كيان يهود والسنوار ورحلة البحث عن وهم الانتصار
October 24, 2024

كيان يهود والسنوار ورحلة البحث عن وهم الانتصار

كيان يهود والسنوار ورحلة البحث عن وهم الانتصار

منذ انطلاق بث أولى مشاهد ملحمة طوفان الأقصى بصيد وجرّ جنود كيان يهود الغاصب كالخرفان أمام العالم وإخراجهم من دباباتهم ومعسكراتهم وأسْرهم كالضباع بعد تجريدهم من أسلحتهم، منذ ذلك الوقت والكيان بزعامة نتنياهو يبحث عن ترميم صورته واستعادة هيبته، بإيجاد صورة انتصار وهمي يحاول من خلالها عبثا محو الذاكرة الجماعية للشعوب حول خسائره البشرية وهزائمه العسكرية التي مرغت أنفه في التراب، أو محو العار التاريخي الذي لحقه فجر يوم أعاد الأقصى إلى الواجهة كعنوان للمعركة الحضارية الوجودية المستمرة بين الإسلام والكفر.

من أجل ذلك، ظل كيان يهود يلعب دور الضحية ويُغرق العالم بروايات الدجل السياسي والخداع الإعلامي التي يغطي بها جرائمه المروعة في حق غزة وأهلها، ربحاً للوقت وطلبا للعون والمدد من الدول الكبرى وحتى الصغرى، عسى أن تغيثه وتنقذه من المصيبة التي حلت به، وتعيده بالإسعاف إلى موقع التفوق العسكري في المنطقة من خلال استنزاف ما تبقى للديمقراطية الغربية من رصيد متآكل، وغمر الكيان بأعتى الأسلحة وأشدها فتكا بالبشر، مقابل ترويض الجيوش وإلجامها بلجام "الصبر الاستراتيجي"، حتى يتسنى لهذا الكيان المجرم خوض أعظم حرب غير متكافئة عبر التاريخ، متخذا من إراقة الدماء وسيلة للبقاء، فيظن الأغبياء والسذج أن نمرا من ورق قد تحول فجأة إلى أسد ذي مخالب جارحة!

انطلقت رحلة البحث عن وهم الانتصار في اليوم التالي من الحرب، من خلال اعتبار القائد العسكري يحيى السنوار العقل المدبر لعملية السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 في غلاف غزة وعما حصل فيها من خسائر تكبدها جيش الاحتلال، حيث برز اسمه في الإعلام العبري منذ الأيام الأولى للحرب، ووصف المتحدث باسم جيش الاحتلال الكولونيل ريتشارد هيشت، السنوار بأنه "ميت يمشي على الأرض" في إشارة إلى أن كيان يهود مصر على قتله، بما يوحي للجميع بأن الأمر قد يُحسم في ساعات معدودة، ومنذ ذلك الحين انتقلت الأسطوانة المشروخة حول وجود السنوار داخل الأنفاق إلى الأبواق الصهيونية والمتصهينة.

أما الغاية من رفع سقف المواجهة والتحدي إلى مستوى الحصول على رأس السنوار كغنيمة حرب، واستنفار الجميع من أجل تحقيق هذه الغاية، فهي من جهة وضع هدف ممكن التحقيق (في نظر يهود) عند تضافر جهود المخابرات الدولية الداعمة لهم، بما يُمكن لاحقا من الحديث عن انتصار مزعوم كالذي تحدثت عنه أمريكا عند اغتيال أسامة بن لادن، ومن جهة أخرى خوض الحرب الحضارية الوجودية نيابة عن الغرب، باعتبار الكيان قاعدة عسكرية متقدمة للغرب في بلاد الإسلام، وجزءاً من مشروع تقسيمها والحيلولة دون وحدتها، وذلك من خلال استغلال رمزية القضاء على رأس المقاومة والعقل المدبر لعملية السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، بما يحفظ ماء الوجه ويعيد الهيبة لهذا الكيان المتصدع وجيشه الجبان، ويطفئ نشوة النصر التي ملأت قلوب أبناء الأمة قاطبة عند تمزق صورة الجيش الذي لا يقهر أمام أعينهم.

لقد رفع مندوب كيان يهود في الأمم المتحدة، جلعاد إردان، صورة السنوار في أكثر من مناسبة، وربط به قرار وقف إطلاق النار. ولكن قبل هذه المناسبات وبعدها، استمر القتل والحرق والدمار فضلا عن التجويع والحصار، بل استجلبت لهذه المعركة الحضارية البارجات الحربية والطائرات والصواريخ والدبابات وأطنان من القنابل فضلا عن الأسلحة النارية، فسحقت مربعات سكنية ومحيت عائلات بأكملها، ونجحت آلة الحرب في إنتاج محرقة وإبادة جماعية فاقت في وحشيتها جرائم النازية، فدمرت المساجد والمدارس والمستشفيات والمنازل فوق رؤوس أصحابها ولكنها فشلت مقابل ذلك في الوصول إلى السنوار رغم تضافر جهود المخابرات الدولية، على عكس ما حصل مثلا مع قيادات إيرانية!

هذا الفشل الاستراتيجي وهذه المفارقة والمفاصلة الحضارية، تزداد وضوحا حين نضع في الصورة كل من تجند وتخندق للقتال وراء هذا الكيان المسخ وسعى لحمايته ودعمه فضلا عمن سكت عن جرمه وطغيانه؛ فمن التحذيرات المصرية إلى الخيانات الأردنية ومشاركة كل منهما في إسقاط ما وُجّه نحوه من صواريخ باليستية، إلى جسور برية وبحرية من الإمارات والبحرين وتركيا وشحنات وقود قادمة من السعودية عبر موانئ مصرية، إلى اجتماعات عسكرية عربية معلنة مع قادة الكيان وأخرى سرّية، خضعت جميعها إلى رواية يهود التي أقنعتهم بأن الكيان يخوض الحرب بالنيابة لحمايتهم من خطر التطرف والإرهاب ومن أسماهم نتنياهو بمحور الشر (والمقصود هي الوحدة التي تلغي وجود الأنظمة الحالية)، من هذا كلّه ندرك بشكل ملموس بأن الأنظمة العربية هي الخطر الجاثم على صدور أبناء الأمة الإسلامية منذ حصولها على وهم "الاستقلال"، يُضاف إلى خطر الخنجر المسموم الذي زرع في خاصرتها، وأن هذه الأنظمة التي اقتنعت بأنها قشور أمام نواة الكيان الصلبة، بما يجعلها بالضرورة من جنسه أو خط إمداد له، هي بلا شك ذات هدف استعماري واحد، هو إبقاء مشروع الهيمنة الغربية والحيلولة دون قيام دولة إسلامية، وهو ما لا تخفيه أمريكا ولا رأس حربتها كيان يهود، التي تجهر بحربها على مشروع الخلافة.

إلا أن اجتماع الكفر وجنوده وأعوانه، لم ينل من عزيمة وثبات أهل غزة ولا مجاهديهم، رغم تحالف الكفار والمنافقين والحاقدين على الإسلام طوال أكثر من عام لإلحاق الهزيمة بأمة ليس لها دولة، إنما تذود عنها وعن قضيتها فلسطين فصائل مسلحة محاصرة، تحاول دول الكفر دحرها وسحقها نكاية بالأمة وعقيدتها ومقدساتها ومسرى نبيها ﷺ. ومع ذلك انهزم الجمع أمام صورة أخرى من صور الثبات سطرها السنوار نفسه بعصاه التي واجه بها طائرة دون طيار جددت إيماننا بقول الله سبحانه في اليهود وحلفائهم: ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ﴾.

نعم، لقد أذهلت الصورة شعوب الكفر نفسها، ولكنها الصورة التي نقلها إعلامهم لعملية تمت عن طريق المصادفة لا على أساس استخباراتي، ليبرز القائد مع إخوانه بسلاحه وبدلته العسكرية في خطوط التماس الأولى مع العدو، بصورة هذا هو شكلها:

مراقبة للمكان بالطائرات وإطلاق للقذائف بالدبابات من عدد من جنود (جيش الحفاظات)، توسطها اشتباك دام ساعات، لتنقل كاميرا العدو صورة ملهمة من صور التضحية والثبات، ليست غريبة على هذا الطراز من القيادات، فينقلب السحر على الساحر وتأتي الهزيمة النفسية للكيان ومن وراءه من حيث ظنوا أنهم قد عانقوا النصر. وهكذا، انتقل هدف الحرب من رأس السنوار، إلى استمرار القتل والحصار، ومن إنقاذ الكيان من التفكك والضياع والشتات إلى دولة تمتد من النيل إلى الفرات، ومن غزة ولبنان إلى سائر حواضر الإسلام، بغداد وبلاد الشام، وهكذا توسعت أحلام بل أوهام الكيان الذي تضاعفت ممارساته الوحشية وزاد جنوحه نحو الدموية مستندا في ذلك كلّه إلى نبوءات توراتية، تسرع بحتفه بإذن الله.

وبينما يتباهى جيش يهود بالانتصار ونجاحه المزعوم في اغتيال السنوار رحمه الله، تسانده في ذلك رأس الكفر أمريكا، لا تزال جيوشنا تضرب السلام العسكري يوميا لخرق بالية من نسج الاستعمار، وتحرس الحدود الوهمية التي رسمها أعداء الدار، طاعة لحكام فجار خانوا الأمانة واصطفوا مع الكفار، بدل أن تستظل براية التوحيد وتجاهد في سبيل الله طاعة لله ورسوله، لا لحاكم عميل غدّار مكّار.

إن ما صنعته العقيدة الإسلامية في قلوب المجاهدين في الأرض المباركة، بقليل من العدة والعتاد، من خروج عن المألوف في الحروب التقليدية وإضافة نظريات وفصول جديدة في العلوم العسكرية، تتقدمها مسافة الصفر وتطبيقاتها، لهي منتجات عسكرية حُقّ لأمة الجهاد أن تستوردها من الأرض المباركة مدرسة العقيدة والجهاد، حيث تنهار النظريات العسكرية بمستوياتها الاستراتيجية والتشغيلية والتكتيكية أمام قوة العقيدة الإسلامية في نفوس أصحابها، فلا تخضع السنن الربانية في النصر لآليات الذكاء الصناعي أو لمعادلات التطور التكنولوجي، بل تصنع العصا صورة من النصر ومن إغاظة الأعداء والحاقدين تعجز عن صناعتها الأساطيل الحربية المركونة تحت سقف الأنظمة المرعوبة من طوفان الأقصى.

ختاما، وقد تمايزت الصفوف واشرأبت الأعناق لمرحلة ما بعد غزة، وصارت البشرية جمعاء في حاجة إلى من يوقف الرعاية الأمريكية للدمار والخراب ويملأ هذا الفراغ السياسي القاتل، فقد بات واضحا لكل ذي لب وبصيرة بأن الله سبحانه قد اصطفى غزة وشعبها ومجاهديها، ليقيموا الحجة على الأمة بشعوبها وجيوشها وعساكرها؛ بأن تحرير فلسطين من النهر إلى البحر ممكن، وأن طريقه هو الجهاد في سبيل الله، وأن مفتاحه هو الثبات، وأن أقوى ما يتسلح به المؤمن هو العقيدة، وأن القاعدة الشعبية لمن يقود المشروع الإسلامي حصن حصين أمام الأعداء، وأن النوايا الطيبة لا تكفي لخوض السياسة، وأن الصناعة الحربية ممكنة متى توفرت الإرادة السياسية، وأن صناعة القيادات، هو أيضا من الصناعات الثقيلة، ولكنه ليس أمرا مستعصيا على أمة قائدها محمد ﷺ، أنجبت القادة والفاتحين والعظماء، واضطلعت بدورها في قيادة الشعوب والأمم، فملأت دولتها وحضارتها جنبات التاريخ.

هذه هي الحقيقة المحرجة وإن تنكر لها البعض، فمن كانت له همّة وخاصة من أبناء الجيوش، فليقصد بها العلياء، وليتجهز للخلافة القائمة قريبا بإذن الله وليكن من جندها، لينال شرف التحرير بعد هذا المخاض العسير، ويعيد للأمة سيرتها الأولى، فيعيش يوما من أيام الله، كالذي عاشه القائد العسكري وسيف الله المسلول خالد بن الوليد رضي الله عنه عند فتح دمشق.

فبعدما وصلت الجيوش التي أرسلها خليفة المسلمين أبو بكر الصديق رضي الله عنه لفتح بلاد الشام ومواجهة جيوش الروم بأرض المعركة، لحقهم خالد بن الوليد ليتولى القيادة بدلاً من أبي عبيدة بن الجراح. وعند أجنادين؛ إحدى نواحي فلسطين، التقى خالد بن الوليد رضي الله عنه مع أركان حرب الجيش الإسلامي المرابط في الشام، وعقَد معهم جلسة طارئة في غرفة العمليات العسكرية ليجمع شمله، وخطب خطبته العصماء...

قال خالد بن الوليد بعد أن حمد الله وأثنى عليه، لإخوانه من القادة والجند: "إن هذا يوم من أيام الله، لا ينبغي فيه البغي ولا الفخر، أخلصوا جهادكم وأريدوا الله بعملكم، وإن هذا اليوم له ما بعده، فإن رددناهم اليوم إلى خندقهم فلا نزال نردهم، وإن هزمونا اليوم لن نفلح بعدها أبداً، فتعالوا بنا نتعاور (نتبادل القيادة)، فليكن أحدنا اليوم قائداً، وليكن بعد اليوم أحدنا قائداً، حتى يصبح كل منا أميراً على الجيش، وأطلب منكم أن تتركوا لي الإمارة في اليوم الأول".

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المهندس وسام الأطرش – ولاية تونس

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر