كلمة المهندس صلاح الدين عضاضة في المؤتمر العالمي "عام مضى أيتها الجيوش"
October 21, 2024

كلمة المهندس صلاح الدين عضاضة في المؤتمر العالمي "عام مضى أيتها الجيوش"

كلمة المهندس صلاح الدين عضاضة في المؤتمر العالمي "عام مضى أيتها الجيوش"

الذي عقدته قناة الواقية يوم الخميس 07 ربيع الآخر 1446هـ الموافق 10 تشرين الأول/أكتوبر 2024م

الشعوب الإسلامية بين التعاطف والتحرك المنتج

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أفضل المرسلين سيد الخلق سيدِنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

منذ عام والأمة تنظر إلى غزة والألم يعتصر قلبها وهي تشاهد الإجرام المتواصل ليل نهار بحق أهل الأرض المباركة فلسطين. واليوم ينضم لبنان إلى ضحايا إجرام كيان يهود من القصف والقتل والتدمير.

منذ عام وفي أعماق الأمة سؤال كبير يحتاج إلى الإجابة، سؤال من شأنه أن يأكل العقول من الحيرة، وهو: "كيف يمكن للأمة أن تتحرك تحركا منتجا فتنقذ نفسها من براثن الإجرام؟"

وسنجيب على السؤال من أربعة جوانب:

لقد كان تفاعل الأمة الإسلامية مع أحداث طوفان الأقصى وحرب غزة هو الأبرز منذ ثورات الربيع العربي. ورغم أن حجم المظاهرات هذه المرة لم يعادل حجم تلك التي شهدناها في فترة الربيع العربي، إلا أنها تُشابِهُها في شمولها لجميع الساحات التي تضم جماهير المسلمين.

وسبب ذلك هو أن الأمة في ثورات الربيع العربي، أدركت بأن التحركات الشعبية بالتظاهرات الكبرى كانت سببا مباشرا في إسقاط الحكام سياسيا وإخراجهم من السلطة، فلذلك لم تترك الأمة الشارع بل بقيت ترابط فيه حتى أرغمت الحاكم على الهروب وترك كرسي الحكم.

ثم كان ما كان بأن ظهر النفوذ الغربي الذي كان يختبئ عن أعين الثوار داخل عقول وقلوب كبار قادة الجيوش، فتلاعب هؤلاء بالثورات وانقلبوا عليها، واستعادوا الأنظمة القديمة وأعادوا البلاد إلى الأوضاع الاستعماريّة. وفي تلك الفترة، كان حزب التحرير يحذر الثوار بضرورة كسب ولاء الجيوش، لكن الأمة لم تع أهمية هذه المسألة، وبالفعل انقلب قادة الجيوش على الثورات.

لكن اليوم، ومع أحداث طوفان الأقصى، بدأت الأمة تدرك قيمة علاقتها بجيوشها وأهمية دورها في التغيير، حيث نادت الجيوش بشكل مباشر للتحرك لإنقاذ الأرض المباركة، وقد استجاب أفراد من الجيوش لهذه النداءات.

وهذا تطور جديد لا بد للأمة أن تتمسك به لأن فيه مفتاح وقف العدوان على الأرض المباركة، بل تحريرِ كامل فلسطين. وفيه جواب على السؤال: "كيف يمكن للأمة أن تتحرك تحركا منتجا فتنقذ نفسها من براثن الإجرام؟"

فالجواب هو أنه على الأمة أن تستعيد قرار جيوشها عبر القوى المخلصة في هذه الجيوش. فهي التي عندها الاستعدادات والقدرات والتدريب والتسليح الذي من شأنه أن يذيق يهود وبال أمرهم بل أن يحرر الأرض المباركة فلسطين. فبعد الدروس التي تعلمتها الأمة في الربيع العربي عن دور الجيوش في الإمساك بالسلطة الحقيقة في البلاد وإعطائها لمن تريد، لا بد للأمة أن تسعى لأن يكون ربيعها هذه المرة هو "ربيع جيوش المسلمين" حيث تتحرر قيادات هذه الجيوش من العملاء وتعيد السلطان إلى الأمة الإسلامية.

أما الجانب الثاني من مسألة الوصول إلى معرفة ما هو التحرك المنتج فعلا لنصرة غزة عمليا، فلقد تمثل في حدث أساسي في بداية حرب غزة، فحين بدأت الحرب تشتد على أهل غزة وظهرت معالم سياسة الأرض المحروقة التي اتبعها كيان يهود معهم، حينها اشتعلت قلوب شباب المسلمين وقرروا التوجه إلى غزةَ سيرا على الأقدام فوجدوا أن الذي منعهم هم جيوش بلادهم بأمر من الحكام، فاكتشفوا بأن حدود سايكس بيكو ما هي إلا جدران السجن العالية. سجن صنع كي يستطيع الغرب أن يستفرد بشعوب الأمة الإسلامية، وهذا يوصلنا إلى جواب على سؤال آخر كان شباب الأمة الإسلامية قد طرحوه على أنفسهم، وهو "لماذا لم نستطع نصرة غزة وعدد المسلمين ملياران؟"، والجواب هو أن حدود سايكس بيكو سلبت الميزة العددية من الأمة الإسلامية، فهي صممت لسلب هذه الميزة تحديدا كي يستطيع الغرب أن يستفرد بشعوب الأمة الإسلامية شعبا شعبا. وحدود سايكس بيكو ليست هي السياج الحديدية ولا الجدران الإسمنتية التي تحيط بالبلاد، فهذه ما أسهل على الأمة أن تكسرها، وإنما حدود سايكس بيكو هي بالجيوش التي تحرس هذه الحدود بأمر من الحكام الخونة.

ولذلك يكون الجواب على السؤال: "كيف يمكن للأمة أن تتحرك تحركا منتجا فتنقذ نفسها من براثن الإجرام؟"، هو بأن تستعيد الأمة قيادة جيوشها من يد الحكام العملاء فيفتحوا لها الحدود لكي تصل إلى الأرض المباركة فلسطين بل أن يكونوا هم في الصفوف الأمامية يكبرون وتكبر الأمة من خلفهم فيحرروا فلسطين يدا بيد من رجس يهود المغتصبين.

أما الجانب الثالث من مسألة التحرك المنتج الذي يمكن للأمة أن تقوم به لكي تنصر غزة ولبنان اليوم، فهو يتمثل في أن يدرك الوسط الإعلامي من أصحاب المنابر والمنصات الإعلامية ممن يوجهون أنظار الرأي العام على القضايا، فعلى هؤلاء أن يتنبهوا بأن كيان يهود يضرب غزة بجيش ولا يرد الجيش إلا جيش آخر. لا يرده المجتمع الدولي، ولا محكمته، ولا رأيه العام، فهؤلاء أقصى ما سيقدمونه هو التعاطف، بل التعاطف الكاذب، بل أحيانا الشماتة الوقحة. لذلك على جميع الإعلاميين ممن يعتبر نفسه مخلصا للأمة الإسلامية وقلبه على الأرض المباركة فلسطين، ومعها اليوم لبنان، على هؤلاء أن يصبوا قولهم على دور الجيوش في تخليص فلسطين وأن لا يشغلوا الأمة بأيٍّ من شعوذات الحكام العملاء، ومن خلفهم تشويشات الغرب وأدواته الإعلامية الذي يحاول أن يشتري الوقت لكيان يهود حتى ينهي سياسة الأرض المحروقة في غزة ولبنان.

ولذلك يكون مجددا الجواب على السؤال: "كيف يمكن للأمةِ أن تتحرك تحركا منتجا فتنقذ نفسها من براثن الإجرام؟"، هو بأن كيان يهود يحارِب بجيش ولذلك على الأمة أن ترد عليه بجيش، فلا بد للأمة أن تستعيد قرار جيوشها فتحركها في وجه جيش كيان يهود فتشرد به من خلفه، وهنا دور رجال الأمة من صناع الرأي العام بأن يركزوا قولهم على أن يخاطبوا الجيوش لأن يعيدوا ولاءهم إلى أمتهم الأمة الإسلامية.

أما الجانب الرابع من مسألة التحرك المنتج الذي يجب على الأمة أن تقوم به، فلنراجع الحقائق التالية:

الحقيقة الأولى هي أن الحكام يستخدمون الجيوش لتنفيذ خطة سايكس بيكو لسلب الأمة من ميزتها العددية بأن تعدادها ملياران. فبحجة حراسة الخطوط التي رسمتها اتفاقية سايكس بيكو (وهي اتفاقية ليست بين أبناء الأمة بل بين جنرال بريطاني وجنرال فرنسي)، فبحجة حراسة خطوط هذه الاتفاقية يمنع شباب الأمة من الوصول إلى الأرض المباركة فلسطين، بل إن الحكام يمنعون شباب الأمة حتى من التظاهر نصرة لغزة هاشم.

والحقيقة الثانية هي أن الحكام يستخدمون الجيوش لحماية عروشهم المعوجة، وقراراتهم الخيانية التي تكشف البلاد وثرواتها لمصالح الغرب الكافر المستعمر.

والحقيقة الثالثة هي أن الحكام يستخدمون الجيوش لقصف مدن شعوبهم وتدميرها على رؤوس أهلها تنفيذا لقرارات الغرب الكافر المستعمر كلما أراد أن يشغل الأمة عن الانتفاض على مصالحه الاستعمارية.

فإذاً وعلى ضوء هذه الحقائق، لا بد أن يترسخ لدى الأمة الإسلامية أن العقدة هي في العلاقة مع جيوشها ومن يسيطر على قرار هذه الجيوش.

وبهذا يكون الجواب مجددا على سؤال: "كيف يمكن للأمة أن تتحرك تحركا منتجا فتنقذ نفسها من براثن الإجرام؟"، هو أنه على الأمة أن تستعيد قرار الجيوش، فالجيوش هم أبناؤها وتسليحهم هو من ثرواتها، ومهمتها الأساسية هي حماية مصالح الأمة وشعوبها وأرضها وليس حماية الحكام العملاء والمصالح الاستعمارية للغرب الكافر.

وهنا لا بد للذكر بأن على الأمة أن تتنبه جيدا بأن لا تصطدم بجيوشها أبدا، فهم أبناؤها، بل عليها أن تبدأ بالحديث معها، وخاصة من بيدهم القوة والمنعة في هذه الجيوش.

ولا بد للأمة أن تدرك بأنه: "نعم إن الحكام عملاء"، إلا أن جيوش الأمة هم من جنس الأمة، تشعر بما تشعر به الأمة وتتألم لما تتألم له الأمة، فإن أدركت الأمة هذا الأمر هذه المرة، فسيسهل عليها أن تخاطب أبناءها من أهل القوة والمنعة في هذه الجيوش، وتستمر في حثهم على إعادة ولائهم إلى أن يقفوا في صف الأمة وليس في صف مصالح الحاكم العميل وأسياده من دول الغرب الكافر المستعمر.

وبهذا نكون قد أجبنا على مسألة كيف يمكن للأمة الإسلامية أن تتحرك تحركا منتجا يوصلها لأن تتخلص من رجس يهود وشرهم في فلسطين ولبنان.

فلا يبقى إلا أن نذكّر الأمة الإسلامية بعامتها من شعوب في بلاد المسلمين وخارجها، وبخاصتها من وجهاء وعلماء وإعلاميين ومفكرين ومؤثرين، بأن المسلمين أمة، ولا شأن ولا عزة لأمة لا دولة لها. وطوال تاريخ الأمة الإسلامية كانت دولة المسلمين هي دولة الخلافة. ولقد بشرنا رسول الله ﷺ بعودتها مرة أخرى بعد زوالها، بل إنه بشرنا بأنها ستعود خلافة على منهاج النبوة، أي كما كانت زمن الصحابة رضوان الله عليهم. فقد قال ﷺ في حديثه الشهير «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ».

وإن حزب التحرير قد أعد العدة لهذا الأمر فاستنبط ثقافة من الإسلام من شأنها أن يبنى عليها نظام الحكم في دولة الخلافة بجميع أجهزته، ولهذا وفي ذكرى انطلاق معركة طوفان الأقصى ندعوكم جميعا للعمل الجاد مع شباب الحزب للسعي لإقامة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر