لا حلّ لقضيّة السّودان إلّا الحكم بالإسلام
لا حلّ لقضيّة السّودان إلّا الحكم بالإسلام

شهد السّودان منذ (استقلاله) في الأوّل من كانون الثاني/يناير 1956 سلسلة من الانقلابات العسكريّة كانت أوّلها المحاولة الفاشلة التي قادها إسماعيل كبيدة الذي حاول الإطاحة بأوّل حكومة وطنيّة ترأسها إسماعيل الأزهريّ ثمّ تلاها أوّل انقلاب ناجح قاده الفريق إبراهيم عبود في تشرين الثاني/نوفمبر 1958 ضدّ حكومة الأزهريّ المنتخبة.

0:00 0:00
السرعة:
September 01, 2025

لا حلّ لقضيّة السّودان إلّا الحكم بالإسلام

لا حلّ لقضيّة السّودان إلّا الحكم بالإسلام

شهد السّودان منذ (استقلاله) في الأوّل من كانون الثاني/يناير 1956 سلسلة من الانقلابات العسكريّة كانت أوّلها المحاولة الفاشلة التي قادها إسماعيل كبيدة الذي حاول الإطاحة بأوّل حكومة وطنيّة ترأسها إسماعيل الأزهريّ ثمّ تلاها أوّل انقلاب ناجح قاده الفريق إبراهيم عبود في تشرين الثاني/نوفمبر 1958 ضدّ حكومة الأزهريّ المنتخبة.

وفي أيار/مايو عام 1969 وقع الانقلاب الأكثر شهرة في تاريخ السّودان بقيادة العميد جعفر النّميري ومجموعة من الضّباط الشّيوعيّين والقوميّين، واستمرّ حكمه لمدّة 16 عاما. وقد تعرّض لعدّة محاولات انقلابيّة جرت أولاها في عام 1971، ونجح النّميري في عام 1975 في القضاء على محاولة انقلاب ضدّه كان مصير الانقلابيّين فيها الإعدام. وتواصلت محاولات الانقلاب على جعفر النّميري، حيث جرت في تموز/يوليو عام 1976 محاولة انقلاب عنيفة ودارت معارك في شوارع العاصمة الخرطوم، بين قوّات الحكومة والانقلابيّين، انتهت بفشل المحاولة وإعدام قائدها. ولكن بعد كلّ هذه التّحدّيات وفي نيسان/أبريل من عام 1985 لم يصمد حكم النّميري أمام انتفاضة شعبيّة، حيث أزيح عن الحكم وتولّى المشير عبد الرحمن سوار الذّهب - وكان حينها وزيرا للدّفاع - رئاسة مجلس عسكريّ انتقاليّ وكان الوحيد في تاريخ البلاد والمنطقة الذي وفى بوعده وسلّم السّلطة بعد عام إلى حكومة منتخبة برئاسة الصّادق المهدي. ولكنّها - هي الأخرى - في عام 1989 تعرّضت لانقلاب عسكريّ قاده عمر البشير وتولّى منصب رئيس مجلس قيادة ثورة الإنقاذ الوطنيّ، كما تقلّد منصب رئاسة الوزراء ورئاسة الجمهوريّة السّودانيّة معاً.

سلسلة من الانقلابات عاشها أهل السّودان جعلتهم يذوقون ويلات الحروب وعدم الاستقرار. واستمرّت هذه الأوضاع في عهد عمر البشير الذي حكم السّودان بقبضة حديديّة لمدّة ثلاثين عاما أذاق النّاس خلالها مرارة الظّلم والاستبداد، علاوة على إدخاله البلاد في أزمة اقتصادية حادّة. وفي عام 1999 أمر بحلّ المجلس الوطنيّ (البرلمان) وأعلن حالة الطّوارئ في البلاد إثر صراع على السّلطة بينه وبين رئيس البرلمان حسن التّرابي. وتواصلت حركات التّمرّد على البشير وحكومته فكان الرّدّ عليها بالقمع والاضطهاد؛ ففي 2004 مثلا تحرّكت قوّات الجيش إلى دارفور في غرب السّودان للقضاء على حركة التّمرّد التي اتّهمت السّلطة المركزيّة في الخرطوم بتهميش الإقليم، ونزح مئات الآلاف من سكّان دارفور إلى دولة تشاد المجاورة: أوضاع سياسيّة متدهورة وصفها وزير الخارجيّة الأمريكيّة آنذاك كولين باول بأنّها "إبادة جماعيّة".

قامت الحكومة في سنة 2005 بتوقيع اتّفاق سلام مع متمرّدي الجنوب ولكنّه انتُهِك وارتُكِبت خلاله جرائمُ حرب وتمّ إصدار دستور جديد يعطي قدرا كبيرا من الحكم الذّاتي للجنوب وإثر ذلك استقلّ الجنوب فعلا في 2011 بعد استفتاء شعبيّ.

وبعد انفصال الجنوب فقدت الحكومة النفط الذي كانت تنتجه من حقوله واستأثر الجنوب بثلاثة أرباع النّاتج الكلّي فكان أن تعرّض السّودان إلى عجز عن سدّ حاجاته من الوقود وفقد بذلك مصدرا أساسيّا للنّقد الأجنبيّ. وقد أكّدت معظم الإحصاءات الاقتصادية أنَّ 90% من السّودانيين يعيشون تحت خطّ الفقر وأنَّ نسبة البطالة تفوق الـ60%، وقد بلغ التضخّم في شهر حزيران/يونيو 2012 حوالي 37% مع ارتفاع حاد في جميع أسعار السّلع والخدمات يقابله تدهور كبير في دخل الأفراد، وفي المقابل تدّعي الحكومة أنّها ستبدأ في تطبيق الشّريعة الإسلاميّة "الحدود" بدرجة أشدّ صرامة بعد انفصال جنوب السّودان. حيث أكد النّائب الأوّل للرّئيس في خطابه خلال دورة الانعقاد الرّابعة لمُجمَّع الفقه الإسلاميّ أنَّ عمر البشير يحرص على أن يمضي المُجمَّع في طريق النّهج العلميّ وتحرّي الموضوعيَّة و"ترتيب الأولويّات واستخلاص الأحكام الشّرعيّة دون محاباة". فعن أيّ أولويّات يتحدّث؟ فالحكومة التي تسارع في تطبيق الحدود على النّاس الذين لم توفّر لهم أبسط مرافق العيش وجعلتهم يعيشون الفقر والحاجة لا تجد حرجا في إباحة تعاملها بالقروض الرّبويّة (نظراً لعدم كفاية موارد الدّولة الماليّة واحتياجها للتّمويل الخارجيّ)، كما تزعم.

هذا وقد انتهجت الحكومة سياسة ماليّة فاشلة فحجبت السّيولة عن النّاس وعجزت عن توفير دقيق الخبز لهم وهو ما تسبّب في عجز أهل السّودان عن الحصول على الحاجات الأساسيّة وتوفير أبسط مرافق الحياة... إضافة إلى الوضع الصّحّيّ الذي يعدّ مأساويّا؛ ففي إحدى الإحصائيّات التي نشرها موقع "السّودان الآن" سنة 2018 يعاني واحد من كلّ 20 طفلاً في السّودان من سوء التّغذية، وتنتشر الأمراض مثل الملاريا والبلهارسيا التي وصلت إلى مليوني حالة!

يرفعون شعار تطبيق الشّريعة وينتقون من أحكامها بعد قولبتها ما يخدم مصالحهم ومصالح الغرب ويرمون بالأحكام الأخرى أرضاً؛ فلا حكم بالإسلام في سياسة أمور البلاد ولا سيادة، فهم أتباع للغرب الكافر إذ يركنون إليه ويقترضون منه الأموال ويفتون في ذلك ويحلّلونه، ويسمحون له بالتّدخّل في شؤون بلادهم وتقرير مصير شعوبهم... ولا رعاية للنّاس ولا كفالة فأهل السّودان يتضوّرون جوعا ويعيشون في فقر مدقع... فأيّ شريعة هذه التي يطبّقونها؟ إنّ الإسلام كلّ لا يتجزّأ بأحكامه وحدوده يطبّق بوصفه نظاما للحياة ارتضاه الله لعباده ولا يحقّ لعبد أن ينتقي منه بعضه ويترك الآخر. فمن اختار تطبيق الشّريعة عليه أن يقوم على كلّ أحكامها لا ينقص منها شيئا.

ومن ثمّ كان لرفع الدّعم عن الخبز والوقود وارتفاع أسعار الموادّ الأساسيّة وندرة الكثير من السّلع واستمرار السّياسات الماليّة المملاة من صندوق النّقد الدّوليّ وغيرها، وتدهور الوضع الصّحيّ الأثر البليغ في شعور كلّ أهل السّودان بعدم الرّضا عن هذه المعيشة، وانتشرت في البلاد حالة من الاستياء الذي تصاعد وتفاقم يوما بعد يوم، وقد تجلّى بوضوح فساد نظام عمر البشير وتورّطه في التّلاعب بأموال الدّولة، فقد كشف تقرير أصدرته منظّمة النّزاهة الماليّة الدّوليّة، أنّ هذا النّظام قد أخفى حوالي 31 مليار دولار من الصّادرات السّودانيّة، في الفترة ما بين عامي 2012 و2018. وقد أعلنت الحكومة أنّ صادرات البلاد بلغت 65 مليار دولار خلال الفترة المذكورة في حين قدّرت 70 دولة من الشّركاء التّجاريّين للسّودان وارداتها بنحو 96 مليار دولار فكانت الاحتجاجات والتّظاهرات واندلعت نيران الثّورة ضدّ هذه الحكومة في كلّ مدن السّودان وتمّ إسقاطها سنة 2019 بعد أن أعلنت وزارة الدّفاع أنّ البشير قد تنحّى عن منصبه وأنّ الجيش سوف يدير شؤون البلاد.

ورغم الإطاحة بحكم البشير فإنّ معاناة أهل السّودان ما زالت متواصلة في ظلّ صراعات تقوم عليها الدّول الغربيّة وتشرف عليها منظّماتها، ولن تتوقّف هذه المعاناة ولن يكون لها حدّ إلّا إذا طبّقت أحكام الشّريعة كلّها وحكم البلاد من لا يخاف في الله لومة لائم ولا يركن لعدوّ بل يجعل رفع راية الإسلام غايته والقيام على تنفيذ أحكامه هدفه.

#أزمة_السودان           #SudanCrisis

كتبته لإذاعة المكتب الإعلاميّ المركزيّ لحزب التّحرير

زينة الصّامت

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر