كلمة الأستاذ يوسف أبو زر في المؤتمر العالمي "عام مضى أيتها الجيوش"
October 19, 2024

كلمة الأستاذ يوسف أبو زر في المؤتمر العالمي "عام مضى أيتها الجيوش"

كلمة الأستاذ يوسف أبو زر في المؤتمر العالمي "عام مضى أيتها الجيوش"

الذي عقدته قناة الواقية يوم الخميس 07 ربيع الآخر 1446هـ الموافق 10 تشرين الأول/أكتوبر 2024م

فلسطين: استنصار الجيوش بين المشروعية والواقعية والحتمية

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله،

الإخوة الكرام، من الأرض المباركة، أرض الصبر والصمود، الأرض التواقة للتحرير، نبعث لكم التحية في هذا اللقاء المبارك، سائلين الله عز وجل أن يمن على أمتنا بالفرج، وبالقوة بعد الضعف، وبالأمن بعد الخوف، وبالخلافة على منهاج النبوة، إنه سميع مجيب، وبعد:

لقد كان السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023م حدثاً كبيراً، أحدث في كيان يهود كسرا لا يجبر، وكشف عورته وضعفه كشفا لا يستر، وكل ذلك على أيدي طليعة من شباب الأرض المباركة، أعادت للأمة الذاكرة بالنماذج المشرقة، وأن البطولة في هذه الأمة ممتدة حتى الساعة، بل إلى قيام الساعة، وقد كان ينبغي أن تُدرَك هذه الطليعة، لا أن تُترك، أن تدرك بقوى وجيوش، ولكن هذه الطليعة ترُكت، كما تركت تلك الفرصة التاريخية في اجتثاث ذلك الكيان.

ولأن أهل فلسطين تركوا وخُذلوا، فإن هذا العدو وفي سبيل استعادته لهيبته، قد تعمد أن يلحق بالأرض المباركة وأهلها أشد الأذى، من خلال عشرات الألوف من الشهداء، وتسوية غزة بالأرض، والسعي للتنكيل بالضفة الغربية وأهلها، والاستباحة اليومية، والخطط الخبيثة للمسجد الأقصى، ثم تطاول وتطاول، حتى طال شره وشرره الإقليم بأكمله.

والحقيقة أن أهل فلسطين، ومن حول فلسطين، لم يكونوا ضحايا هذا الكيان فقط، بل إنهم كانوا في الأساس ضحايا الخلل الكبير الذي أوجده الغرب الاستعماري في مفهوم الأمة، حيث تعطلت فاعلية هذا المفهوم تجاه قضايا الأمة بفعل الوطنية المقيتة، وكذلك كانوا ضحايا ذلك التشوه الشديد الذي أحدثه الحكام بحكم عمالتهم للغرب، على دور الجيوش والقوات المسلحة ومراكز القوة في الأمة، وهو ما نحن بصدده في هذه الكلمة.

لقد بلغ هذا التشوه في دور الجيوش وفي وظيفتها حدا جعل الأمة تضعها في خانة الأنظمة العميلة، وصارت نظرتها للجيوش بعين الغضب والأسى، بل وبلغت الأمة حد اليأس والمقت لتلك الجيوش بسبب صمتها القاتل والمخزي، بينما الدماء تسيل بغزارة في أرض الإسراء، وبينما جيش يهود من يهود يملأ الدنيا ضجيجا وغطرسة وجرائم.

وقد أسميته تشوهاً، لأن المعروف في الدول كلها أن دور الجيوش فيها هو الدفاع والحماية، ولكنه قد صار عرفا في الأذهان، أن هذه الجيوش في الدول العربية ليست للحرب، ولا تخوض الحرب ولا يتوقع منها أن تخوض الحرب، وخصوصا ضد كيان يهود، وليس في تاريخها الحديث ما يوحي بخلاف ذلك، مع أن الجيوش في كل الدنيا هي جهة الاختصاص إذا ما تعلق الأمر بالقتال وحفظ البلاد والعباد.

فليست الأحزاب الروسية مثلا هي التي تخوض الحرب مع أوكرانيا، ولا الحزب الجمهوري أو الديمقراطي هو الذي يخوض حروب أمريكا، بل ولا أحزاب الكيان على كثرتها مثلا هي التي تواجه في ساعة المعارك في هذه الساعات، أما الواقع لدينا فهو مقلوب، إذ نامت الجيوش في ثكناتها، لتخوض الفصائل، ويخوض الأفراد العزل الذين لا يملكون إلا دماءهم وبعض السلاح البدائي، في معركة صارخة التفاوت في القوى مع جيش تقف خلفه جيوش.

هذه النظرة للجيوش، على واقعيتها، وهذا الدور لها هو بالضبط ما يريده الاستعمار، وما أرادته الأنظمة الحاكمة، وخصوصا حالة اليأس من تلك الجيوش، وكل ذلك حتى تخرج الجيوش خروجا أبديا من أي تفكير يتعلق بالتغيير أو بالتحرير.

تجاه هذا الفخ الكبير كان ينبغي التوقف الواعي، فالجيوش ليست جزءاً من الأنظمة، ولا ملكا لها، حتى وإن تم اختطافها وتسخيرها وتوظيفها، لأن الجيوش من حيث طبيعتها إنما هي جزء من الأمة، وهكذا يجب أن تكون، ووظيفيا هي جزء من تركيب الدولة والسلطان، والجيوش تبقى بينما الأنظمة تزول.

بل نستطيع القول بأنه لا يقل عن جريمة اختطاف الجيوش من الحكام، هي جريمة ترك هذه الجيوش مختطفة من الحكام، وذلك عندما تتركها الأمة وتتركها قوى التغيير والتحرير ليمارس بها الطغاة كل الأدوار ضد الأمة من خذلان وتآمر وتسلط.

فتاريخ الجيوش يقول إنها قابلة للتغيير، فتحول الملكيات إلى جمهوريات، وتحول السلطة من حزب إلى حزب، ومن تبعية إلى تبعية لم تكن مفاتيحه سوى الجيوش، بل حتى الجيوش الأفريقية التي عاشت في حضن الاستعمار الفرنسي هي التي طردت النفوذ الفرنسي مؤخرا، فلماذا في بلاد المسلمين بالذات تقصى الجيوش من صورة التغيير ويحرم بها أو الاقتراب منها؟

إن خلاصة هذا الباب، لكل عامل جدي للتغيير وللتحرير، أن الجيوش حتمية لا بد منها، وخاصة فيما يتعلق بفلسطين وتحريرها.

الخيارات البديلة مثلا في غياب الجيوش كانت حلولا سياسية ومعاهدات، ولكنها أفضت إلى تثبيت الكيان وتمكينه، بل هي التي قد منحته فرصة لما نراه من التغول.

في غياب الجيوش اضطر الناس إلى ما يجري الآن تحديدا من أن يأخذ الأفراد والفصائل على عاتقهم مواجهة العدو، هذه الجهود المباركة والبطولات غاية المأمول منها هو أن تحرك الأمة وقواها، وأن تكون الشرارة، ولكن الشرارة لا تكفي، فإن لم يحصل التحرك الكبير، فإننا سنكون أمام إبادة ينفرد بها العدو بالعزل وهذا هو ما يجري الآن حرفيا.

حتى الحراك الشعبي من الأمة إن حصل فإنه سرعان ما سيخبو، طالما أنه لم يستهدف تفعيل القوة الحقيقية بالجيوش، خاصة وأن الجيوش الآن تحتكر القوة كلها، والحكام يحتكرون الجيوش.

ولذلك فإن حزب التحرير عندما تناول قضية فلسطين في طرحه وفي ثقافته، وبناء عليه في عمله، لم يختلف ولم يخالف في أن قضية فلسطين قضية عسكرية جهادية بحتة، ولكن الحشد لها والإعداد، يجب أن يكون حشداً وإعداداً يرقى لمستوى المعركة وما تستلزمه من قوة وقوى فعلية حقيقة ينتج عنها تحرير.

وهو بالتحديد حشد يقوم على انخراط الأمة من خلال انخراط قواتها المسلحة في تلك المعركة، وأن تكون الجيوش بؤرة العمل للتحرير بعد أن تكون بؤرة التغيير، وما عدا ذلك فسنبقى نراوح المكان بين الجولة والأخرى وندفع الأثمان الباهظة في محاولات التحرير.

وبالتالي فإنه بخلاف وبعكس ما قد يتوصل إليه البعض أو يظنه البعض من أن عملية طوفان الأقصى ألغت فكرة الاستنصار بالجيوش، فإنها وحتى بعد مرور عام أكدت المؤكد مما كنا نقول من عدة جهات:

منها أن هذا الكيان هش وبعض ما تملكه الأمة من قوى يكفي لاجتثاثه، ومنها أن الجيوش طالما بقيت في يد الأنظمة، وطالما بقيت تلك الأنظمة، فإن الأمة ستبقى مقيدة، مكبلة وعاجزة، ولذلك لا بد من افتكاكها من أحضان تلك الأنظمة، بل إنه حتى الموقف الغاضب الآن من الجيوش ما هو إلا تأكيد ولو بموقف السلب على دور الجيوش، ولولا أنها ترى فيهم أنهم هم جهة الاختصاص وأهل الفعل لما كان لها هذا الموقف من الغضب ومن العتب.

وبالمقابل، هناك نقطة ينبغي الانتباه لها وهي أن من لم يستطع أخذ الجيوش فإنه لن يستطيع تجاوزها، وهي إن لم تكن مع الأمة في حراكها فستكون ضدها طالما يتحكم بها ويسيطر عليها العملاء، فالأمر ليس فيه حياد، والجيوش إن لم تأخذ دورها في التحرير فسيكون دورها في تعطيل التحرير.

والآن، وإننا وإن كنا لا نزكي الجيوش بموقفها الحالي، ولا نبرؤهم من الإثم العظيم، ولكننا لا ننزع الخيرية منهم، فالأصل أنهم مسلمون، ومنهم من كان في التاريخ الحديث نموذجا، كمحمد صلاح مثلا وماهر الجازي ومن قبله مشهور الجازي، إن الأمة تحفظ أسماء أبنائها من العساكر الذين قاموا بما يجب عليهم، ولو حصل وأن تحرك جيش فإنها سترفعه فوق الرؤوس.

إننا نراهن، وكلنا ثقة بأن عقيدة الإسلام الموجودة في نفوس الجند هي المعول عليه، وعليها الرهان ليوم نسأل الله عز وجل أن يكون قريبا، بل إن الله عز وجل حين خاطب المؤمنين في النفير والنصرة، خاطبهم بتوكيد إيمانهم حتى قبل أن يعاتبهم، أو يحذرهم حين قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ * إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ﴾.

وبناء على ما سبق كله، فإن مسألة حشد الجيوش وتحريرها عمل يجب أن يأخذ من الأمة ما يستحقه من جهد، فالجيوش هي بؤرة التغيير، وبؤرة التحرير، وصعوبة الأمر لا تنفي الحقيقة، ومن هنا فإن إيجاد الرأي العام، والضغط، واستمرار الضغط على الجيوش لأخذ دورها وإحياء روح الجهاد فيها، هو عمل ينبغي أن تقوم به فعاليات الأمة وعامتها، تماما كما أن تنظيم الجيوش والعمل المباشر فيها لقطف الثمار هو عمل الخاصة.

وأختم، بأن الأبجديات التي يفرضها الإسلام، ويفرضها مفهوم الأمة، وتقررها العقيدة، هو أن فلسطين جزء من أرض الإسلام، وأهلها جزء من أمة الإسلام، وأن قضية تحريرها بالجهاد هي قضية الأمة برمتها وعلى رأسها عسكرها وضباطها وجيوشها، وخطاب الاستنصار فرض واجب، وتلبيته من القادرين عليه كذلك فرض وواجب.

يقول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾

وآخر دعوانا أن الحمد لله، والسلام وعليكم ورحمة الله

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر