كيف نمنع انتكاسة المسلمين مرة أخرى ونعيد ثقتهم بالإسلام السياسي؟
كيف نمنع انتكاسة المسلمين مرة أخرى ونعيد ثقتهم بالإسلام السياسي؟

في مقالة بعنوان "حرب ترامب ضد الإسلام السياسي امتداد للحروب الصليبية الإسلامية" للكاتب الأمريكي جورج فريدمان وهو عضو في الحزب الجمهوري.

0:00 0:00
السرعة:
April 13, 2019

كيف نمنع انتكاسة المسلمين مرة أخرى ونعيد ثقتهم بالإسلام السياسي؟

كيف نمنع انتكاسة المسلمين مرة أخرى ونعيد ثقتهم بالإسلام السياسي؟

في مقالة بعنوان "حرب ترامب ضد الإسلام السياسي امتداد للحروب الصليبية الإسلامية" للكاتب الأمريكي جورج فريدمان وهو عضو في الحزب الجمهوري.. يقول فيها:

"منذ القرن الـ18 تقريبا، بدأ ميزان القوى يميل نحو الأوروبيين. وقد غزت الإمبراطوريات الأوروبية النصرانية العالم، بما في ذلك العالم الإسلامي كذلك. واستطاع الهولنديون في إندونيسيا تحطيم الإسلام السياسي في جزر الهند الشرقية. وتغلبت الإمبريالية البريطانية والفرنسية على الإسلام السياسي في جنوب آسيا وشمال أفريقيا، على التوالي. وفرضت الإمبراطورية الروسية قوتها في القوقاز ووسط آسيا. ومع وهن الإمبراطورية العثمانية وسقوطها، اجتاحت أوروبا الشرق الأوسط. وفرضت الإمبريالية الأوروبية قوتها السياسية على المسلمين، لكنها لم تحطم المبادئ الدينية التي قام عليها الإسلام السياسي. لم يعد المسلمون قادرين على التعبير عن أنفسهم كقوة سياسية وسط السيطرة الأوروبية، لكن جوهر الدين لم ينكسر. ولم يحصر هذا الجوهر الإسلام كدين خاص، لقد رأى شرعية وسلطة الإسلام العامة والخاصة كجزء من نسيج الإسلام نفسه. كان الدين ثيوقراطيا في جوهره. وقد زادت عدم قدرته على عدم التمثيل سياسيا مع مرور الوقت، لكنها لم تكن حالة دائمة".

ووفقا لـ"فريدمان"، "بعد انهيار الإمبراطوريات الأوروبية، بقيت بعض الدول تطفو فوق حطام ما خلفه الأوروبيون خلفهم. لكن أسفل هذا الحطام، كانت طبقة من الإسلام السياسي الذي لم يختف أبدا، على الرغم من عجزه لقرون سابقة. ولقد كانت تلك الطبقة، التي تحررت من القيود، هي ما أدى لصعود القاعدة "والدولة الإسلامية"، فضلا عن العديد من المنظمات الأخرى التي تركزت في العالم الإسلامي، مثل طالبان. ولم يكن ظهور الإسلام السياسي انحرافا، بل هو صراع جزء من الإسلام للعودة إلى مكانه التاريخي".

ويطرح "فريدمان" التساؤل: "كيف ينبغي إذا التعامل مع هذا؟"

ستكون استراتيجية ترامب، وفق فريدمان، "هي محاولة العودة بالعالم الإسلامي إلى الوضع الذي كان قائما في عام 1954. ولقرون، كان الإسلام سياسيا وفي موقف دفاعي مع روح منقسمة. وقد تحقق ذلك من خلال فرض أوروبا نفسها على العالم الإسلامي كما فعلت في مواجهة باقي العالم. وبوضوح، فالأوروبيون ليسوا في موقف يسمح لهم بتكرار ذلك".

ويرى فريدمان أن "المفتاح هو كسر ثقة العالم الإسلامي المتنامية في ذاته.. وبالنسبة لترامب، فالعدو هو الحيوية والثقة المتزايدة. ولا يمكن القضاء على الإسلام السياسي. لكن يمكن القضاء على ثقته. ومفاهيم مثل "التطرّف" التي تستخدم للجدال حول الإجراءات القاسية تفوّت هذه النقطة. فليس الغضب على القسوة هو ما يأتي بالتطرّف، لكنّه الفخر والأمل في المستقبل.

وقد تقود الموافقة على هذه الفكرة إلى نقاش حول إقحام قوّاتٍ أمريكية، ليست مصمّمة فقط لتحطيم حركةٍ ما، ولكن لترسيخ اليأس من الإسلام السياسي لقرنٍ آخر. وهذا ما فعلته القوى الأوروبية في عصرها. وكان اليأس من ذلك الوضع مشهوداً، وجاءت معه فضيلة الاعتدال. وبدون اليأس، لا توجد ميزة واضحة في أن تكون معتدلاً..." انتهى كلام فريدمان.

ملخّص مقال فريدمان: يريد العودة بالبلاد الإسلامية إلى الوضع الذي كان قائما في عام 1954... ويرى كسر ثقتها المتنامية في ذاتها... وينصح ترامب بقوله إنّ: العدو هو الحيوية والثقة المتزايدة. ولا يمكن القضاء على الإسلام السياسي. لكن يمكن القضاء على ثقته... ويقول: إن جذور المشكلة في الشعوب، ويجب إقناع الشعوب أن آمالهم بعيدة التحقق...

السؤال الذي يطرح نفسه الآن:

كيف نمنع انتكاسة المسلمين مرة أخرى وكيف نمنع عودتهم إلى المربع الأول بعد أن قطعوا شوطا طويلا في عودة ثقتهم بالإسلام السياسي؟

إن الثقة تحصل بناءً على برهان يثبت صحة الشيء وصدقه، وهذا البرهان إما أن يكون عقليا مرتبطا بالمشاعر، أي يقوم الدليل العقلي على صحته وصدقه، ويشعر الشخص شعورا صادقا بصحته وصدقته، وإما أن يشعر الشخص بصحته وصدقه فقط من غير أن يقوم دليل عقلي عليه، ومن تكرار ذلك تحصل القناعة وتتولد منها الثقة. فالثقة لا تأتي اعتباطا ولا تذهب اعتباطا، وإنما تأتي من تكرار ثبوت مطابقة الشيء للواقع أو الفطرة عقليا أو شعوريا؛ أي من تكرار ثبوت صحة الشيء وصدقه، وتذهب من تكرار ثبوت عدم صحته وصدقه، هذا هو الذي يوجد القناعة وهذا هو الذي يزعزعها ويذهبها. يعني أنه حتى توجد الثقة لا بد أن تنتقل صحة الشيء وصدقه من دور إقامة البرهان إلى دور البداهة.

وبما أنّ الثقة في نفوس المسلمين وسائر الناس جاءت بإقامة البرهان العقلي والشعوري على صحة الأفكار الإسلامية والأحكام الشرعية وصدقها كان لا بد أن تكون الخطوة الأولى في استمرار الثقة بالإسلام من أجل إنهاض الأمة وإقامة الدولة أن يستمر حملة الدعوة في جعل الوقائع الملموسة والحوادث الجارية تنطق بصحة أفكار الإسلام وأحكامه وصدقها وصلاحيتها.

أما كيف تجعل الوقائع تنطق بذلك؟ فإنه يكون بحمل الدعوة الإسلامية بالطريق السياسي؛ أي بالعمل لإقامة الدولة الإسلامية عن طريق الأفكار الإسلامية التي لها وقائع يجري التعامل بين الناس بها، سواء أكانت أفكارا تتعلق بشؤون الحياة أم تتعلق بتنظيم العلاقات؛ أي بالعمل السياسي لإقامة الخلافة الراشدة عن طريق بث الأفكار الإسلامية والكفاح في سبيلها... فالنظر حين يلفت إلى فساد المعالجات الجارية إنما يلفت لبيان فساد المجتمع الحالي، أي فساد العلاقات القائمة بين الناس، وفسادها ليس آتيا من حيث كونها تجلب منفعة أو تدفع ضررا أو العكس، وإنما هو آت من فساد وجهة النظر في الحياة التي تتحكم في هذه العلاقات وتنبثق عنها هذه المعالجات، ولذلك يجب أن تربط بأصلها ويبين بطلانها من حيث بطلان أصلها لا من حيث المنفعة والضرر، فكان من المحتم أن تربط المعالجات بالعقيدة المنبثقة عنها، وأن تضرب هذه المعالجات باعتبارها منبثقة عن عقيدة فاسدة؛ أي باعتبارها أفكار كفر وأحكام كفر بغض النظر عن وجود المصلحة أو عدم وجودها... فالقضية هي المحافظة على استمرار الثقة بأفكار الإسلام وأحكامه باعتبارها أفكارا إسلامية وأحكاما إسلامية مستنبطة من الكتاب والسنة أو ما يرشد إليه الكتاب والسنة من أدلة...

فإذا استمرّ حملة الدعوة بالقيام بعملهم على الوجه الصحيح، استمرت هذه القناعة عند المسلمين وتركزت الثقة في نفوسهم ووجد رأي عام منبثق عن وعي عام فإنه ولا شك تكون قد دبت النهضة في الأمة وأقامت الدولة مهما وقف في سبيلها من عقبات، لأن الأفكار الدينامية تنسف أكبر قوة سياسية وتدمر كل فكر باطل وكل حكم فاسد. هذه هي الطريقة التي تجعل الوقائع والحوادث تنطق بصحة أفكار الإسلام وأحكامه وصدقها، وهي الاشتغال بالسياسة على أساس الإسلام أي ببث أفكار الإسلام وأحكامه على الأساس السياسي، وبعبارة أخرى حمل الدعوة الإسلامية في الطريق السياسي. ومن هنا ندرك السر في الحملة التي قام ويقوم بها الكفار مباشرة أو بواسطة المأجورين من المسلمين لإبعاد المسلمين عن السياسة وتنفيرهم منها وجعلها تتناقض مع سمو الإسلام وروحانيته. وندرك السر في محاربة الدول الكافرة والحكام العملاء، للحركات الإسلامية السياسية، لأنها تدرك أن هذه الحركات السياسية الإسلامية هي وحدها التي تنهض الأمة وتقيم الدولة وتضرب الكفر وترجع مجد الإسلام. ومن أجل ذلك تحاربها وتنفر المسلمين من السياسة. وإنه لن تستمر ثقة الأمة بالإسلام ولن تنهض الأمة الإسلامية ولن تقام الخلافة على منهاج النبوة وترجع الدولة الإسلامية إلا بالاشتغال بالسياسة على أساس الإسلام.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

إسلام الصعصاع

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر