كيف تحمل الأمّة قيادتها الفكرية إلى العالم؟
August 14, 2022

كيف تحمل الأمّة قيادتها الفكرية إلى العالم؟

كيف تحمل الأمّة قيادتها الفكرية إلى العالم؟

إن الفكر السياسي في أي مجتمع من المجتمعات هو أعلى أنواع الفكر على الإطلاق، وهو يعني التفكير المتعلق برعاية شؤون الناس، وأعلى أنواعه التفكير المتعلق بالإنسان، وفي العالم، من زاوية خاصة، وهي زاوية العقيدة الإسلامية عند المفكر السياسي الذي يتجسد فيه مبدأ الإسلام.

هذا الفكر السياسي، لا بد له من قيادة سياسية حتى يوجد، إذ وجوده في الكتب وأدمغة العلماء أو نقله ودراسته دراسة أكاديمية، لا قيمة له، ولا يعتبر وجودا حقيقيا ومؤثرا في الواقع. ولذلك، كان من الطبيعي أن تعي هذه القيادة الفكر السياسي بشيء من الإبداع وأن تباشر استعماله في منأى عن التكلف، فهي لا تتجاهل الواقع ولكنها لا تخضع له، بل تحاول استخدامه للسير بالمجتمع والدولة نحو الوضع الذي ترتسم في مخيلتها تصاميمه عن إدراك وتدبّر، وهي بذلك أشبه بعمليّة تحويل تصميم هندسي دقيق لبناء معيّن إلى واقع ملموس، وهنا يكمن الإبداع لدى القيادة السياسية، حيث تلتقي قدرتها على إدراك الواقع بالواقع كما هو، وبالحقائق المنطبقة على الواقع، بكل ما يقتضي الأمر من موضوعية وتجرد، ما يساعدها على تنزيل الأفكار والأحكام على الوقائع المتجددة، وقيادة من حولها فكريّا من الموجود إلى المنشود.

فإن كانت الشخصية العادية والقيادة الإصلاحية متقيدة بالواقع حتى يصبح مصدر تفكير لها بحيث تتغير وتتلون بحسبه، فإن القيادة السياسية المبدعة تتقيد بالواقع لتتحكم به وتُغيّره وتصبغه بلونها، وذلك بجعله موضع تفكير لتعالجه كما يطلب المبدأ، دون تجاوزه أو القفز فوقه، أي أنها تجعل معالجتها لواقع موجود، لا لما يمكن أن يكون واقعا.

إن وجود حزب التحرير في الأمة بغاية استئناف طراز العيش بالإسلام، لهو دلالة حسيّة على أن أحاسيس الأمة الإسلامية قد تحولت إلى فكر رغم كل الجراح التي أثخنتها، وأن هذا الفكر قد وجد طريقه إلى الثلة الواعية فيها، ثم تبلور في الفئة المتميزة التي تكوّن الحزب منها، ليسير في الأمة وهو مدرك لفكرته مبصر لطريقته متصور لغايته. فالإسلام كمبدأ هو إحساس الأمة الداخلي، والحزب هو المعبّر عن هذا الإحساس، ويجب أن يبقى كذلك. ولذلك صحّ القول إن قاعدة هذه الأحاسيس (وهي الفكر والعمل من أجل غاية) هي التعبير الحقيقي للمبدأ، كما ورد في كتاب "التكتل الحزبي" لمؤسس الحزب الشيخ تقي الدين النبهاني رحمه الله.

إذ لا بد أن يكون لكل عمل قصد متصور في الأذهان قبل القيام به، وهذا القصد هو جزء من الجو الإيماني، لأن الجو الإيماني يتكون من الإيمان بالمبدأ أي بالإسلام، ومن القاعدة العملية التي هي اقتران الفكر بالعمل، وأن يكونا من أجل غاية. وكون الفكر والعمل من أجل غاية معيّنة، هو المراد من أنه يجب أن يكون لكل عمل قصد، وبالتالي لا يكون العمل لمجرد القيام بالعمل، دون أن تكون له غاية متصورة في الأذهان. وهذا، لا بد من وجوده لدى الحزب باعتباره كلا، ولدى كل عضو من أعضائه. ويجب أن يربى هذا القصد ويوجد في نفوس الجميع.

فالحزب يقوم على الفكرة وحدها، أي على مبدأ الإسلام حسب فهمه هو لأفكاره وأحكامه، فالفكرة وحدها هي التي يقوم عليها، فهي سر حياته، وهي وحدها التي تجعله حياً، وتجعل حياته دائمة. فهو لا يقوم على الأشخاص مهما أوتوا من العلم والجاه والقوة، ولا يهتم بكثرتهم أو قلتهم، ولا يقوم على تأييد الناس له، قلّ هذا التأييد أو كثر، ولا يقوم على ما يوفر له القدرة على العمل مهما كانت هذه القدرة مغرية بالتسهيل والتسيير، والتقدم والارتفاع. ولا يقوم على ما يقربه من الحكم أو يسهل له أن يتولاه وإنما يقوم على شيء واحد هو الفكرة، ولذلك كان من أشهر مقولاته: قضيتنا ليس استلام حكم وإنما قضيتنا هي بناء دولة. لأن الارتفاع الفكري هو الذي يحدث النهضة، والأصل في النهضة ليس أخذ الحكم، إنما هو جمع الأمة الإسلامية على الفكرة الإسلامية وجعلها تتجه في حياتها على هذه الفكرة، ثم يؤخذ الحكم ويقام على تلك الفكرة، وهو ما يعني أن أخذ الحكم ليس غاية في حد ذاته بل لا يصلح لأن يكون غاية، إنما هو طريقة للنهضة عن طريق إقامته على الفكرة.

ويعتبر الحزب هذه الفكرة سر حياته، أي روحه التي يحيا بها، والتي إذا فقدها مات. فالفكرة هي أساس وجوده، وهي أساس حياته، وهي أساس سيره. ولذلك لا يُعنى إلا بالفكرة وحدها، ويوجه همّه كله نحو الفكرة، ويعتبر جل أعماله متعلقاً بالفكرة سواء من حيث التبني، أو من حيث النشر أو من حيث التطبيق، أو من حيث ما يتطلب بناء المجتمع أو يستلزم إقامة الدولة، أو يقتضي إنهاض الأمة، أو يستوجب حمل الرسالة إلى العالم. وإذا كان يعمل لإقامة الدولة وبناء المجتمع، وإنهاض الأمة، وحمل الرسالة إلى العالم، فإنما يعمل بالفكرة، ومن أجل الفكرة. فالفكرة هي كل شيء في حزب التحرير.

والحزب بحمله لهذه الفكرة العالمية، مدرك تمام الإدراك أن الانقلاب الفكري والشعوري الذي يريد أن يحدثه في الأمة سيؤدي بالضرورة إلى جعل المسلمين يحملون قيادتهم الفكرية دوليّا إلى العالم، لتظهر على سائر القيادات الفكرية في جميع الوجود.

كما يدرك أن عليه مهمة القيام بهذا الدور، ولذلك كان لا بد أن تظل الناحية الفكرية هي الأساس، وأن يظل اقترانها بالعمل السياسي فقط، هو حجر الزاوية في العمل. وهنا نعود إلى مسألة ضرورة التأكد من تنزيل الأفكار على الوقائع الجارية سواء من خلال الاتصال الحي والمباشر والحديث مع الناس، أو من خلال الأعمال السياسية المقصودة.

إن قيادة الشعوب هي ذروة الأعمال السياسية ولا يصل إليها أحد إلا بقيامه بالأعمال السياسية، بل لا يتأتى القيام بها إلا من خلال القيام بالأعمال السياسية. فالعمل السياسي هو الطريقة لقيادة الشعوب وهو عينه المادة التي تتكون منها قيادة الشعوب والروح التي تبعث الحياة والنشاط والسير في قيادة الشعوب. وغياب الأعمال السياسية، يعني قتل رغبة الأمة الجماعية في التغيير الجذري، وأملها في التحرر من قبضة النظام العالمي.

فمنطق السياسي هو منطق حيّ شديد التعقيد وهو عملي له واقع أو يجب أن يكون له واقع وليس من همه أن يحافظ على الأساليب ولـكن من همه المحافظة على سلامة الأهداف. فهو يجد من شروط حيويّته عدم التقيّد بالوسائل ولا الأساليب ولـكن من شروط بقائه سلامة الأهداف سلامة تامة من غير أي خدش أو أي انحراف.

فلا يوجد في الأعمال السياسية ما يقيّد الحزب بأسلوب معيّن، بل على العكس، فإن المطلوب هو الإبداع في الأساليب، ولذلك قيل إن الأسلوب يحدده نوع العمل. فقد يعبّر الحزب عن موقفه بنشرة أو بيان، وقد يعبّر بندوة صحفية، وقد يعبّر بهما معا، لأنّ الأهم هو أن يكون له رأي وموقف حيث يجب أن يكون له ذلك. بل قد يكون أسلوب الوقفة الحاشدة (مع حسن اختيار المكان والزمان) أشد تعبيرا عن موقف الرفض مثلا لسياسة حكومية معيّنة، وهكذا...

المهم إذن، هو أن تكون الأفكار والأحكام التي يقدّمها الحزب لبناء الأمّة وصهرها في بوتقة الإسلام معالجات لوقائع، أي أن يتم تنزيل الفكر على الواقع لعلاجه بالإسلام، وحسن اختيار الأفكار التي تعالج ذلك الواقع. يقول الإمام العز بن عبد السلام رحمه الله: "من دخل قرية فشا فيها الربا، فخطب فيها عن الزنا فقد خان الله ورسوله"!

أما عن قدرة العمل الحزبي على التأثير في الواقع، وتقدير ذلك من قبل الشباب، فهناك عوامل تكتنف ذلك التقدير ينبغي فهمها والإحاطة بها، منها تحديد الأفكار المراد إيجادها في الرأي العام، وتحديد آليات وتقنيات إيجاد الرأي العام ثم مقاييس إيجاد هذا الرأي العام.

ومن العوامل المهمة أيضا، هو مقصد الحزب من العمل في تلك الولاية مقابل مقصده من العمل في ولاية أخرى، وعلى سبيل المثال فإن لبنان لا تصلح لأن تكون نقطة ارتكاز، لذلك من الطبيعي أن تختلف الأعمال التي تقوم فيها عن الأعمال التي تقوم في تركيا أو باكستان، وهكذا...

هذا الأمر، ينطبق أيضا على الدّولة التي يُراد لها أن تبعث الحياة في العقيدة الإسلامية عند المسلمين، حيث يجب أن تحسن الدولة اختيار الأساليب المعبّرة عن مواقفها، فقد يكون القيام بمناورات عسكرية واستعراض لقوة الدولة التي يجب أن يهابها الأعداء أفضل من المسارعة إلى توقيع هدنة وصلح عسكري قد يجرئ جهات خارجية أخرى عليها، وقد يكون تحييد طرف من الصراع كما فعل النبي ﷺ في صلح الحديبية أفضل من الدخول في مواجهات مسلحة تضعف الدولة وتوحّد الأعداء ضدّها...

وهكذا، فإن على الدولة كما على الحزب تخيّر أحسن الأساليب من أجل القيام بالأعمال والتأثير في الواقع بما يقتضيه نشر المبدأ وحمل دعوته بين الناس، لتُرعى شؤونهم بالإسلام وتُحمل قيادته الفكرية للعالم أجمع فيُظهرها الله على سائر القيادات الفكرية التي أفل نجمها وانطفأ بريقها عالميّا قبل ميلاد دولة الإسلام، دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة. فماذا لو أصبح للمسلمين دولة وقيادة رشيدة على رأس هذه الدولة؟

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

م. وسام الأطرش – ولاية تونس

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر