كلمة الدكتور عثمان بخاش مدير المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير  لمؤتمر الخلافة المنعقد في ماليزيا
December 10, 2017

كلمة الدكتور عثمان بخاش مدير المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير لمؤتمر الخلافة المنعقد في ماليزيا

كلمة الدكتور عثمان بخاش مدير المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

لمؤتمر الخلافة المنعقد في ماليزيا

21 ربيع الأول 1439ه – 09 كانون الأول/ديسمبر 2017م

"الأمة مستعدة للخلافة"

P1150237

إنه لمن الواضح جدا لأي مراقب محايد أن الصراع الأيديولوجي الوحيد الذي يجري على الساحة العالمية هو الصراع بين الإسلام وبين الرأسمالية العلمانية. أما الصراع الذي كان بين الرأسمالية والشيوعية الماركسية إبّان الاتحاد السوفييتي الغابر، فلم يكن سوى مشهد عابر، حيث إن الشيوعية ما هي إلا مجرد ردة فعل بائسة على الرأسمالية، وهي تتساوى مع الرأسمالية في كونها دليلاً على قصور العقل البشري في محاولته القيام بدور الخالق سبحانه وتعالى في إدارة العلاقات البشرية؛ حيث إن المآسي التي حصلت في القرن العشرين والمصائب والكوارث التي نتجت عن حكم الحضارة المادية هي خير شاهد على إفلاس العقل العلماني بشقيه الرأسمالي والشيوعي.

من الواضح أن هذا الصراع بين الحضارات غير عادل: فمن جهة فإن القوى الغربية تتمتع بقوى مادية متفوقة تتجسد في قوتها العسكرية، واقتصادها، ونظامها الرأسمالي المادي الذي يُطبق كل يوم في الحياة اليومية وعلى كافة المستويات، يرافقه شبكات وسائل الإعلام المسيطرة، والتي توثر على كل مناحي الحياة العامة والخاصة للفرد والمجتمع، محليا وعالميا. ومن جهة أخرى، فإن الحضارة الإسلامية مغيّبة بالكامل عن الحياة، حيث إن حكّام البلاد الإسلامية ابتعدوا عن تطبيق الشريعة كطريقة للحياة، وبالمقابل استسلموا للرأسمالية التي فرضها الغرب.

 وبالتالي، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو كيف نفسر سيل الخطابات التي لا تنتهي من قادة العالم المهمين أمثال جورج دبليو بوش وتوني بلير ونيكولا ساركوزي وفلاديمير بوتين وديمتري ميدفيديف وتشارلز كلارك، حيث إنهم جميعاً ،وبتعبيرات مختلفة، أقسموا على منع إقامة دولة إسلامية وبالتالي وأد أي محاولة لتطبيق الشريعة؟؟ أنا سأقتبس فقط ما أعلنه جورج دبليو بوش وبشكل علني في 16 أيلول/سبتمبر 2001 (5 أيام بعد حادثة 9/11 والتي كانت على الأغلب مخططاً لها من جهاز المخابرات الأمريكي) "إن هذه الحملة الصليبية، هذه الحرب على الإرهاب، ستستمر لفترة طويلة". ولقد حذّر من أن "هدف الإسلاميين المتطرفين هو تدمير الحكومات المعتدلة وإقامة إمبراطورية إسلامية متطرفة تمتد من إسبانيا إلى إندونيسيا".

فلو كانت إمكانية تطبيق الشريعة حلماً بعيد المنال، لما تكلّف أيّ منهم عناء شجبها، والتهديد بشكل علني على محاربة عودتها! وقد قال أحمد طعمة، وهو رئيس سابق للحكومة السورية المعارضة في المنفى في 11 تشرين الثاني/نوفمبر 2015: إن المجتمع الدولي (أي القوى الغربية) لن يسمح أبداً بتطبيق الشريعة. أما المطالبة بتطبيق الشريعة فهو أمر مستحيل وفقا لقرار صادر عن القوى الغربية؛ وقد حذّر من أن "هذا المطلب قد يعني (إهراق) بحور من الدماء من أجل منعه"، أي أن القوى الاستعمارية الغربية عازمة كل العزم على محاربة استئناف الحياة الإسلامية.

وعلى الرغم من هذا فإن المسلمين يؤمنون بأساس العقيدة الإسلامية: أنه لا إله إلا الله، وأن محمدا e رسول الله. وبالتالي فإن القادة الغربيين ،وعلى الرغم من قواهم المهولة منقطعة النظير في التاريخ الحديث والقديم، إلا أنهم بشر غير معصومين؛ ورغم تكبرهم إلا أنهم ليسوا بآلهة، وقواهم العسكرية غير قادرة على جعل سياساتهم الإجرامية محقة، مع وقوف الإمبراطوريات الإعلامية الخبيثة التي يمتلكونها إلى جانبهم، ولا مع كل التكنولوجيا الحديثة التي يمتلكونها لغسل عقول الرأي العام العالمي.

فالله سبحانه وتعالى أمر المسلمين بتطبيق الشريعة الإسلامية في حياتهم، بغض النظر عن الظروف، وعلى العمل على استئناف الحياة الإسلامية في حال غيابها؛ وذلك ليس كردة فعل على الظلم والاضطهاد فقط، بل لأنه من الطبيعي للمؤمنين أن يعيشوا حسب شرع الله، وأن يُظهروا لبقية العالم جمال دينه.

لقد رفضت الأمة الإسلامية المصير الذي قررته لها ذات يوم عواصم الدول الرأسمالية البعيدة. مستقبل دبّره الغرب لها على مدى مئات السنين لجعلها تهجر الإسلام وتتخلى عنه، وتمزق درع دولة الخلافة الحامي، وأن تفكر وتؤمن كما يفعل غيرها (بذوبانها في الحضارة الغربية). وأما ما تبقى الآن من سيطرة الغرب على الأمة فهو يتهاوى يوما بعد يوم حيث إن العالم الإسلامي بأكمله بدأ بالنهوض من كوارث القرن الماضي.

أما تقييم مكانة الأمة في هذا الوقت فهو ليس بالأمر الصعب. فالعديد من استفتاءات الرأي والاستبيانات تشير إلى الرغبة ذاتها في التوحد، وحتى لو كان هناك من يشكك بهذه الاستطلاعات، فهناك ما يكفي من الأدلة من العالم الإسلامي، حيث إن المسلمين يرفضون وبكل وضوح الغرب وعملاءه ويطالبون بالشريعة والحكومة الإسلامية. أما الهدف من الوجود الغربي في بلاد المسلمين فهو لزرع بذور الفتنة ووأد الدعوة إلى إقامة الخلافة على منهاج النبوة.

لقد أظهرت أحداث العقد ونصف العقد الماضيين بكل جلاء ووضوح أن الدعوة لتطبيق النظام العلماني الغربي في البلاد الإسلامية ما هي إلا دعوات فارغة مرفوضة. فقد أظهر المسلمون في الشرق الأوسط شجاعة أصبحت مضرب المثل للعالم أجمع. فقد انطلقت أحداث الربيع العربي في آخر 2010 من الشوارع  والميادين  والمساجد على شكل مظاهرات في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا واجهت أعتى النظم الدكتاتورية القمعية. وعلى الرغم من استبدال بعض الطغاة وتنظيم بعض الانتخابات، إلا أن الصراع لم ينته بعد. حيث إن المظاهرات كانت تستهدف الحكام المستبدين، والهيمنة الغربية، وفي الأساس الأنظمة المروعة في بلادنا الإسلامية التي فشلت باستمرار في توفير أبسط الحاجات الإنسانية للشعب.

هذه الأحداث تشهد أيضا أن النظام الجيوسياسي الحالي ،والذي فُرض من قبل الغرب المستعمر بهدف تقسيم الأمة، قد فشل فشلا ذريعا. حيث إن قلوب المسلمين وعقولهم تسارع في إظهار التضامن والتآزر مع إخوتهم المسلمين حول العالم: فمن مسلمي الإيغور في تركستان الشرقية المحتلة، إلى الروهينغا وإلى آسيا الوسطى وإلى كشمير وأفغانستان وإلى إفريقيا الوسطى، وفي قلب كل هذا: المسجد الأقصى والأرض المباركة حوله الشام كما ذكر في سورة الإسراء.

نعم، إن القوة الغربية لم توفر أي حيلة، واخترعت شتى الأكاذيب مع استخدامها للدولة البوليسية القمعية بكل وحشية التي يقودها عملاؤها، والتي استخدمت كل أوراق الوطنية والاجتماعية والديمقراطية والرأسمالية، والتي فشلت كلها، فاتحة أعين المسلمين ليدركوا تماما أن الحل الوحيد يكمن في الإسلام وحسب.

وليس من المفاجئ انضمام حزب التحرير في قلب صراع الأمة ضد المكائد الغربية: حيث إن دعوة حزب التحرير قد انتشرت بشكل واسع وقد احتضنتها قلوب المؤمنين المخلصين وعقولهم، رجالاً ونساءً، صبياناً وشيوخاً، في تركستان وآسيا الوسطى وإندونيسيا وماليزيا - حيث إن هذا المؤتمر شهادة حية على ذلك، إلى بنغلاديش وشبه القارة الهندية وباكستان وأفغانستان وفي قلب تتارستان والقفقاس، والقرم، كما في تركيا والبلاد العربية وصولا حتى إلى كينيا ونيجيريا.

إن البذور الأولى لهذه الدعوة المباركة قد زرعت في القدس، وضربت شجرة الدعوة المباركة هذه جذورها سريعا في قلوب المسلمين وعقولهم في الشام ومصر وليبيا وتونس. وهذه الشجرة العظيمة الآن تظلل الأمة الإسلامية في كل مكان.

لقد نجح حزب التحرير في توحيد المسلمين حقاً في مشاعرهم ومعتقداتهم وأفكارهم ومفاهيمهم على الرغم من كل العوائق: فلا يهم من أين يأتي المسلم (رجلاً كان أو امرأة): فقد يكون من كينيا أو البنغال أو أوزبيكستان، وقد يكون يتبع المذهب الحنفي أو الشافعي أو الحنبلي، وقد يكون أبيضاً أو حنطياً أو أسوداً.. لكنه في داخله مؤمن بالله سبحانه وتعالى، وقد أذعن بإرادته لعبادة رب الكون.. وهنا يكمن جمال الإسلام، كونه رسالة للرحمة لبني البشر: ليس للعرب أو الفرس أو الأكراد أو الأتراك... بل إن الإسلام يوصي أن المسلم أخ للمسلم، وأن الإسلام متاح للجميع لاعتناقه دون التقيد بأحكام مسبقة أو عوامل تفرقة طارئة صنعها البشر.

وهنا يكمن أكبر نجاح حققه حزب التحرير: فقد بنى منبراً ليوحد الأمة في صراعها لاستئناف الحياة الإسلامية؛ فتحت حكم الشريعة الإسلامية لا يهم فيما إذا تبنى الإمام أو الخليفة اجتهاداً بعينه أو غيره، طالما أن الاجتهاد ينبع من  العقيدة الإسلامية والوحي الإلهي في القرآن الكريم. كما أن حزب التحرير أظهر وبكل وضوح الطريق المفصل للتطبيق الكامل للشريعة من خلال التعرض لجميع القضايا في الحياة؛ فـحزب التحرير أصدر كتباً تتضمن دستوراً مقترحاً، وكتباً تفصّل النظام الاقتصادي والأنظمة السياسية والتعليمية والمالية والسياسة الخارجية، بالإضافة إلى حمل الدعوة إلى العالم بالدعوة والجهاد. ونحن لن نشعر بالخجل من الدعوة إلى الجهاد كوسيلة لنشر رسالة الإسلام إلى العالم؛ فنحن لا يمكننا تبديل أو تغيير أوامر الله عز وجل التي نص عليها القرآن الكريم والقاعدة القرآنية التي تنص: لا إكراه في الدين. فالناس أحرار في الوصول إلى قناعتهم الخاصة: اعتناق الإسلام أو رفضه.

ولا يكمن نجاح حزب التحرير فقط في توفيره لرؤية واضحة لاستئناف الحياة الإسلامية من خلال تطبيق الشريعة في ظل دولة الخلافة، بل وأيضا من خلال بناء جيل من حملة الدعوة في مختلف قطاعات الأمة، وفي مختلف بلاد المسلمين. فأي شخص يتابع النقاشات حول قضايا الساعة لا يفوته إدراك أن المطالبة باستئناف الحياة الإسلامية تحت حكم الخلافة يحتل المنصة الأساسية.

لا يتسع المقام هنا لسرد القوائم الطويلة من العروض التلفزيونية والمقالات الصحفية والفتاوى (أو الفتاوى الزائفة) التي يصدرها رجال الدين "الرسميين"، والذين هم خدم لنزوات طغاة مصر والأردن وتونس والمغرب وتركيا وطاجيكستان وأوزبيكستان على سبيل المثال لا الحصر. إنك تجدها شهادة دامغة على حقيقة أن القوى الغربية الاستعمارية تخشى النداءات المتصاعدة من أجل الخلافة بين جماهير المسلمين. فعندما لجأت السعودية لتأسيس مركز لمحاربة (الإرهاب) بالتعاون مع البيت الأبيض، قامت بالبداية بطرد 3000 إمام، وفتحت الأبواب مشرعة أمام العلمنة الغربية للمجتمع تحت ذريعة ما يسمى بـ "الترفيه"، كل هذا مع تسارع تطبيع العلاقات مع كيان يهود المحتل لفلسطين، فهذه الأحداث برهان كافٍ على أن العالم الإسلامي أصبح في جبهة واحدة لمواجهة عملاء القوى الغربية.

وقد قام البعض بانتقاد حزب التحرير طويلا لقيامه بدعوة قادة الجيوش الإسلامية لإعطاء النصرة من أجل إقامة دولة الخلافة، إن الأحداث الأخيرة في الشرق الأوسط أثبتت جدوى هذا الموقف: فمن الجزائر (1991) إلى الربيع العربي (2010 وحتى الآن) تُظهر وبشكل واضح أن المطالبات الواسعة القوية لاستئناف الحياة الإسلامية لا بد وأن تترافق بدعم من القوى العسكرية، من أبناء هذه الأمة، حتى نتمكن من التحرر من السيطرة الاستعمارية ولتتمكن الأمة من الاستمتاع بثمار الشريعة والتي ليست هي سوى رحمة لبني البشر.

إن القوى الغربية لجأت إلى تشويه صورة حزب التحرير من خلال محاولة ربطه (بالإرهاب)، وذلك لتبرير الحملة العنيفة التي تستهدف نشاطاتنا. والحمد لله فإننا لا نحتاج إلى الدفاع عن أنفسنا: فنحن أقسمنا منذ اليوم الأول على اتباع خُطا رسولنا محمد e في حمل الدعوة، وبالتالي قمنا وبكل وضوح بالتعريف عن نهجنا، حيث إننا نعمل مع الأمة من أجل بناء وعي عام والثقة في الإسلام كطريقة للحياة، وفي الوقت نفسه فضح حقيقة الأنظمة الفاسدة التي تخدم مصالح الغرب؛ من خلال الدخول في الصراع الفكري والكفاح السياسي، فـحزب التحرير لم يقم باتخاذ أي موقف بناء على مصلحة ذاتية أو تسوية مع النظم الجائرة. ما مكّن حزب التحرير من اتباع هذا المسار هو حقيقة أنه لا يسعى سوى لرضا الله عز وجل، مع إدراكه الكامل لحقيقة الأنظمة الفاسدة، فقد استنكر حزب التحرير كل هذه الأنظمة واعتبرها غير شرعية في نظر الشريعة.

وفي الوقت الذي يعاني فيه النظام الرأسمالي للعالم من أزمات مدمرة على كل المستويات: سياسية واجتماعية واقتصادية، فقد حان الوقت من أجل انبثاق الفجر الجديد للإسلام.

لقد اطلعنا على العديد من تصريحات مسؤولين أمريكيين يدّعون فيها أنه قد حان الوقت لدفن نظام سايكس-بيكو، وإعادة تشكيل خريطة المنطقة لخدمة المصالح الأمريكية. لكننا نقول إن الوقت قد آن للمؤمنين المخلصين من هذه الأمة ليعملوا معنا للفوز بالشرف العظيم من خلال إعادة الأمة الإسلامية إلى مكانها الصحيح: لقيادة البشرية من هذه المآسي والظلمات الناتجة عن الرأسمالية العلمانية الفاشلة إلى نور رحمة الإسلام. فنحن نناشد كل من يشاهدنا بالعمل معنا لتوحيد الأمة من خلال فهم هذا الدين والمطالبة باستئناف الحياة الإسلامية.

كما أننا ندعو جنودنا وقادة الجيوش الإسلامية الشجعان إلى الإسراع بالفوز برضا الله سبحانه وتعالى من خلال إعطاء النصرة لحزب التحرير. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾.

وأختم بتذكير الجميع أن الله سبحانه وتعالى الذي خلق السماوات والأرض بالحق، قد وعد ووعده الحق، بأن يظهر الدين. فلنسعَ جميعا لنكون من الفائزين بشرف العاملين لنصرة هذا الدين.

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر