كيفية فهم سياسات الدول وطريقة فهم الموقف الدولي
September 09, 2019

كيفية فهم سياسات الدول وطريقة فهم الموقف الدولي

كيفية فهم سياسات الدول وطريقة فهم الموقف الدولي

لا بد للسياسيين وخصوصا حملة الدعوة الإسلامية من فهم سياسات الدول وفهم الموقف الدولي بشكل صحيح؛ لأنه بدون وجود فهم ووعي على سياسات الدول وعلى الموقف الدولي لن يستطيع حامل الدعوة والسياسي المسلم وصناع القرار من التقدم بدعوة الإسلام للأمام قيد أنملة، بل قد يؤدي الجهل في فهم سياسات الدول والموقف الدولي إلى العجز عن الحفاظ على الإسلام بين ظهراني الأمة نفسها. ولهذا كان العمل السياسي والاشتغال بالسياسة من أهم أعمال حمل الدعوة عند المسلمين، وكان فهم سياسات الدول وفهم الموقف الدولي من أهم الأمور لحمل الإسلام للعالمين وللحفاظ على الأمة وعلى مبدئها.

ولكن كيف يتم فهم سياسة كل دولة وكيف يتم فهم الموقف الدولي؟

إنك إذا أردت أن تفهم وتعي سياسة دولة ما من أجل التأثير فيها أو اتقاء آثارها على سياسة دولتك أو أمتك فعليك أن تحدد أولا نوع هذه الدولة من الناحية المبدئية. فالدول في العالم تقسم من ناحية مبدئية إلى دول مبدئية ودول غير مبدئية.

ولكي تستطيع فهم سياسة الدول المبدئية فعليك أن تطلع على الفكرة الرئيسية لهذه الدولة، أي أن تطلع على الفلسفة التي تقف وراء دستور الدولة وأعمالها السياسية. وبما أن هذه الفكرة تؤثر في دستور وأعمال الدولة فتكون هذه الفكرة هي العقيدة الفعلية لهذه الدولة. فقد تحمل الدولة عقائد دينية روحية معينة ولكن ليس لها تأثير في عمل الدولة لا من قريب ولا بعيد. وهذه العقائد ليست هي المقصودة وإنما المقصود هو العقيدة الفعلية التي ترمي بظلالها على سياسات الدول المبدئية وأعمالها.

والعقائد المبدئية في العالم ثلاث لا رابع لها؛ الإسلامية والشيوعية والرأسمالية. والعقيدة الوحيدة الآن التي تحملها بعض الدول في العالم وتدعو لها وتحاول نشرها هي العقيدة الرأسمالية. وأما العقيدتان الإسلامية والشيوعية فلا يوجد دولة في العالم تحملهما بصورة مبدئية وإن سميت بعض الدول بالشيوعية. وإن كانت جميع المؤشرات الفكرية والسياسية في مراكز الفكر والسياسة العالمية تنبئ بعودة العقيدة الإسلامية تحملها دولة إسلامية قريبا باذن الله، ولكن هذا الأمر ليس مقامه الآن والحديث فيه يطول.

وباختصار شديد، فإنك إذا أردت أن تفهم سياسة دولة ما في عالمنا اليوم فعليك أن تحدد أولا إن كانت هذه الدولة رأسمالية أو غير رأسمالية، أي هل تحمل هذه الدولة العقيدة الرأسمالية - عقيدة فصل الدين عن الدولة - وتدعو لها وتعمل على نشرها في العالم أم لا. فإن كانت كذلك فإن سياسة هذه الدولة سيسهل فهمها لأنك استطعت أن تحدد العقيدة التي تتحكم في غالبية سياسات هذه الدولة. وبهذا فإنك ستعرف أن هذه الدولة ذات سياسة استعمارية تمددية تريد استعمار الدول والشعوب واستغلال خيراتها وتطويعها لتصبح دولاً تابعة لها أو دولاً تدور في فلكها على الأقل. وبالتالي ستكون خطط هذه الدول التي تتبنى العقيدة الرأسمالية خططاً استعمارية أيضا لتحقيق مصلحة المبدأ الذي تحمله هذه الدول. وبذلك تكون النفعية والمصالح أساس سياسات هذه الدول وأساس رسم الخطط وانتقاء الأساليب المتعددة لتحقيق هذه المصالح والمنافع المؤدية للاستعمار المباشر أو غير المباشر لدول وشعوب العالم.

ولذا كان فهم الدول المبدئية الموجودة في العالم اليوم يبدأ من تحديد إن كانت هذه الدول رأسمالية أم لا؟ أي هل تتبنى هذه الدول العقيدة الرأسمالية في العمل أم لا؟ فإن كانت كذلك سهل على المتابع فهم خطط وأساليب هذا الدول وبالتالي سهل كشفها والتحذير منها وإبطال مفعولها واتخاذ سياسات وقائية رادعة لها أو عملية للوقوف في وجهها أو على الأقل إضعافها.

وأما إن كانت هذه الدول غير رأسمالية فكيف يتم فهم سياسة هذه الدول؟

إن مثل هذه الدول ليس لها فكرة رئيسية أو عقيدة فاعلة تقف وراء سياساتها، ولذلك كان لا بد من مراقبة خطط وأساليب هذه الدول من أجل فهم سياساتها. وتتبع الخطط والأساليب لهذه الدول مهما تعددت وتغيرت ليس بالأمر الشاق، فهذه الدول غالبا ما يكون مجال عملها محليا وقلما يكون إقليميا، ولكن ليس عالميا.

ومن الأمثلة على الدول المبدئية - التي تتبنى العلمانية كعقيدة عمل - أمريكا.

فعلى السياسي أولا أن يدرك بأن أمريكا دولة مبدئية لأنها تتبنى العقيدة الرأسمالية العلمانية أو (فصل الدين عن الدولة) وبالتالي، كانت الدولة ديمقراطية ودستورها قائماً على أساس الحريات الأربع وكانت سياستها الخارجية استعمارية بامتياز.

ولذلك حينما يتابع أعمالها السياسية الخارجية فسيفهم أنها تتحرك بدافع استعماري مبدئي وبدافع الاستغلال والسيطرة ومد النفوذ. ولذا يفسر كل أعمالها وتصرفاتها مهما بدت خيرة أو صديقة بأن دافعها استعماري وعمل خير يراد به باطل وهو الاستعمار. ولذا لا يخفى على السياسي المتابع والواعي بأن المساعدات والمعونات التي تقدمها الدول الرأسمالية لباقي الدول والشعوب في العالم وكذلك المؤسسات والمنظمات وهيئات حقوق الإنسان والإغاثة الدولية وشبيهاتها ما هي إلا تمهيد لسياسة استعمارية قادمة ونذير شر قريب، كما أنها ستار جميل تختفي وراءه السياسات الخبيثة والمخططات المحكمة للإجهاز على الدول والشعوب التي يراد السيطرة عليها واستغلال ثرواتها واستعمارها. أما السذج والذين لا يدركون حقائق الأمور فإنهم يفسرون الأعمال والسياسات والأساليب هذه بمعزل عن العقيدة الأم التي طبيعتها استعمار واستغلال الشعوب والبلدان، وبالتالي يبتلعون الطعم خلف الطعم والضربة خلف الضربة دون أن يدركوا بأن المشكلة في الأفهام لديهم وليس في سياسة عدوهم تجاههم. وصدق النبي الأعظم حين قال: «لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ».

ومثال على الدول غير المبدئية اليوم (أي الدول التي لا تتبنى العلمانية كعقيدة ونظام حياة) جميع دول العالم الثالث التي هي أصلا مستعمرة لغيرها ويتم رسم سياساتها من الدول الحاضنة ويحكمها جهاز أمني أو مخابراتي تسيره الدول الحاضنة من بعيد لقمع العباد ولتحقيق بعض المصالح الإقليمية للدول الحاضنة.

وأما فهم الموقف الدولي: فيختلف تماما عن طريقة فهم سياسات الدول. فالموقف الدولي ليس بدولة وإنما هو هيكل علاقات بين الدول الفاعلة عالميا والتي تتصارع فيما بينها للوصول إلى مركز الدولة الأولى في العالم. ذلك لأن السياسة الدولية تقودها الدولة الأولى في العالم وهي بذلك تحظى بنصيب الأسد في استغلال واستعمار البلدان والشعوب.

ولهذا كان التسابق على مركز الدولة الأولى في العالم بين الدول الفاعلة دوليا دائما ومتواصلا، ولذلك كان الموقف الدولي غير ثابت وإن كانت حركته وتغيره بطيئا يحتاج عادة لعقد أو عقود ليتغير.

ولذلك كان لزاما على المسلمين فهم الموقف الدولي لمعرفة من هي الدولة الأولى في العالم والدول المزاحمة والمنافسة لها على هذا المركز من أجل معرفة السياسات المتبناة دوليا بالنسبة لقضايا المسلمين خاصة وباقي العالم عامة. وهذا أمر ميسور من خلال متابعة الأخبار والأعمال السياسية في العالم من تحالفات ومنظمات ومؤتمرات مع وجود بعض المعلومات عن المبدأ الرأسمالي.

وهذه المتابعة وتلك المعلومات تجعلك ترسم خطوطاً عريضة للموقف الدولي لتسهل عليك فهم ما يدور في الساحة الدولية ومعرفة من يقف وراء الأحداث وطبيعة العلاقات بين الدول الفاعلة في الموقف الدولي. ولقد أبدع حزب التحرير وتفرد في رسم خطوط عريضة للموقف الدولي جعلته يتميز في تحليلاته السياسية وكشفه للخطط الدولية الموجهة ضد المسلمين بالأخص وكشفها والتحذير منها.

إن عدم فهم الموقف الدولي يوقع في أخطاء جسيمة للغاية: مثال ذلك وأكثرها وضوحا أكثر القضايا الشائكة في العالم منذ مئة عام؛ قضية فلسطين: فالذي لا يتابع الموقف الدولي ولا السياسة الدولية يظن أن اللاعبين الأساسيين في قضية فلسطين هم فتح ومنظمة التحرير وحماس، أو قد يظن البعض أن اللاعب الأساسي هو مصر أو الأردن أو سوريا. وقد يظن البعض أن محور الممانعة - كما يسمونه جورا وتضليلا - هو من يقرر ويحدد الأعمال السياسية والجهادية في فلسطين.

والحقيقة الواضحة في هذا الأمر هي أن اللاعب الأساسي منذ نشأة قضية فلسطين للوجود منذ عام 1917 هم الإنجليز ثم الأمريكان. ولا يوجد لاعب أساسي غير هذين اللاعبين يحددان سياسات فلسطين. ولذلك لا تجد سوى مشروعين لا ثالث لهما بالنسبة لقضية فلسطين منذ نشأتها حتى يومنا هذا. فلا تجد شيئا يدعى المشروع الفلسطيني لقضية فلسطين ولا المشروع الأردني ولا المصري ولا السوري ولا التركي ولا السعودي. بل هناك المشروع الإنجليزي (مشروع دولة علمانية فلسطين يشترك فيها يهود والفلسطينيون والنصارى على غرار لبنان)، وهناك المشروع الأمريكي (مشروع الدولتين) وهو المطروح حاليا لقضية فلسطين. إن عدم مراقبتك للموقف الدولي تجعلك تجهل أهم شيء في هذه القضية وهو أنه لما كانت بريطانيا هي الدولة الأولى في العالم وضعت مشروعا لفلسطين، ولما أصبحت أمريكا هي الدولة الأولى في العالم وضعت مشروعا آخر لفلسطين، وأما باقي الدول التي تتحدث بشأن قضية فلسطين فهم لاعبون ثانويون وأدوات صراع ويدخلون ضمن خطط عمل أمريكا أو بريطانيا. وهذا يشبه إلى حد بعيد الملف السوري وتصورات الحلول الدولية له، فأمريكا تطبق على أنفاس كل من يريد مشاركتها الملف السوري أو مزاحمتها فيه ولهذا تفصيلات ليس مقامها هنا.

ولذا كان فهم سياسات الدول وفهم الموقف الدولي أمرين غاية في الأهمية للسياسيين بشكل خاص وللمسلمين كافة بشكل عام.

وخاتمة القول: إن تنحي الإسلام عن الوجود في الموقف الدولي وبالتالي التأثير في العالم قد غاب بهدم دولة الإسلام التي كانت تحمله بصورة مبدئية، أي بعقيدة الإسلام التي ينبثق عنها نظام حياة مميز؛ الخلافة الراشدة. ولذا لا تجد في العالم نظاماً ومبدأ يقف في وجه الرأسمالية الغاشمة. وإن استئناف الحياة الإسلامية بإقامة دولة الإسلام من جديد قريبا بإذن الله هو الذي سيضع حدا للقتلة والمجرمين والجشعين والاستعماريين الرأسماليين، وسينشر الخير والهداية في العالم أجمع وسيحرر الناس من جشع الرأسماليين بقيادة أمريكا وسيخلص العالم من عقيدة فصل الدين عن الدولة التي اكتوت شعوب العالم بنارها.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

د. فرج ممدوح

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر