهديداً لأمنهم لأنهم يستخدمون الجيل التالي من التقنيات في ذلك الوقت.

إن المستعمرين يستمرون في تطبيق النظام الرأسمالي على العالم منذ الحرب العالمية الثانية من خلال الأمم المتحدة. ولهذا السبب تتخذ الأمم المتحدة خطواتٍ لإدارة ساحة المعلومات العالمية باستخدام أحدث التقنيات، وكذلك تتخذ التدابير من أجل السيطرة على الدول والناس. تجدر الإشارة إلى أن المستعمرين تبنوا في عام 2000 "إعلان الألفية للأمم المتحدة" لحكم العالم في الألفية الثالثة من خلال الأمم المتحدة. في إطار هذا الإعلان أُخِذَ قرار "8 أهداف للتنمية" واندمج استخدامُ تكنولوجيات المعلومات والاتصالات الجديدة في البند السادس في "8 أهداف للتنمية". بناء على هذا اجتمعت الأمم المتحدة في جنيف عام 2003. وفقاً لإعلان القمة سيتمكن 50٪ من سكان العالم من الوصول إلى الإنترنت حتى عام 2015. وفي عام 2011 أقرّت الأمم المتحدة أن الوصول إلى الإنترنت حق غير قابل للتصرف للجميع. ونتيجة لذلك عندما تنفصل أيّ دولة عن الإنترنت العالمي فإنها تُتهم بانتهاك حقوق الإنسان. (هذه مجرد أمثلة على الأساسيات. وتم تخطيط برامج مختلفة لاستخدام التكنولوجيات الجديدة من خلال منظمات مختلفة تحت رعاية المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة. ومن أراد أن يحصل على معلومات واسعة يمكنه الرجوع إلى هذه البرامج).

أما فيما يتعلق بتنفيذ هذا الاتجاه العالمي في قرغيزستان فيمكن رؤيته في أربع نقاط؛

1. الرقمنة

2. البيومترية

3. مشروع الشمال (الأتمتة الحكومية)

4. المدينة الآمنة.

يمكن التحدث عن كل هذه الأشياء بإسهاب ولكن موضوعنا الحالي هو "المدينة الآمنة" لذلك سنستمر بالحديث عنها.

إن مشاريع "المدينة الذكية" و"المدينة الفكرية" و"المدينة الآمنة" وكذلك العديد من المشروعات الأخرى في أنحاء العالم تعد جزءاً من برنامج الأمم المتحدة حول المستوطنات (موئل الأمم المتحدة).

تم إطلاق مشروع "المدينة الآمنة" في قرغيزستان في عام 2010 بحجة إصلاح الشرطة. وقامت منظمة الأمن والتعاون في أوروبا بتمويل مشروع المساعدة الفنية لتطوير مفهوم إصلاح الشرطة في قرغيزستان.

وفي كانون الثاني/يناير 2011 دخل حيّز التنفيذ برنامجُ "المدينة الآمنة" التي وضعتها وزارة الداخلية في بيشكيك كما تضمن البرنامجُ كاميرات المراقبة التي تم تركيبها في الشوارع.

عندما كان عمر بيك بابانوف رئيساً للوزراء وكان زاريل بيك ريزالييف وزيراً للداخلية في عام 2012 تم الإعلان عن مناقصة "المدينة الآمنة". وفي نهاية المناقصة فازت الشركة الصينية "Beijing Construction Engineering Group International" التي لم تشارك في المناقصة. وقد صارت هذه الشركة تركب معدات الفيديو والصور في طريق بيشكيك وأوش وبيشكيك – كاراكول، وستقوم بإنشاء مركز إلكتروني لتسجيل انتهاكات القانون. وكانت هذه هي الخطوة الأولى للصين لدخول قرغيزستان في هذا المجال.

ومع ذلك في عام 2013 أثار فصيل أتا مكان (Ata-Meken) هذه القضية فألغيت الصفقة. على الرغم من أن الشؤون الداخلية قد ذُكرت فيها كذريعة فقد كان ذلك في سياق حرب المعلومات الأمريكية ضد الصين. (فصيل أتا مكان معروف بالأمريكية) كذلك إنهاء الصفقة مع الشركة الصينية كان من مصلحة روسيا أيضا.

تم الإعلان عن المناقصة التالية لمشروع "المدينة الآمنة" في آب/أغسطس 2014.

في كانون الثاني/يناير 2015 اختارت لجنة المناقصات شركة روسية "Stilfost-Bishkek". ولكن في عام 2016 لم يوقّع وزير الداخلية آنذاك ميليس تورغانباييف عقداً مع هذه الشركة. وقال إن الصين وكوريا الجنوبية هما الرائدان في مشروع "المدينة الآمنة". وبذلك تم إلغاء دخول روسيا في هذا المجال. وفي الوقت نفسه ألقت إيرينا كاراموشكينا المؤيدة لروسيا باللوم عليه وعرضت إزالة المشروع من وزارة الداخلية. نتيجة لذلك فُصِلَ تورغانبايف من خدمته وتم نقل المشروع من وزارة الداخلية إلى الحكومة.

وبدوره كان ميليس تورغانباييف يقول إن تركيب كاميرات المراقبة في الشوارع لتسجيل المخالفات المرورية كان ناجحاً, مضيفاً أن البلاد (قرغيزستان) لديها فرصة لتنفيذ هذا المشروع.

وفي نيسان/أبريل 2017 أعلن رئيس الإدارة الرئاسية آنذاك سابار إساكاو عن مشروع الوطنية باسم "الجمعية النظيفة" برسم التطوير الدولة من خلال التكنولوجيا العالية. في كانون الثاني/يناير 2018 تم إطلاق مشروع "المدينة الذكية" بدلاً من "المدينة الآمنة". في ذلك الوقت كان سابار إساكوف رئيساً للوزراء.

وفي 11 كانون الثاني/يناير وقعت حكومة قرغيزستان اتفاقية مع شركة "Huawei Technologies" الصينية حول تنفيذ مشروع "المدينة الذكية". ولكن في أوائل آذار/مارس اضطرت حكومة قرغيزستان إلى إنهاء العقد مع الشركة الصينية. وهكذا تم إلغاء المحاولة الثانية من قبل الصين لدخول هذه المنطقة. (نود أن نذكر أن الولايات المتحدة فرضت الآن عقوبات على شركة "Huawei" خوفاً من كسر نظامها الأمني).

ثم أعلنت حكومة قرغيزستان أنها ستنفذ مشروع "المدينة الذكية" مرة أخرى من خلال قوتها الخاصة. ولكن ذلك بقي في الفم كما كان من قبل.

وبعد رحيل سابار إساكوف عن رئاسة الوزراء تم عقد مناقصة المرحلة الأولى من مشروع "المدينة الآمنة" مرة أخرى وفازت شركة "Vega" الروسية في 4 أيلول/سبتمبر. وشاركت في المنافسة شركتان أخريان بالاسم فقط، هما: شركة "ألفا تيليكوم" القرغيزية وشركة "أمن المعلومات" الروسية. لأنه بموجب القانون يشترط رفع العريضة إلى المناقصة من ثلاث شركات على الأقل.

إن شركة "Vega" التي فازت في المناقصة تعد جزءاً من كوربوريشن التي خضعت للعقوبات الأمريكية في إطار الحرب الإعلامية. وكانت الشركة معهداً للأبحاث العسكرية خلال حقبة الاتحاد السوفياتي وأعيد تنظيمها في عام 2004. وفي السنوات الأخيرة تعاونت "Vega" مع وزارة الدفاع والأمن الفيدرالية، ووزارة الشؤون الداخلية الروسية بشكل أكبر.

تم تركيب أكثر من 800 كاميرا مراقبة في قرغيزستان ضمن المرحلة الأولى من مشروع "المدينة الآمنة".

وفي عام 2019 فازت الشركة الصينية "Shenzhen Sunwin" في المناقصة للمرحلة الثانية من مشروع "المدينة الآمنة" ولو كانت تعرض تقريبا نصفَ ما قدمته الشركات الروسية التي تتنافس معها. (نود أن نذكركم بأنه قد اتضح أن رئيس الوزراء محمد مكايلي أبيلغازييف وقّع في 4 آذار/مارس 2019 على أمر حول المشروع الذي توصلت إليه وزارة الشؤون الداخلية في قرغيزستان والشركة الصنية "CEIEC". ووفقا له فإن الشركة الصينية ستقدم جهازا يتعرف على الناس من وجوههم وسيتم تنفيذ المشروع على عدة مراحل وسيشمل 2018-2022).

إذا بدأت الشركة الصينية التي فازت بالمناقصة عملها فهذا يعني أن الصين قد تجاوزت حواجز الولايات المتحدة وروسيا ودخلت قرغيزستان.

وبالتالي فإن شركة روسية تعمل في قرغيزستان بذريعة "المدينة الآمنة" وشركة صينية أخرى على وشك بدء أعمالها. وأمريكا تحاول الدخول من خلال الشركات الكندية والتركية والإماراتية ولكنهم فشلوا في الفوز بالمناقصة. إضافة إلى أنه لم يتم تنفيذ مشروع "CASA" الرقمي الذي تنفذه الولايات المتحدة من خلال البنك الدولي.

كما اتضح فإن مشروع "المدينة الآمنة" في قرغيزستان ليس لأجل السلامة على الطرق أو السلامة المدنية. إذا كان الهدف فعلاً هو الحفاظ على سلامتنا فقد كان من الممكن أن تقوم بها الدولة نفسها كما اعترف المسؤولون بالفعل. وتم تنفيذ هذه المشاريع الأمنية بنجاح في العديد من المدن وحتى في الأحياء الصغيرة من قِبَلِ الدولة. ولكن مسؤولينا حوّلوا البلاد إلى ساحة معركة للقوى الكبرى للحصول على مبلغ صغير من المال.

إن نجاح الشركات الصينية في هذه المشاريع يزيد من خطر "المدينة الآمنة". لأن المعلومات التي استخرجها الصينيون ستساعدهم على الاستيلاء علينا. (إن كلمات المسؤولين "الأمن مضمون"، عديمة الأهمية. لأن موظفينا ليسوا قادرين على إصلاح كاميرات المراقبة المعطلة، ناهيك عن المحافظة على الأمن). وإذا احتلت الصين قرغيزستان غدا فإن هذه البيانات ستكون بمثابة دليل على أننا سنوضع في المخيمات. هم يرون مقاطع الفيديو ويقولون "أنت كنت ذا لحية، وستذهب إلى صلاة الجمعة"، و"أنت كنت تدرس الدين"، ويستخدمون الفيديو كذريعة لإلصاق التطرف بنا عمدا وقصدا. عندما يتم الاعتقال يفعلون ما يريدون. وهكذا يتخلصون منا ويملكون أرضنا. إنهم بحاجة إلى الأرض لا إلى الشعب. خُيِّلَ للكثيرين أن القمع الذي يتعرض له إخواننا المسلمون في تركستان الشرقية مجرد حكاية، ولذلك لا يعتبرون هذا قمعاً. وفي الحقيقة إن الاحتلال الصيني يتجه نحونا بسرعة. وإن نجاح الشركة الصينية في مشروع "المدينة الآمنة" يعد واحدة من خطواتهم.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد الحكيم كاراهاني

رئيس المكتب الإعلامي لحزب التحرير في قرغيزستان

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر