كلمة المهندس/ محمد هاشم عبد اللطيف / مساعد الناطق الرسمي لحزب التحرير في ولاية السودان، في منتدى قضايا الأمة الذي انعقد في الخرطوم يوم السبت 01 محرم 1435هـ الموافق 25 تشرين الأول/أكتوبر 2014م  تحت عنوان: «أجنحة الموت الثلاثة؛ السرطان والنفايات والتلوث، تح
November 06, 2014

كلمة المهندس/ محمد هاشم عبد اللطيف / مساعد الناطق الرسمي لحزب التحرير في ولاية السودان، في منتدى قضايا الأمة الذي انعقد في الخرطوم يوم السبت 01 محرم 1435هـ الموافق 25 تشرين الأول/أكتوبر 2014م  تحت عنوان: «أجنحة الموت الثلاثة؛ السرطان والنفايات والتلوث، تح

بسم الله الرحمن الرحيم


أجنحة الموت الثـلاثة؛


السرطان والنفايات، التلوث، تحلق في فضاء السودان!


أيها الحضور الكريم،


إن التلوث البيئي الخطير الذي يغرق فيه السودان هو نتاج طبيعي لسياسات مارستها الأنظمة الحاكمة في السودان، بعقليةٍ غير رعوية ولا خدمية، سياسات لم تنظر للإنسان باعتباره كائناً مكرماً من فوق سبع سماوات... إن نظرة الساسة لفكرة الحكم تتقزم في أنه مغنم، فكانت كل سياساتهم تصب في خانة دولة الجباية لا دولة الرعاية، إن الأزمة أزمة حضارية بامتياز، أزمة حضارة رأسمالية ترى (الحكم مغنماً) للتربح والاستثمار، مقابل حضارة إسلامية ضاربةٍ جذورها في عمق أعماق التاريخ؛ فلسفتها أن (الحكم مخدم وليس مغنماً)، فالحاكم خادم للرعية يسهر على أمنهم وسد جوعهم... شتان ما بين الحضارتين وشتان ما بين الدولتين وما بين السياستين، (ضدان لا يلتقيان)!.


إن الإسلام قد كرم الإنسان: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾، فالإسلام قد اعتبر صحة الإنسان من الحاجات الضرورية، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا» رواه البخاري، وتوفير كل الحاجات الضرورية مسؤولية الدولة ولا كلام: «فالإِمَامُ الذي على الناس رَاعٍ وَهو مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» متفق عليه... بل وأعظم من ذلك فإن الإسلام لم يهتم بإصحاح البيئة لضمان حاجة ضرورية (صحة الإنسان) فحسب، بل حتى ضمان كرامة الإنسان وعدم إيذائها!... نعم إن الإسلام سار إلى ما هو أعظم وأكمل، فكل ما فيه ضرر (بجسد الإنسان أو مشاعره وماء وجهه) هو خط أحمر، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «يأتيكم عكرمة بن أبي جهل مؤمنا مهاجرا، فلا تسبوا أباه، فإن سب الميت يؤذي الحي، ولا يبلغ الميت»، أي أن الإسلام قد اهتم بالجوهر والمظهر!.


إن الإسلام مبدأ عظيم، فهو دين منه الدولة، وهو لا يقبل الفلسفات الخيالية ولا الأفكار دون عمل، بل هو دين عملي سياسي يعالج مشاكل الإنسان، فتتنزل معالجات الإسلام على الناس برداً وسلاماً... إن دولة الخلافة الراشدة باعتبارها الكيان التنفيذي السياسي المُطبِّق للإسلام، تقضي على أجنحة الموت عبر المعالجات الآتية:


1/ تنصب أغلب المعالجات على السياسات الاستباقية للقضاء على مسببات الأمراض من جذورها، فإن درهم وقاية خير من قنطار علاج... وتركز الرعاية الصحية العامة في الغالب على الوقاية من الأمراض أكثر من العلاج، ولذلك فالوقاية من أهم أقسام الرعاية الصحية وأعمها نفعا وأكثرها إنتاجا. فعلى سبيل المثال، فإن (إضافة اليود) غير المكلف إلى ملح الطعام في كثير من دول العالم، خفض من نسبة أمراض الغدة الدرقية والتخلف العقلي الناتج عن نقص اليود بصورة كبيرة. ويقدر اليوم أن أكثر من 91 مليون طفل سنويا كانوا سيصابون بمشاكل تعليمية ونقص في القدرات الذهنية لولا هذا الإجراء، ولأن ملح الطعام يصل الفقير والغني، كان نفع مثل هذا الإجراء عاما. وكذلك الأمر بالنسبة (لإضافة فيتامين D) إلى حليب البقر في الولايات المتحدة، فقد أدى هذا الإجراء العام مطلع ثلاثينات القرن الماضي إلى تحول مرض الكساح إلى مرض نادر في الولايات المتحدة... فتقوم دولة الخلافة بمراجعة كل المخازن الاستراتيجية لضمان أهليتها لحفظ المواد بشكل يضمن إحسان الحفظ فإحسان الرعاية: يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء» رواه مسلم.


2/ بخصوص الاستيراد: تضع دولة الخلافة قوائم مفصلة لكل المواصفات التي ينبغي أن تتوفر في السلع المستوردة، (وقوائم حظر) مفصلة أخرى لكل المواد والسلع غير المسموح بدخولها لكونها مسببة للأمراض أو يشتبه مجرد اشتباه بتسببها في الأمراض... وكل ذلك يكون صمام أمان استباقي لمنع دخول أية نفايات إلكترونية.


3/ بخصوص شبكات المياه والصرف الصحي، فتقوم الخلافة بمراجعة كل هذه الشبكات لضمان عدم تداخلها، ولصيانتها على أتم وجه... ويمكن الاستعانة بقدامى الخبراء (معاشيي الهيئة القومية للمياه، والصرف الصحي) لمعرفتهم الكبيرة بتفاصيل الشبكة ومواضع الخلل فيها، خصوصاً أولئك الذين فصلوا أو أحيلوا للمعاش المبكر لأسباب سياسية، فالخلافة دولة رعاية يهمها صحة الرعايا أولاً وآخراً: «فالإِمَامُ الذي على الناس رَاعٍ وَهو مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» متفق عليه.


4/ تُراجع كل المواد المستخدمة في توصيل شبكات مياه الشرب، كمواسير (الإسبستوس) التي ثبت تسبيبها للسرطان فتزال مباشرة وليس بالتدريج، فصحة رعايا الدولة خط أحمر في الإسلام، بل تزال مباشرة كل مواد التوصيل التي يشتبه مجرد اشتباه بتسبيبها للسرطان أو الإسهالات المعوية وغيرها من الأمراض، فالقاعدة الشرعية الفقهية هي: (الضرر يزال)... وتُراجع شبكات الصرف الصحي، وتكمن أهمية الصرف الصحي في الضرر الجسيم الذي يمكن أن يسببه سوء الإدارة في هذا المجال على التوازن البيئي وصحة الجماعة، فالتقديرات تشير إلى أن 88% من العبء العالمي للأمراض يعزى إلى إمدادات المياه غير المأمونة وانعدام الصرف الصحي والنظافة الصحية. ويعيش 2.6 مليار شخص في العالم - منهم مليار طفل على وجه التقريب - في ظل انعدام القواعد الأساسية للصرف الصحي. وتشير التقارير الغربية إلى أن طفلا واحدا يفارق الحياة كل عشرين ثانية نتيجة رداءة الصرف الصحي، أي ما يقارب 1.5 مليون وفاة سنويا. وقد اعتبرت (المجلة الطبية البريطانية) في استطلاع أجرته مع مجموعة من المختصين أن الإنجاز الصحي الأهم منذ سنة 1840م هو الصرف الصحي، وقد فاق في الأهمية اكتشاف المضادات الحيوية وجميع إنجازات القرن العشرين الطبية.


5/ تُراجع كل المواد المستخدمة في تنقية مياه الشرب، فتمنع مباشرة كل المواد المسرطنة وكذلك التي يشتبه في تسبيبها للأمراض، ولا ينظر إطلاقاً للناحية المالية فصحة رعايا الدولة هي الأساس في هذا الباب، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار» رواه مسلم... ونلاحظ أن المسلمين قد أدركوا أهمية الماء النقي العذب منذ نشوء الدولة الإسلامية في المدينة، فقد روى الإمام أحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ لَمْ يَكُنْ فِيهَا بِئْرٌ يُسْتَعْذَبُ مِنْهُ إِلا رُومَةَ، فَقَالَ: "مَنْ يَشْتَرِيهَا مِنْ خَالِصِ مَالِهِ فَيَكُونَ دَلْوُهُ فِيهَا كَدُلِيِّ الْمُسْلِمِينَ وَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا فِي الْجَنَّةِ؟" فَاشْتَرَاهَا عثمانُ»... «لا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ»، رواه مسلم، وروى ابن ماجه عن جابر بن عبد الله أنه قال: «أَمَرَنَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ نُوكِيَ أَسْقِيَتَنَا وَنُغَطِّيَ آنِيَتَنَا».


6/ ينفق على البنى التحتية (شبكات المياه، الصرف الصحي، النفايات) من بيت مال المسلمين، من أبواب الملكية العامة وملكية الدولة حسب رأي الخليفة واجتهاده الشرعي.


7/ إن الصناعة الحديثة تنتج انبعاثات مختلفة في الهواء، وتدفقات سائلة في الأنهار والبحار والمياه الجوفية، ومخلفات صلبة أخرى، وهنالك أيضا الفضلات المشعة الناتجة عن الصناعات النووية. وكل هذه الانبعاثات والمخلفات تؤثر بصورة أو بأخرى على صحة الإنسان وتؤدي إلى تلوث البيئة وإفسادها. ولذلك كان فرضا على الدولة أن تحافظ على البيئة وصحة الرعية، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «اتَّقُوا الْمَلاعِنَ الثَّلاثَ: الْبَرَازَ فِي الْمَوَارِدِ وَالظِّلِّ وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ»، رواه ابن ماجه في سننه، والحديث وإن لم يكن في الفضلات الصناعية، ولكن النهي ورد لمنع الضرر اللاحق بالمسلمين، فيكون علة يقاس عليها كل ما آذى المسلمين في مواردهم العامة وبيئتهم وطرقهم. وفوق ذلك فالقاعدة الشرعية والحديث «لا ضَرَرَ وَلا ضِرَارَ» يوجب إزالة الضرر الحاصل من المخلفات الصناعية. فيما يخص الاتفاقيات والمعاهدات الإقليمية والدولية بخصوص التلويث الصناعي، كـ(بروتوكول كيوتو الخاص بالاحتباس الحراري 2013م)، و(اتفاقية استوكهولم للملوثات العضوية 2004م) وغيرها من الاتفاقيات، فينظر. فالخلافة لن تشترك في المنظمات الدولية لأن لها أغراضاً استعمارية، بل ستسعى الخلافة لفرض رأي عام عالمي ضد التلوث والنفايات الإلكترونية وتحدث زخماً دولياً ضده، فيقضى على التلوث بالضربة القاضية!.


8/ تقوم الخلافة عبر جهاز (مصالح الناس) بإنشاء البنى التحتية وتنفيذها ومتابعة الإشراف عليها بنفسها. أي لا تقوم بطرح عطاءات مشاريع لشركات خاصة. تنفيذ الدولة للمشاريع بنفسها يضمن فائدتين، أولاهما: التقليل من المال المهدر، فالشركات الخاصة بعد أن تقدر تكلفة إنشاء أي مشروع تضع فوقه هامشاً للربح كبر أو صغر، أما الخلافة الراشدة فهي لا تستثمر في أموال المسلمين ولا تتربح بأموالهم، والخليفة هو خادم مؤتمن على مال الأمة فيحرص على عدم إهدار مال المسلمين (المال العام). ثانيهما: لضمان سهولة محاسبة المسؤول، فالشركات الخاصة بعد التنفيذ قد تعلن إفلاسها أو تخرج من البلاد فتضيع المحاسبة وحقوق الناس.


9/ قضاء الحسبة هو صخرة يتحطم عليها الفساد والمفسدون، فكل من يثبت تورطه في إدخال مواد مسرطنة أو ضارة بالأمة يحاسب حساباً عسيراً وفق الأحكام الشرعية في باب العقوبات... ويجوب قاضي الحسبة الأحياء والشوارع لضمان عمل البنى التحتية وشبكات المياه والصرف الصحي بأكمل وجه، ويتأكد من أن النفايات تجمع بشكل راقٍ وأن البلاد نظيفة لا يمسها سوء.


10/ ينظر القضاء الإسلامي في أي قضية تُرفع في وجه مسؤولي النظام السابق، ممن كان ضمن منظومة الفساد التي أدخلت المواد المسرطنة أو الضارة للبلاد، أو شارك بإهماله في صحة الناس، أو كان جزءاً من مسببات الأمراض، فينظر في القضية وفق الأحكام الشرعية في بابي (البينات والعقوبات)، وتطبق عليه العقوبات الشرعية، لتكون رادعة وزاجرة لكل من تسول له نفسه العبث بصحة الإنسانية: ﴿سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾.


وختاماً: تلك عشر كاملة؛ تقي البلاد والعباد شرور التلوث البيئي وبالتالي تحفظ صحة الإنسان الذي كرمه الله رب الإنسان... وبذلك تكون الخلافة الراشدة على منهاج النبوة؛ دولة الرعاية والكفاية، قد قصقصت أجنحة الموت الثلاثة، فيسقط طائر الموت ويُداس عليه بالأقدام فترفع الرؤوس بالحق إكراماً لله رب العالمين.

﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.


--- --- ---


1/ أما الموضوع الآخر والذي لا يقل أهمية عن النفايات الإلكترونية فهو ما يطلق عليه الضباب الإلكتروني أو E-Smog


2/ تشير الإحصاءات إلى أن حجم النفايات حول العالم تبلغ أكثر من 50 مليون طن من المخلفات الإلكترونية الخطرة، في حين ما يتم التخلص منه لا يتعدى 1.5 إلى 1.9 مليون طن من الأجهزة الإلكترونية التي تدخل في تركيبها مواد سامة مثل الليثيوم والرصاص والزئبق والباريوم... إلخ.

المزيد من القسم سياسة

يا علماء الأزهر: الشام لا تنتظركم تحت راية الاستعمار!!

ذكرت جريدة اليوم السابع في 26/10/2015م، أنها حصلت على نسخة من تقرير مهم لمرصد الأزهر الشريف أكد فيه "أن التحالف مع جيوش غير مسلمة لمواجهة الجماعات المتطرفة وإن كانت مسلمة "جائزة"، ما دامت ليست من قبيل الاستعانة بالمشركين على المسلمين طلبا لخذلان المسلمين، كما ذكر أن من مقاصد الشريعة عمارة الكون ولتحقيقها تمت الاستعانة بهم في نواح عديدة، منها الإدارية والصناعية والكتابية والقتالية وغيرها، واستدل بأن الرسول r استعان حينما هاجر إلى المدينة برجل مشرك ليدله على الطريق، وكان له غلام يهودي يخدمه بالمدينة، ولما قدم إلى المدينة كتب معاهدة بين المسلمين واليهود جاء فيها: (وأن بينهم النصر على من داهم يثرب)، ولما توجه رسول الله إلى مكة عام الحديبية ووصل إلى ذي الحليفة أرسل عينا له من خزاعة يأتيه بخبر قريش، وكان ذلك الرجل مشركا"، ليختم قائلا: "أما التحالف مع غير المسلم في مواجهة جماعة متطرفة تهدد أمن المجتمعات وسلامتها فعلينا هنا أن نفرق بين من يستعين بالمشركين على المسلمين طالبا خذلان المسلمين، قاصدًا هدم دولتهم، هادفًا إلى إضعاف شوكة الإسلام، كارها مبغضا لهذا الدين وأهله، فهذه الحالة نهى عنها ربنا تبارك وتعالى بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، وبين من يفعل ذلك ردا لعدوان فئة باغية لا يستطيع رد عدوانها وحده، مع احتفاظه بسيادة دين الإسلام في بلده ظاهرا غالبا، فلا مانع له أن يستعين بغير المسلمين تحقيقا لمصالح المسلمين؛ ولضرورة أمن المجتمع وسلامته".

من الواضح جدا أن الوضع في الشام يلقي بظلاله على المنطقة كلها، وأن هناك ترتيباً وتحضيرات لكي تصبح مصر مخلبا من مخالب أمريكا في الشام بإدخالها إلى حلبة الصراع كما فعلت في ليبيا من قبل، كجزء من حلف أمريكا في حربها الصليبية الجديدة بعد أن أوشكت روسيا على الفشل، وحتى لا يغضب أبناء الكنانة لتحرك جيشهم تجاه إخوانهم في الشام، ويكون هناك مبرر لقمع من يظهر الغضب منهم، فلا بد من مبرر قوي وفتوى شرعية لخداع أهل الكنانة وأبنائهم في الجيش حتى لا يؤرقهم فيما بعد تلوث أيديهم بدم إخوانهم في بلاد الشام، وبدلا من أن يصدر مرصد الأزهر وعلماء الكنانة بيانا وفتاوى تحرم تلك التحالفات على أبناء الأمة وتجرم الدخول فيها، وتبين وجوب نصرة أهل الشام وأهل فلسطين وغيرهم ورد كيد أعداء الأمة من أمريكا ويهود والغرب الكافر، أصدر المرصد تقريرا أجاز فيه التحالف مع جيوش غير مسلمة لمواجهة الجماعات المتطرفة وإن كانت مسلمة، ما دامت ليست من قبيل خذلان المسلمين، وكأن قتل المسلمين ليس خذلانا لهم أو أنه قد أصبح أحد مقاصد الشريعة، ولا ندري من أين أتى المرصد بهذه الفتوى وما دليله عليها؟! ولا عن أي شريعة وأي مقاصد يتحدث؛ فمقاصد الشرع تحفظ النفس المسلمة لا تقتلها بتحالف مع عدو الله ورسوله وعدو الأمة، والمعلوم من قول رسول الله r «إنا لا نستضيء بنار المشركين» ورده على المشرك الذي لحق بالجيش «إنا لا نستعين بمشرك»، أما الاستعانة في الأمور الإدارية فلم يرد تحريمها، وهي تختلف جملة وتفصيلا عن الاستعانة في القتال فضلا عن قتال المسلمين، والأصل فيها الإباحة ولا يجوز قياسها على قتال أهل البغي من المسلمين بأي حال من الأحوال، فهي ليست من الأمور الإدارية وإنما هي أحكام شرعية لأفعال الأصل فيها التقيد بأحكام الشرع المستنبطة من أدلتها، وما أتى به النص الصريح هنا في قتال طائفتين من المؤمنين ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّه﴾ فالأصل في قتال طائفتين من المؤمنين أن نعمل على الإصلاح بينهما ثم يقاتل المسلمون، والمسلمون فقط دون غيرهم، الفئة الباغية طالما بقيت على بغيها حتى تعود عنه، ولا يجوز لهم أن يستعينوا بكافر على إخوانهم بعدوهم أبدا، فكما في الصحيحين «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ، كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».

وحتى نفصل في الفتوى يجب أن نستعرض واقع الأمة اليوم؛ حيث لا وجود لدولة إسلامية بالمفهوم الشرعي بل كلها بلاد إسلامية يسكنها مسلمون، يحكمها حكام ضرار مغتصبو سلطة وضعهم الغرب الكافر على رؤوس البلاد والعباد لرعاية مصالحه ولقهر الأمة واستعباد شعوبها للغرب الكافر، وكل من حاول الانعتاق من التبعية والتملص من ربقة الغرب يتسلطون عليه بسلاح ثمنه من أموال وأقوات الأمة واصفين كل من حاول الانعتاق بكل أوصاف التطرف والإرهاب والخروج.

وهنا مع هذا الواقع يكون واجب الأمة خلع هؤلاء الحكام وتنصيب خليفة واحد تكون رئاسته عامة لجميع المسلمين ويحصل الحكم ببيعة شرعية صحيحة ويحكم الأمة بالإسلام كاملا شاملا غير منقوص، ويكون له وحده حق تبني الأحكام الشرعية وسنها دستورا وقوانين، بهذا فقط يكون لدينا دولة إسلامية من حقها وحدها قتال البغاة والخارجين، أما هؤلاء الحكام وعلماؤهم وعملاؤهم فهم مغتصبون لسلطان الأمة محاربون لله ورسوله وأوليائه، وهم آخر من يقيم للإسلام وأحكامه وزنا أو احتراما في بلادنا ولا علاقة لهم لا بالشرع ولا بمقاصده، وأول من يدرك ذلك هم العلماء قبل عوام الناس من أهل الكنانة وغيرها، فلا يجوز لهم أن يبرروا ويشرعنوا خياناتهم في تجارة بالإسلام واستغلال واضح لجهل الناس بأحكامه لصالح حكام السوء ومن خلفهم الغرب الكافر عدو الإسلام والمسلمين، والذي يبررون الآن التحالف معه لوأد ثورة الأمة في الشام وغيرها، في محاولة يائسة لمنع عودة الخلافة على منهاج النبوة والتي أصبح نجمها يعلو في الأمة بعمومها والشام خاصة، والتي فضحت العملاء وعلماء السوء وأبت إلا أن تكشف كل متلون مخادع، ولن يبقى ثابتا إلا من يستحقون بحق أن يكونوا كأمثال الصحابة وأن تقام على أكتافهم دولة خلافة على منهاج النبوة يرضى عنها ساكن السماء وساكن الأرض.

يا علماء الأزهر الكرام وأحفاد العز بن عبد السلام سلطان العلماء، لا تكونوا أكثر الخاسرين فتبيعوا دينكم بدنيا غيركم، ولن ينفعكم حكام السوء أو يغنوا عنكم من الله شيئا، فكونوا مع الحق الذي تعلمون وطالبوا أهل مصر الكنانة وجيشها بخلع حكام السوء وإعلانها خلافة على منهاج النبوة، ونصرة أهل الشام وفلسطين وسائر المستضعفين من أبناء الأمة، فهذا دوركم ودورهم، فأنتم ورثة الأنبياء وهم جند الله ورسوله ودرع الأمة وحماة الإسلام فحرضوهم على نصرة الله ورسوله تفوزوا وإياهم ويكون لكم وللكنانة السبق في ركب الجنة.

يا أهل الكنانة وعلماءها وجيشها، يا من كنتم للإسلام درعا وحصنا وكان للإسلام بكم عزٌّ ومنعة من للإسلام، إن لم يكن أنتم من ينتصر لحرمات المسلمات غيركم من يحرر الأقصى دونكم، إن الأقصى والشام لا تنتظركم تحت راية الاستعمار وخلف عدو من أعداء الله ولخدمة الغرب الكافر ولفرض نفوذه ومخططاته ومنع عودة الحياة الإسلامية من خلال خلافة على منهاج النبوة، وإنما تنتظركم أنتم جند صلاح الدين تحت راية رسول الله r، تنتظركم ناصرين فاتحين محررين كما عهد بكم، تنتظركم بأسا شديدا على أعداء الله ورسوله وعزا لدينه ومددا لأنصاره، واعلموا أن نصر الله قادم لا محالة، فليكن بأيديكم أنتم وليكن لكم السبق للفردوس الأعلى مع أنصار الأمس فإنها الجنة، والأيام القادمة أيام فاصلة فانحازوا فيها لما يحب الله ويرضى وانصروا إخوانكم في حزب التحرير واحملوا معهم مشروع الأمة المنبثق عن عقيدتها خلافة على منهاج النبوة تنهي التبعية للغرب الكافر وتعيد عز الإسلام وأهله وتعيد بلادنا سيدة الدنيا كما كانت، اللهم اجعله قريبا واجعله بأيدينا.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد الله عبد الرحمن

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

نعمة الأمن والأمان في الأردن

نتغنى في الأردن بالأمن والأمان، وإذا ما تكلم بعضنا بوجوب نصرة الشام والأقصى رد علينا آخرون بقولهم أنتم تريدون إشاعة الفوضى في البلد والقضاء على الأمن والأمان، ألا ترون ما حدث لأهل سوريا ومصر وليبيا واليمن وغيرهم؟

أقول لمثل هؤلاء: إن نعمة الأمن والأمان والرخاء الاقتصادي كان يتنعم بها أهل مكة، فقد آمنهم الله من الجوع والخوف بينما كانت القبائل من حولهم يغير بعضها على بعض فيقع فيهم القتل والأسر، قال تعالى مذكرا إياهم أنهم كانوا في أمان بينما غيرهم يعيش في خوف ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ فماذا حدث لأهل مكة؟ هل استمر الأمن والأمان؟ هل حافظوا على نعمة الأمن والأمان؟ قال تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾.

أطعمهم من جوع: أمان اقتصادي... كانت خيرات الجزيرة العربية والشام واليمن تجبى إليهم في رحلتين سنويتين، رحلة الشتاء إلى اليمن ورحلة الصيف إلى الشام، وآمنهم من خوف: كانت القبائل تسعى إلى ودِّهم لأنهم أهل الحرم،كما أن الرحلة في الصحراء إلى اليمن جنوبا والشام شمالا دليل على الأمن الذي تنعَّم به تجار مكة.

ولما بعث رسول الله r إليهم طلب منهم أن يحافظوا على هذه النعمة، كيف؟

اسمعوا قوله تعالى ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ

إذن المحافظة على الأمن والأمان تكون بطاعة الله عز وجل، وتنفيذ أوامره سبحانه في الحياة العامة، في الحكم والاقتصاد والاجتماع والتعليم والسياسة الخارجية، وليس الاقتصار على تنفيذ أمر الله في العبادات والأخلاق والمطعومات والملبوسات فقط، قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً﴾ أي نفذوا أحكام الإسلام كلها، فلا يجوز أن نقصر الإسلام على جزء منه ونترك الباقي خوفا من أمريكا وأوروبا وغيرهما من دول العالم.

فحتى نحافظ على الأمن والأمان يجب تغيير الدستور إلى دستور إسلامي وتغيير النظام الحاكم من نظام علماني إلى نظام إسلامي، وأن تسترد الأمة سلطانها وتختار حاكمها لتبايعه على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله r... وفي ذلك تحقيق لعبادة رب البيت.

وأما عصيان الله وإعلان الحرب على أحكامه الشرعية فهو خسران الأمن والأمان، والحكم بغير ما أنزل الله خروج عن طاعة رب البيت، والتنسيق مع روسيا في حربها على المسلمين في الشام خروج عن طاعة رب البيت، والمشاركة في التحالف الصليبي خروج عن طاعة رب البيت، وإباحة الربا باسم الحرية الاقتصادية، وإباحة التعري والسفور والاختلاط والمثلية الجنسية باسم الحرية الشخصية خروج عن طاعة رب البيت، وترك قطعان يهود يمارسون عربدتهم في الأقصى خروج عن طاعة رب البيت، وتأييد نتنياهو في تركيب كاميرات التجسس خروج عن طاعة رب البيت، وخذلان أهل سوريا وتركهم لبشار وروسيا وإيران وحزبها في لبنان خروج عن طاعة رب البيت، وإرسال الجيش الأردني ليحارب المسلمين بدلا من توجيههم لمحاربة يهود وتحرير الأقصى وفلسطين منهم هو خروج عن طاعة رب البيت...

أهل مكة رفضوا دعوة الله فخسروا الأمن والأمان.

انقسم المجتمع إلى مؤمنين وكافرين... أصبح الأخ يعادي أخاه والابن يعادي أباه والزوجة تعادي زوجها والعبد يعادي سيده. عصا العبيد أسيادهم، وعصا الشعب حكامه، وسموا زعيمهم أبا الحكم بأبي جهل. وأمر الله نبيه والمؤمنين بتهديد أبي جهل ﴿كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ ثم أمره أن يعلن الوصف الحقيقي لأبي جهل ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ ثم يستأنف التحدي والتهديد والوعيد ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَه * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ ثم أمر رسوله والمؤمنين بعصيان الحاكم المجرم وإعلان التمرد على دستوره ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾.

لو دخل أبو الحكم في الإسلام وعبد ربَّه الذي أعطاه الأمن من الجوع والأمن من الخوف لما فرق مجتمعه، ولو آمن زعماء مكة لحققوا شرفا ما بعده شرف، ولظل ذكرهم معطراً خالدا، ولكنهم رفضوا الشرف واستغربوا وعد الرسول r بالانتصار على فارس والروم، واتهموه بالجنون، ففقدوا الأمن والأمان وقُتلوا في معركة بدر، أين هم الآن؟!.. في الجحيم والعياذ بالله وقانا الله وإياكم ذلك المصير. أما أولادهم الذين آمنوا بدعوة الإسلام فقد حافظوا على نعمة الأمن والأمان وأصبحوا قادة البشرية.

ونحن في الأردن إذا لم نعِ الدرس وندرك أن الحفاظ على الأمن والأمان لا يكون إلا بعبادة رب البيت... فسنخسر الدنيا والآخرة.. نعوذ بالله من ذلك... وها نحن نرى بعض البوادر في فقدان نعمة الأمن والأمان من انتشار العصابات والعنف في الجامعات والعشائر وفساد الدولة ونهب المال العام والفقر والبطالة... وإذا لم نعد إلى ديننا عودة حقيقية فسيستمر الخسران حتى نجد أنفسنا مشردين لاجئين كأهل البلاد من حولنا... لا قدر الله.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نجاح السباتين – ولاية الأردن