December 15, 2013

كلمة المهندس عثمان بخاش مدير المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير الأولى في المؤتمر العالمي للمثقفين المسلمين بجاكرتا/إندونيسيا المنعقد بتاريخ 14 - 2013/12/15م   المساهمة الإسلامية في الحضارة العالمية: الماضي والحاضر والمستقبل (مترجم)  


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،


بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على خاتم وأشرف المرسلين...


إنه لشرف لي أن أقف أمامكم على هذه الأرض الخصبة الجميلة، إندونيسيا، بين المتميزين والمثقفين من أبناء هذه الأمة الكريمة لأتحدث إليهم.


مقدمة: تعريف الحضارة


سأبدأ بتعريف "الحضارة" لتجنب أي التباس في المصطلحات؛ فمعظم الناس، بما في ذلك الخبراء، يخلطون في أكثر الأحيان، بين معنى الحضارة والمدنية.


فكلمة "الحضارة" باللغة الإنجليزية تعني"civilization" والتي تأتي من اللاتينية "civilis"، ومنها تأتي كلمة "civil" أي مدني، وتتصل بكلمة "civis" اللاتينية، وهي تعني المواطن، و"civitas"، ومعناها المدينة أو الدولة المدينة.


هناك طرق عديدة لتعريف "الحضارة"، وغالبا تكون متداخلة، ولكن بصفة عامة، فإن المصطلح يشير إلى: "مجتمع بشري متطور إلى حد كبير في الموارد المادية والروحية وله تنظيم ثقافي وسياسي وقانوني معقد؛ وحالة متقدمة من التنمية الاجتماعية".


وبالتالي لكي توجد حضارة وتزدهر فإنه يتطلب مجتمعا دائما، يعيش في المدن مع مجموعة راسخة من القواعد التي تعرّف وتحدّد نمط حياة هذا المجتمع خاصة. وتعكس هذه النصوص، عادة، النظرة العامة تجاه الحياة المشتركة بين الغالبية العظمى من أفراد المجتمع والذي يطلق عليه اسم العقيدة؛ وهي حجر الأساس الذي يشكل الإطار الفكري المرجعي النهائي لكل من الدولة والمجتمع.

1 - التمييز بين الحضارة والمدنية


في الواقع يجب علينا أن نفرق بين المفهومين هنا: فأحدهما هو مجموعة من المعتقدات الأساسية التي تحدد كلا من أهداف الحياة مع منظومة القيم المرتبطة بها، والمنهجية المفاهيمية والعملية لتحقيق هذه الأهداف والحفاظ على طريقة الحياة المرتبطة بها.

وهذا يعطي تعريفا جيدا عن هوية أية حضارة.

وواضح أن هذا بعيد تماما ومختلف عن الأشكال المادية المحسوسة من بنية أي حضارة.


وببساطة، فإن الخط الفاصل له علاقة مع المفهوم الأساسي لنظام القيم: كيف ومتى يمكن اعتبار عمل ما كونه مرغوبا فيه أم لا، وكيفية تحديد وتعيين حدود وأدوار ومسؤوليات الفرد في المجتمع وبالعكس، وكيفية تحديد المفاهيم الأساسية التي تنظم العلاقة بين الأفراد أنفسهم وبينهم وبين السلطة السياسية: وكلها تنبع من النظام الأساسي المعتقد به أو العقيدة لحضارة معينة.

هذه العقيدة تحدد الطريقة التي تعرف الحضارة بها عن نفسها، وهي إما أن تكون قائمة على أساس رباني أو من صنع الإنسان.


ومن الواجب هنا ملاحظة الفرق بين الإسلام والأديان الأخرى.

ففي حين أن الإسلام قدم طريقة شاملة للحياة لمعالجة كافة الجوانب الروحية والشؤون اليومية للناس والمجتمع، فإن الأديان الأخرى مثل النصرانية أو البوذية قدمت فقط رسالة روحية، وتركت للإنسان ابتكار طريقة عيشه من تلقاء نفسه؛ وبالتالي فإننا نرى أن الرأسمالية، باعتبارها طريقة للحياة، مشتركة بين النصارى واليهود والهندوس والبوذيين.


من ناحية أخرى فالأمور المادية غير الأساسية في المجتمع قد تستند أو لا تستند إلى عقيدة أساسية.

فإن كان هذا الأمر المادي لا ينتج عن حضارة وعقيدة أساسية فهو عندئذ عالمي لا تختص به أمة من الأمم... كعلوم الفيزياء والحساب والكيمياء والأحياء فهي إلى حد كبير عالمية عامة.

فلا يمكن لأحد أن يقول مثلا الرياضيات الروسي أو الأحياء الياباني أو الفيزياء النصراني أو الكيمياء الإسلامي... فالطبيعة المادية البحتة لهذه المواد والأمور تُعرِّف عنها وتصرفها عن أن تُلحق بأي مبدأ أو دين... وعندما يتدخل المبدأ أو الدين في إعطاء صبغة لعلم معين كصبغه بالصبغة الشيوعية أو البوذية أو الرأسمالية فهذا خرق مبطل لأصل وطبيعة العلم، ما يفقده الحيادية ويجعل منه أداة في يد ذلك المبدأ.

وهذا كله يعني أن المنتج التكنولوجي قد يكون في أصله عالميا، كالتلفاز أو الكاميرا أو الغسالة مثلا، وقد يكون في نوع آخر منه راجعا ومبنيا على وجهة نظر خاصة تعكس عقيدة محددة كتمثال شخص مشهور مثلا، أو كطريقة بناء البيوت وتقسيمها بشكل يجعل طريقة الجلوس فيها غير خاصة بل عامة يطّلع عليها جميع من يدخلها سواء أكان من أهل البيت أم من غيره، وكلا هذين المظهرين الأخيرين يعكسان في أصلهما وجهة نظر علمانية محددة في الحياة تخالف الإسلام بل يرفضها الإسلام.

2. تقييم الحضارات المختلفة الأخرى


ما ذُكر أعلاه هو مدخل هام وضروري عندما نريد إجراء تقييم موضوعي لأي حضارة من الحضارات.

فالمراقبون والمحللون قد يستخدمون معايير و/أو مقاييس مختلفة عند تقييم هذه الحضارة المعينة أو تلك.

وفي وقتنا الحالي وفي ظل المعايير الغربية المهيمنة السائدة أصبح العالم معتادا على استخدام المقياس المادي كوسيلة لتحديد عِظم أي حضارة من عدمه.

وقد يستخدم البعض مقدار الناتج القومي الإجمالي في بلد لتقييم مقدار ثروته الاقتصادية.


قبل الحرب العالمية الثانية كان إنتاج البلاد للصلب مؤشرا مهمًّا على ثروتها الصناعية ورقي حضارتها، وقد يعتبر البعض مقياس القوة العسكرية من حيث القدرة على القتل والتدمير، وعلى هذا المعيار والمقياس يكون عدد الطائرات الحربية والدبابات والمدافع والغواصات والمدمرات مؤشرا أساسيا على التقدم والرقي وهكذا...

3. نقد الحضارة الغربية العلمانية


تبنت الحضارة الغربية معيار التقدم المادي كطريقة لقياس تقدم أي حضارة أو انحطاطها، واستثنت أي قيمة روحية أثناء وضعها لأي تقييم. وقد جعلت الرأسمالية العلمانية، التي فصلت الدين عن الحياة، النفعية والقيمة المادية أساسًا تقيس عليه ما في الأشياء من منفعة.


أما بالنسبة لرفاهية الأفراد، فتتفق الرأسمالية مع نظرية داروين التي فيها يغرق الأفراد أو يسبحون، يموتون أو يحيون في صراع قاسٍ مع الحياة من أجل البقاء حيث "الطبيعة حمراء كالدم بين مخلب وسنّ" وحيث "البقاء للأصلح".

وكنتيجة طبيعية لهذه النظرة برز من الناس وساد وعلا من كان قويا غنيا، فهو بحسبها الأصلح والذي يستحق ذلك عن جدارة.


وقد صرحت ألفين توفلر قائلة "مثلما تمثل النظرية الداروينية موجِّها وأساسا في الرأسمالية، فإنها وبالمقابل تمثل وتعزز غطرسة ثقافية موجهة للإمبريالية.

وقد أعطت فكرة التطور الاجتماعي دعما فكريا ومعنويا لفكرة انحطاط شأن الشعوب غير الصناعية، وبالتالي تصنيفها على أنها شعوب غير صالحة ولا ملائمة للبقاء".


وقد قامت السياسة الخارجية للدول الرأسمالية على أساس استخدام الاستعمار كوسيلة مباشرة لسرقة ثروات البلاد المنهزمة الضعيفة اعتمادا على ميزان القوة الذي في صالحها، وعلى الرغم من أن هذه السياسة القديمة القائمة على أساس الاستعمار المباشر قد تغيرت وانتهت منذ القرن الـ19، إلا أن ما تغير هو الشكل الظاهري فقط لا المضمون، فمجلس الأمن اليوم والبنك الدولي وكذلك صندوق النقد الدولي وأسواق الأوراق المالية حلّوا محل تلك الطريقة العسكرية المباشرة القديمة لتحقيق المآرب ذاتها.


وقد قدم المفكر محمد أسد مسلم وصفا للواقع الحالي قال فيه "إن أوروبا، وبعد أن فصلت الدين ونظام الله عن الحياة، أصبحت تبحث يائسة عن بديل يقوم مقامه. وقد فكر الرجل الأوروبي العادي، "كون المنطق والتجارب العلمية والإحصاءات التي تم القيام بها لا تكشف عن أي شيء أكيد ثابت محدد حول أصل الحياة البشرية وما بعد انتهاء أجل الإنسان وموت جسده، فإن الواجب علينا أن نركز جهودنا وطاقاتنا على تنمية وتطوير طاقاتنا الفكرية وحياتنا المادية وألا نسمح لأنفسنا بأن تعيقها الضوابط والمسلمات الأخلاقية المبنيَّة على الافتراضات والتي تناقض وتتحدى الأدلة العلمية الثابتة."

وهكذا، فإن المجتمع الغربي ومع أنه لم ينكر صراحة وجود الله إلا أنه لم يترك مجالا لله ولأحكام الله في نظامه الفكري."


إن هذه الحضارة تنظر إلى الحياة كلها على أنها السعي لتحقيق المنفعة.

وهكذا، فإن مقياس الأعمال في الحياة عندها هو المنفعة.

وبناءً عليه، باتت المنفعة هي الأساس الذي بُني عليه النظام وقامت عليه الحضارة عندهم.

ومن هنا، كانت السعادة في نظر العلمانية هي توفير أكبر قسطٍ من المتع الجسدية للإنسان وإتاحة السبل والوسائل اللازمة له لتحقيقها.


أما الجانب الروحي فقد تم قَصْرُه على الفرد فحسب، ولم يعد له مكانٌ أو دور في نظام المجتمع. كما تم حصر الشأن الروحي داخل أسوار الكنيسة وبين رجال الدين. وتبعاً لذلك، لا توجد قيمٌ خُلقية أو روحية أو إنسانية في الحضارة الغربية، وإنما قيمة مادية فقط.


ولذلك، لا مجال للاستغراب إن أنتجت مثلُ هذه النظرة الفراغَ الروحي والأخلاقي في الحضارة الغربية.

حيث أنتجت هذه العقيدة العلمانية، وحسب تعبير محمد أسد "عالماً يجيش بالثوران والاضطراب العنيف.

فكان سفك الدماء، والتدمير، والعنف الذي لم يسبق له مثيل، وتفكك الروابط الاجتماعية، وصراع الإيديولوجيات، والصراع الشامل والمرير في البحث عن طرائق جديدة للحياة، هي أبرز ملامح وسِمات الحضارة الغربية.

غير أنه، من بين دخان وويلات حربين عالميتين، وكذلك الحروب الصغيرة التي لا تحصى ومجموعات الثورات والثورات المضادّة، ومن بين ركام الكوارث الاقتصادية التي حطّمت كل الأرقام القياسية، من بين كل هذه الأحداث الطاحنة، برزت الحقيقة الناصعة، ألا وهي أن تركيز الغرب في الوقت الحاضر على التقدم المادي والتقني لا يمكنه وحده أبداً معالجة الفوضى القائمة حالياً في العالم ونقله إلى حالةٍ تشبه النظام.

وما الإعجاب الذي وصل حدّ العبادة بما يسمّونه "التقدم" سوى عقيدة كاذبة اختلقها أُناسٌ فقدوا كل وازع داخلي للاعتقاد بالقيم المطلقة النبيلة، أُناسٌ خدعوا أنفسهم بالظن أن الإنسان سوف يخرج سليماً معافى، بطريقةٍ أو بأخرى، من مآزقه الحالية."

ولولا ذلك، وبسبب ما نشهده من أزمةٍ وراء أزمة في جميع مناحي الحياة وفي كل جانب من جوانب المجتمع، لتحطّم هذا الانخداع والتضليل وتهشَّم بفعل المصائب والآلام التي لا تنتهي.


وللاختصار، يمضي محمد أسد قائلا "إن الحضارة الغربية لم تستطع وضع الميزان الصحيح بين حاجات الإنسان الجسدية والاجتماعية وبين تطلُّعاته الروحية.

لقد أنبتت هذه الحضارة ورعت أسلوبَ التنظيم حتى بات واحداً من الفنون الجميلة، لكن الأمم الغربية،على الرغم من ذلك، غير قادرة على السيطرة على القوى التي أوجدها العلماء، ووصلت الآن إلى حدٍ باتت الإمكانيات العلمية المنفلتة من كل قيد تسير فيه يداً بيد مع الفوضى العارمة في العالم كله.

كما بات الإنسان الغربي، بسبب افتقاره للتوجيهات الدينية الحقيقية، غير قادر على الانتفاع خُلُقياً بنور المعرفة العلمية."


ولربما انطبقت عليه الآية القرآنية: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّـهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ ﴿*﴾ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾.


ويصف محمد أسد الحضارة الغربية العلمانية بأنها بُنيت على أساس عبادة التقدم المادي، الاعتقاد بأنه لا يمكن أن يكون هناك هدف آخر في الحياة سوى جعل الحياة نفسها سهلة وميسورة باستمرار.

وقد وجد أن "معابد تلك العقيدة هي المصانع العملاقة، ودور السينما، والمختبرات الكيماوية، وصالات الرقص، والمنشآت الكهرومائية، وأن كهنتها هم أصحاب ومديرو البنوك، والمهندسون، والسياسيون، ونجوم السينما والتلفزيون، والإحصائيون، وأرباب الصناعات، ومشاهير المغنّين والمغنّيات ومن يحاولون السيطرة على الرأي العام... ولم يعد هناك اتفاق على تحديد ما هو خير أو شر.

كما أدى اللُّهاث المستعر وراء السُلطة والمتع (الجسدية)، بالضرورة، إلى تفكك المجتمع الغربي إلى جماعات متناحرة ومدجّجة بكل أنواع السلاح لسحق بعضها بعضاً كلما وأينما تضاربت مصالحها.

وعلى الجانب الثقافي، كانت النتيجة إيجاد نوعٍ بشري يبدو أن أخلاقياته انحصرت في الاستغلال العملي وحده، وبات أرفع مقاييسه للصواب والخطأ هو النجاح الماديّ."


فهذا آلفين توفلَر يقول في كتابه الموجة الثالثة أن: "التقدُّم" برَّرَ تدهورَ الطبيعة وسيطرةَ الحضارات "الأقل تقدماً".

فقد وجدت الحضارةُ الصناعية أربابَ الصناعات الرأسماليين ينهبون الموارد ويستغلونها أبشع استغلال وعلى أوسع نطاق، ويضخّون السموم بكميات هائلة في الهواء، ويزيلون الغابات من مناطق ذات مساحات شاسعة سعياً منهم لتحقيق الأرباح، دون التفاتٍ إلى الآثار الجانبية السيئة أو التبعات السلبية لهذه الممارسات على المدى البعيد.

إن الفكرة القائلة بأن الطبيعة وُجدت لكي يتم استغلالها قد وفّرت تبريراً منطقياً كافياً لقصر نظر البعض وأنانيته".


وقد عرف أ. ج. توينبي، عالم الحضارات البريطاني الشهير، عَقِبَ أَخيل (نقطة ضعف) الحضارة الغربية: ألا وهي الدين.

حيث حذَّر قائلاً بأن هيكل السقالات الذي بناه الغرب قد أقامه على أساس التكنولوجيا، و"أن الإنسان لا يمكنه العيش بالتكنولوجيا وحدها.

وحينما تأتي ساعة الحقيقة، عندما يقف المجمَّع السكني العالمي الضخم الذي يضم الكثير من الشقق صامداً على أساساته الذاتية وتنهار السقالات التكنولوجية الغربية المؤقتة وتندثر - ولا أشُك لحظةً في أنها ستفعل - أعتقد بأنه سيتّضح أخيراً أن الأساسات متينة راسخة لأن الحفر لبنائها قد أوصل بالفعل إلى طبقة صخر الأساس، أي الدين... لأن الدين، في نهاية المطاف، هو ميدان العمل الجادّ للنوع البشري".


وهو يستنكر بقوةٍ الحضارة الغربية التي تعاني من أساس ديني روحي أجوف بينما تتستر وراء قناع القوة التكنولوجية الكاذب المخادع.

كما يزعم توينبي "أن الحضارة الغربية التي اجتاحت العالم وأحاطت به كالنار في البرّية لم تكن كل الشبكة غير المدروزة.

لقد كانت مشعلاً من نفاية القطن: حاشيةَ قماشٍ تكنولوجيّة غير أن الجزء المركزي الديني فيها ممزق".


فكيف نقيس عظَمة الحضارة؟؟ وما هي المعايير التي نتّبعها في ذلك؟؟


هل الأهرام الضخمة في مصر أو قطع الأثاث والمجوهرات الفاتنة الموجودة في قبر توت عنخ آمون دليلٌ على عظمة الحضارة الفرعونية؟؟


وهل في مقدورنا أن نتجاهل حقيقة أن هذا الإنجاز "المادي"، الذي يعتبر واحداً من عجائب الدنيا، كان ثمرة السخرة لآلاف العمال من العبيد، الذين قضى الكثير منهم في سبيل إرضاء غرور طاغيةٍ لا يرحم؟


وبالمثل، هل في وسعنا تجاهل حقيقة أن القوى الاستعمارية الغربية قد بنت روائعها الفنية والتكنولوجية على حساب المآسي التي لا تعدّ ولا تحصى للأمم المغلوبة.

لقد قدّر بعض الباحثين الهنود التكلفة البشرية المروِّعة للحكم الاستعماري البريطاني بآلاف ملايين حالات الموت العنفية وغير العنفية التي كان في الإمكان تجنّبها خلال الفترة من 1757- 1947، ومن ضمن ذلك قائمة طويلة من المجاعات التي صمّمها ونفّذها المستعمر البريطاني عمداً في الهند على مدى نصف قرنٍ (1822- 1872).

إن عصر الثورة الصناعية الحديث قد بني على جماجم الأمم المقهورة ودمائها ومآسيها التي لا حصر لها، وذلك في كل من الهند وأفريقيا والعالم الجديد في أميركا.


أم ماذا نقول عن حرب الأفيون التي شنّتها بريطانيا على الصين في القرن الـ19 من أجل فرض تصدير الأفيون إلى داخل الصين؟ يسارع كثير من الناس، عندما يجري الحديث عن بريطانيا، إلى ذكر الماغنا كارتا، التي بشّرت بعصر ضمان حقوق الشعب بواسطة القانون... لكن هذه الحقوق لم تمتد لتشمل الصينيين الذي أُجبروا باستخدام المدافع على استيراد سموم الأفيون؛ ولماذا؟ فقط من أجل تغذية الموازنة البريطانية بالملايين والملايين من الجنيهات، دون أي اعتبار للحياة البشرية للصينيين....


وإنه لمن أبشع فضائح الحضارة الغربية أنه في أوج عصر النهضة وتمجيد عصر التنوير في القرن الـ19، لم يُكلّف أحدٌ نفسه عناء كشف نفاق المعايير الغربية المزدوجة: كيل المديح والإطراء لإنجازات الإنسان الغربي من جهة، والتغاضي في الوقت ذاته عن تطبيق السياسات الاستعمارية الوحشية على الأمم المغلوبة، في أفريقيا وأميركا وآسيا.

بل والأدهى من ذلك كله، قيام الغرب بترويج كافة أشكال الخدع والشعارات الكاذبة والهراء الفكري لتبرير تلك السياسات والأعمال بحجة "العبء الثقيل الذي يتحمّله الرجل الأبيض" والدفاع عنها.

إنه لحَريٌّ بكل باحث عن الحق والحقيقة، أمام هذه التكلفة الخفية الباهظة لحملات الإبادة الجماعية التي نفّذتها القوى الاستعمارية الغربية تحت ذريعة المهمة المقدسة التي نصّبت نفسها للنهوض بها، ألا وهي "مَديَنَةُ الأجناس البشرية المتوحشة"، أن يعيد النظر فيها ويدرسها بصورة أعمق، وهو ما يتجاوز حدود هذه الورقة.


كتب تشارلز داروين ببرود عن مذبحة السكان الأصليين في تسمانيا (الأبوريجينيز) وتنبأ أنه "في فترة ما في المستقبل... ستبيد الأجناس المتحضرة للإنسان الأجناس الوحشية وستأخذ مكانها في كافة أنحاء العالم."


إن هذه العقلية الداروينية لا تزال معنا اليوم، أو بالأحرى قد عادت للظهور مرة أخرى وبانتقام أقوى بعد انهيار الشيوعية البديل للرأسمالية في عام 1991.

في حين كان تهديد الماركسية قد أجبر قادة الرأسمالية على تقديم بعض التنازلات لمنع المظلومين من أن يتحولوا إلى الشيوعية بعد الكساد العظيم، ودعا أنصار المحافظين الجدد لعودة دولة الرفاه.

4. الحضارة الإسلامية


أثار توينبي السؤال: "هل يمكن للبشرية الاستغناء عن المادة الرابطة "الإسمنت" الاجتماعية للأخوة الإسلامية؟ ومع هذا فإن هذه الخدمة الاجتماعية، وعلى الرغم من قيمتها ونبلها إلا أنها ليست جوهر الإسلام".

وتعليقا على الحج كرمز على الوحدة الإسلامية بين جميع المسلمين، قال: "هذه الوحدة بين المؤمنين الحقيقيين هي بدورها مجرد الترجمة إلى العمل هنا على الأرض لإيمانهم الحقيقي بتوحيد الله. هدية الإسلام للبشرية المبدعة هي التوحيد، ونحن بالتأكيد لا نجرؤ على التخلص منها."


ويمضي معلناً أنه في حين بلغت الانتصارات الوطنية الغربية الشهيرة لنفس الرقم الكبير من الانتصارات الصينية المماثلة في القرن الثالث قبل الميلاد، "الإسلام لا يزال بمهمته الروحية القوية التي يريد حملها للخارج".

وعلاوة على ذلك إنه يدعو "الغربيين الذين هم في غفوة عقليا ليستيقنوا بأن جيراننا في الماضي سيصبحون جزءا حيويا من مستقبل الغرب."


على عكس الحضارة والقيم الغربية، فإن الإسلام يعلي من شأن الرقي الروحي للإنسان، وهذا يعلم الإنسان أن يكون متواضعا أمام الخالق، وعند التعامل مع أخيه الإنسان والطبيعة المحيطة به..


إن الحضارة الإسلامية بنيت على أساس يتعارض مع أساس الحضارة الغربية. ووجهة نظرها في الحياة ومعنى السعادة تختلف عن الحضارة الغربية.

بنيت الحضارة الإسلامية على الإيمان بالله، وقد أنزل (سبحانه وتعالى) نظاما للإنسان والحياة والكون، وبعث محمدًا صلى الله عليه وسلم بالإسلام الدين الوحيد للبشرية.

وهذا يعني أن الحضارة الإسلامية قد أنشئت على الأساس الروحي للعقيدة الإسلامية..


بينما الأعمال التي يقوم بها الإنسان هي مادية، ولكن عندما يمزجها بعلاقته مع الله، ويرى أعماله بأنها حرام أو حلال، فإن هذا يشكل الاتصال الروحي (الروح)، وهذا يعني أنه قد تم مزج الروح مع المادة.

وفقا لذلك، فإن الأوامر والنواهي من الله هي لتنظيم الدولة والمجتمع الإسلامي، والغاية هي تحقيق رضوان الله وليس المصلحة.

وبالتالي، تتمركز الحضارة الإسلامية على توازن متناغم بين الاحتياجات الروحية للإنسان والاحتياجات المادية.

إن الحضارة الإسلامية التي تأسست على العقيدة الإسلامية تعتبر رحلة الإنسان في الحياة تمهيدا قصيراً إلى الحياة الأبدية.

ويتوقع الإسلام للإنسان الاستفادة من مختلف الهبات التي أكرمه الخالق بها في الطبيعة المحيطة به، ولكن للقيام بذلك دون الجشع الذي لا مسوغ له أو الأنانية أو على حساب الآخرين.


إن السعادة للمسلم هي نوال رضوان الله وليس إشباع حاجات الإنسان.

فإشباع الحاجات العضوية والغرائز عند الإنسان هي وسيلة أساسية للحفاظ على حياة الفرد، وليس هو السعادة.

إن وجهة النظر هذه هي أساس الحضارة الإسلامية.

فمن الواضح أن الحضارة الإسلامية تتناقض مع الحضارة الغربية في كل جانب.


هنا يكمن الأساس الجوهري للحضارة الإسلامية: حقيقة أنها تم بناؤها وتأسست على العقيدة المتجسدة في كلمات الشهادة: "لا إله إلا الله، محمد رسول الله".


في حين تطورت الحضارات الأخرى على مدى قرون بأعمال مختلفة عن طريق الفلاسفة والمفكرين والمثقفين والقادة السياسيين، فإن الحضارة الإسلامية انبثقت من الوحي الإلهي الوارد في القرآن، وليس من صنع الإنسان.

وكان النبي محمد صلى الله عليه وسلم مجرد رسول بلغ الرسالة الإلهية للبشرية.

عند تبليغ التعاليم الإسلامية، لم يقم بالتوجيه من رأيه الشخصي أو رغبته في المسائل غير المعروفة له، وعندما يُسأل عنها كان ببساطة ينصح السائل بانتظار الوحي الإلهي، لا أكثر ولا أقل.


هذا يفسر سرعة انتشار رسالة الإسلام في جميع أنحاء الجزيرة وامتدادها إلى الأراضي المجاورة في الشام ومصر وشمال أفريقيا، حتى وصلت إلى الأندلس غربا، وعبر الهند إلى تركستان شرقا.


قبل الإسلام، كان العالم العربي في أوائل القرن السابع لا يوجد به كيانات سياسية مستقرة على نطاق واسع، والناس ينتمون إلى عشائر متماسكة، أو أسر ممتدة، التي شكلت القبائل.

كان معظم العرب من عبدة الأوثان، ولكن كانت توجد أقليات صغيرة يهودية أو نصرانية.

كان العرب في الغالب من البدو الرحّل الذين وفروا لتلبية احتياجاتهم الخاصة من قطعان الأغنام والماعز، والتجارة الصغيرة في المدن، وغارات منتظمة على بعضهم البعض وعلى القوافل، وعمل بعضهم في فلاحة الأرض، ولكن عدم خصوبة الأرض وقلة الأمطار في كثير من المناطق عملا على عدم نجاح الزراعة.


تحولت هذه القبائل البدوية بالروح الإسلامية التي تستسلم إلى الخالق والعيش وفقا لقوانين الشريعة؛ تحولا ثوريا كاملا في حياتهم، وأفكارهم، والمعتقدات، والمشاعر والأخلاق، والذوق، والحب، والكراهية، وهلم جرا.

تم تغيير وإعادة تشكيل كامل لصفاتهم وشخصياتهم وفقا للتوجيهات الإلهية التي جاء بها رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، الذي أرسل رحمة للبشرية.


يقول الله (سبحانه وتعالى) في القرآن الكريم: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ [الأنبياء: 107]، ويقول: ﴿الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد﴾ [إبراهيم: 1]، ويقول سبحانه: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا﴾ [البقرة: 143]


من بين الأسباب التي أدت إلى الانتشار السريع والسلمي للإسلام هو بساطة العقيدة.

إن الإسلام يدعو إلى الإيمان بإله واحد فقط يستحق العبادة وهو الله سبحانه.

هذه الأمة الإسلامية العظيمة لا تعرف الطبقة، أو السلالة المالكة المتميزة، أو الطبقة الحاكمة التي تدعي الحق الإلهي في الحكم.

الناس بأجناسهم وأصولهم المختلفة والمختلطة قد اختلطوا وكانوا يعيشون معا في سلام ووئام؛ واختلط غير المسلمين بسلاسة مع المسلمين.


وسوف أسرد باختصار الحادثة الشهيرة التي وقعت بين قائد الفرس رستم والصحابي ربعي بن عامر رضي الله عنه.

حاول رستم أن يفاوض المسلمين ويبث الهزيمة النفسية في قلوبهم لكن الصحابي الجليل ظل ثابتا على مهمته التي أرسل لأجلها: إيصال الإسلام ونشر رسالته بين الفرس.

وعندما سأل رستم عن سبب مجيء المسلمين وعن مطلبهم أجاب ربعي رضي الله عنه أنهم جاؤوا ليخرجوا العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.

وأن الله أرسل المسلمين ليدخلوا الناس في دين الله تعالى.

فمن قبل الإسلام ودعوته قبلنا منه ومن لم يفعل قاتلناه حتى يتحقق ما وعدنا الله به.

وعندما استفسر رستم عن هذا الوعد كان الجواب: "الجنة لمن مات في سبيل الله ونيل الظفر والنصر لمن أبقاه الله حيا".

وقد أراد رستم إعطاءه مهلة ليشاور من معه في الأمر فكان جواب ربعي رضي الله عنه بأنه يمهل ثلاثة أيام حسب ما أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم.


لقد جاء هذا الصحابي من مجتمع متأخر ماديا عن الإمبراطورية الفارسية العظيمة آنذاك.

ومع ذلك كان لديه عزم منبثق عن حقيقة ثابتة عنده وإيمان صادق جعله لا يلتفت إلى عظمة الإمبراطورية الفارسية.

ومن المهم أن ندرك تمام الإدراك بأن الشخص الذي يعيش في مجتمع متقدم من الناحية التكنولوجية ليس بالضرورة أن يكون شخصا متحضرا راقيا كما قد نوهت لذلك سابقا.

فالجوانب المادية لأية حضارة تأتي تبعا للأفكار التي تحملها هذه الحضارة.


لقد قام بعض المستشرقين وأتباعهم الذين ضلوا السبيل بمزج السم بالعسل لتشويه الإسلام وسمعته وتعاليمه في محاولة منهم علانية أحيانا ومن وراء ستار في أحيان أخرى، تشويه رسالة الإسلام وطريقته المبدئية في العيش.

فبعض هؤلاء يحاول مغرضا تعزيز فكرة أن الحضارة الإسلامية ما هي إلا مزيج هجين ما كان له أن يزدهر ويشرق لولا ثقافات ما قبل الإسلام كالفلسفات الرومانية واليونانية والهندية والفارسية وهلم جرا.

وبعض آخر من هؤلاء يحاول الظهور بمظهر "الموضوعي" والمنصف فيما يتعلق بالإسلام والمسلمين الذين، بحسب ما يقولون، لعبوا دورا هاما في حفظ الثقافات القديمة وحملها إلى أوروبا في الوقت الذي استيقظت فيه من ظلام العصور الوسطى... بل إن بعض هؤلاء يثني ثناء عظيما على الإنجازات التكنولوجية العديدة العظيمة التي ازدهرت في ظل الحضارة الإسلامية وكذلك على العلماء والمخترعين المسلمين إلا أن هؤلاء المغرضين إما أن يصفوا ذلك كله بأنه حضارة "عربية" كما فعل كاتب ألماني مستشرق مشهور هو سيغريد هونكة، مؤلف كتاب "شمس الغرب تسطع على العرب"، أو أنهم يعمدون إلى فصل هذه الإنجازات العظيمة عن أمها الحضارة الإسلامية وطريقة الإسلام في العيش.


قبل حوالي 1400 سنة، لخص الصحابي الجليل ربعي بن عامر ببلاغة عظيمة رسالة الإسلام وغايته.

فحكم الإسلام في الأرض لم يُنتج عالما متحضرا يجتمع فيه الناس جميعا على اختلاف أعراقهم وأجناسهم فحسب، بل كان له دور محوري أساسي في نهضة الحياة الفكرية والثقافية على نطاق لم يسبق له في الأرض مثيل، امتد من الأندلس إلى تركستان ومن تترستان إلى وسط وغرب أفريقيا.

ولحوالي ال800 سنة كانت اللغة العربية هي اللغة الأساسية الرئيسية لكل فكر وعلم في العالم، وكانت المدن الإسلامية مراكز عالمية لكل علم.


كل شيء قد تغير اليوم! اليوم ينقاد الناس للقوانين والقواعد الوضعية التي صنعها البشر من قبل الحكام الطغاة و'الديمقراطيين".

إن الساسة اليوم، بالتواطؤ مع كهنة الرأسمالية - المصارف والشركات التجارية الكبرى هم الذين يخضعون الشعب.

والنتيجة هي عالم تسيطر عليه طريقة الحياة التي تبقي الناس مستهلكين في الظلام لا يطاردون شيئا سوى الرغبات المادية.

عالم تستخدم فيه المرأة كسلعة جنسية باسم 'التحرير'، وحيث يعيش أفقر ثلاثة مليارات شخص في العالم على أقل من 2 دولار يوميا، وحيث شر العنصرية لا تزال قائمة، والمسلمون وغيرهم يعيشون في خوف من تعرضهم للقصف والقتل كل يوم.

وقد أكد السيناتور الأمريكي سام براون باك من "أركنساس" أن التجارة الجنسية المعروفة باسم الدعارة هي ثالث أكبر مصدر للدخل بالنسبة للولايات المتحدة، بعد المخدرات وتجارة الأسلحة والمعدات الحربية.


هذا هو الخيار الذي يواجه العالم اليوم: إما الرضوخ للنظام العالمي العلماني الرأسمالي الذي يحرم الرجل من طبيعته البشرية ويستعبده لرجال آخرين، أو الدراسة الدقيقة لجوهرة الإسلام كطريقة للحياة حتى لغير المسلمين، الذين سيبقون مخيرين بالاحتفاظ بدينهم دون اضطهاد أو قمع.


هذا هو الصراع الذي يدور بين الإسلام والعلمانية؛ بين النظام الذي أنزله الله سبحانه وتعالى والنظام الذي صنعه البشر بأنفسهم، والذي أصابه الآن الفشل والإفلاس.

ويتم تصوير الإسلام على أنه متخلف ومن القرون الوسطى، ويوصف بالظالم للمرأة، وبالعنف والوحشية.

هذا في الوقت الذي تشهد فيه البشرية كيف جلبت النظم الغربية، التي صنعها الإنسان من العلمانية والديمقراطية، الفوضى إلى العالم.


هناك عبر العالم الإسلامي أعداد متزايدة من المسلمين الذين يناضلون من أجل تطبيق الإسلام كطريقة للحياة التي تنفذ في دولة، والتي ستحمل رسالة ورحمة الإسلام للبشرية جمعاء.

ولهذا السبب تعهد قادة الغرب علنا لمنع صعود الخلافة، وغالبا ما تم نقل ذلك علنا عن مسؤولين رفيعي المستوى في مختلف الاجتماعات.


إننا ندعو المسلمين المثقفين والعلماء والمفكرين للنهوض والعمل معنا لكسر أغلال الاستعباد من قبل الحضارة الرأسمالية العلمانية وإعادة تأسيس الحياة الإسلامية لتقدم للعالم رحمة وعدل الإسلام الذي سبق وأن حكم ببراعة في جميع أنحاء الأرض.


إننا، كوننا مسلمين، علينا جميعا واجب عظيم ونبيل لتعزيز وتعميق فهم المسلمين لدينهم، لكي يفخروا بحضارتهم الإسلامية، وفي الوقت نفسه علينا فضح الأكاذيب والخداع وحملة التشويه التي تقودها القوى العلمانية الغربية وعملاؤهم والبلطجية المحلية.

معا يجب علينا بناء فكرة الوحدة وبناء فكرة دولة الخلافة باعتبارها الطريقة العملية لهذه الأمة التي ينبغي أن تتوحد في تقديم الحضارة الإسلامية للعالم.

قال الله سبحانه وتعالى:


﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: 18].


﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: 105].

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يشهدنا بزوغ فجر جديد لدولة الخلافة المشرقة
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر