January 06, 2015

لا يا بخيتي! السياسة كما أمر الله هي من صميم الدين

نشر الأخ علي البخيتي عضو المكتب السياسي للحوثيين (أنصار الله) مقالاً يطالب فيه بفصل الدين عن السياسة حيث قال (عندما يصبغ الصراع السياسي بصبغة دينية فإن الدين الجامع والرسول الكريم وأهم الشخصيات الدينية يدخلون في الصراع ويصبحون محل تعريض وعامل من عوامل الانقسام، وهنا تفسد السياسة والدين معا، ولذا أدعو دائما إلى فصل الدين عن السياسة، لنحافظ على قدسية الدين ونمارس السياسة بشكل واضح).


يحاول الأخ علي البخيتي أن يوحي للقارئ الكريم أن مشكلة الأمة اليوم تكمن في أنها تساس بالدين كما كان في أوروبا في عصور الظلام وعهد الاستبداد الديني الذي مارسه القياصرة والملوك ورجال الكنيسة على الناس هناك، والواقع يقول أن العكس هو الصحيح؛ فالأمة لم تكن مشكلتها مع الإسلام ولا مع أحكامه السياسية وأنظمته التي ترعى شؤونهم في جميع المجالات في ظل دولة الإسلام الخلافة، وإنما مشكلة الأمة ومنها أهل اليمن وسبب انحطاطها هو نتيجة لإقصاء الغرب الكافر للإسلام عن واقع حياة المسلمين عن طريق القضاء على خلافتهم؛ مما جعلهم يعيشون حالة غير طبيعية؛ حيث عقيدتهم إسلامية، وإن علتها بعض الأتربة واكتنفتها الغشاوة، بينما أنظمتهم التي يساسون بها من قبل هؤلاء الحكام ليست من جنس هذه العقيدة، هذا في ما يخص الحكام، أما في ما يخص الجماعات؛ فقد منعت الجماعات التي تريد إعادة الإسلام إلى واقع الحياة وحوربت، كما هو حال حزب التحرير، وضيق عليها بحجة أن هذه الجماعات مناهضة لعقيدة الغرب ألا وهي فصل الدين عن الحياة والدولة، وأقصيت عن المشاركة السياسية، بينما سمح للجماعات التي تعمل في إطار مبدئه وسياسته أن تشارك في الحكم ولعبته.


لنسأل الأخ علي البخيتي هذا السؤال:


هل لو تمسك الحكام والحركات والجماعات بسياسة الإسلام وأحكامه التي ترعى شؤونهم في الحكم والاقتصاد والنظام الاجتماعي وسياسة التعليم والسياسة الخارجية وجميع الأنظمة التي انبثقت من عقيدة الإسلام، هل سيكون ذلك مشكلة؟؟!! أم أن مشاكل الأمة ستحل وتصبح الحياة في جميع جوانبها كما أمر الله؟!
فالأصل والواجب علينا إذا رأينا الحكام أو الجماعات المشاركة في الحكم لا يلتزمون بأحكام الإسلام في سياستهم، وهو الذي يحصل اليوم أن نقول لهم التزموا بسياسة الإسلام وسوسوا الناس حسب أحكامه لا أن تأتوا بسياسة ميكافيلية الطابع كل همها فقه المصلحة والمنفعة وتنسبوها للإسلام، هكذا الواجب أن نقول لهم ونحاسبهم.


لا يخفى على الواعين في الأمة اليوم أن الحكام ومعهم الجماعات التي يسمح لها بالمشاركة السياسية لا ينطلقون من الإسلام أو الدين، بل ينطلقون في سياستهم من فصل الدين عن الحياة ومن فقه الميكافيلية، ثم يأتون بالدين عندما يوافق مصلحتهم ليشرعنوا لأفعالهم، بل غدا الدين عندهم مجرد شعائر وعبادات على أحسن الأحوال؟!! وهذا الذي يجب أن نعيبه ونحاربه ونشنّع على فاعليه، أما المناداة بفصل الدين عن السياسة كردة فعل على تصرفات هؤلاء فهذا تجنٍّ على الإسلام وجرم وكبيرة في حقه، وهو أخذ لبعضه دون بعض بحجج واهية أقبحها هي كلمة فيما معناها (نفعل ذلك لنجنب الدين المقدس عن السياسة التي هي نجاسة). فعلا السياسة التي ليست من الإسلام في شيء الميكافيلية الطابع الآتية من قمامات الغرب هي النجاسة وأنتم واقعون فيها ولكنكم ربما لا تشعرون لتبلد الإحساس بفعل المجال المغناطيسي للثقافة الغربية الذي تأثرتم به.


أما السياسة التي تسير وفق أنظمة الحياة التي أنزلها الله لتدبير شؤون الناس والتي هي الدين ومن صميمه فهي نور من الله وطهر للمجتمع من الشهوات، ولو تقيدنا بها لحلت مشكلاتنا، وهذا ما يجب أن نسعى إليه ونعمل لإيجاد دولته التي تطبقه.


كثير من الناس لا يعرف السياسة إلا بالمعنى المستورد من الغرب، فما هي السياسة؟!


السياسة كما في لسان العرب: ساس الأمر يسوسه سياسة إذا دبر الأمر فأحسن التدبير، فالسياسة هي رعاية شؤون الأمة داخلياً وخارجياً، وتكون من قبل الدولة والأمة، فالدولة هي التي تباشر هذه الرعاية عملياً، والأمة هي التي تحاسب بها الدولة. وهي من أجلّ الأعمال لأنها عمل الأنبياء، قال صلى الله عليه وسلم: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه آخر إلا أنه لا نبي بعدي وستكون خلفاء... »، بينما السياسة بالمفهوم الغربي هي المكر والخديعة والنفعية، وهذا المفهوم مرفوض لدينا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «المكر والخديعة في النار».


إن ما يجب أن تدركه الأمة الإسلامية أن رعاية شؤونها بالإسلام لا تكون إلاّ بدولة الخلافة على منهاج النبوة، وأن فصل الإسلام عن الحياة وعن الدين هو وأد للإسلام وأنظمته وأحكامه، وسحق للأمة وقيمها وحضارتها ورسالتها.


والدول الرأسمالية تتبنى عقيدة فصل الدين عن الحياة وعن السياسة، وتعمل على نشرها وتطبيق أحكامها على الأمة الإسلامية، وتعمل على تضليل الأمة وتصور لها بأن السياسة والدين لا يجتمعان، وأن السياسة إنما تعني الواقعية والرضا بالأمر الواقع مع استحالة تغييره، حتى تبقى الأمة رازحة تحت نير دول الكفر، دول الظلم والطغيان، وحتى لا تترسم الأمة سبيلاً للنهضة بحال.


وإذا لم تسيَّر أمور الناس ورعاية شؤونهم بنظام منبثق عن عقيدتهم فبأي سياسة سيسيرون؟ ولكن مع جهل المسلمين بالمعنى الصحيح للسياسة من وجهة نظر الإسلام بأنها رعاية شؤون الأمة بأحكام وأنظمة الدين سوق إليهم المعنى المغلوط للسياسة، وهذا المعنى رأسمالي وهو أن السياسة نجاسة والسياسة هي التضليل والكذب والتزوير، وكأن الغرب الكافر ومن معه من المسلمين المضبوعين بالثقافة الغربية يريدون من المسلمين أن لا يلتفتوا إلى فهم السياسة الشرعية وهي رعاية الشؤون في دولة تطبق أنظمة الكتاب والسنة على الرعية في جميع مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والسياسة الخارجية وسياسة التعليم وغيرها، ويريدون من المسلمين أن يستمروا على هذا الحال؛ دينهم مفصول عن سياستهم ودولتهم وحياتهم حتى يساسوا بغير أنظمة الإسلام كما هو الحال لديهم عندما فصلوا الدين في الكنيسة وشرعوا لأنفسهم ما يريدون من التشريعات .وقد كان من السهل قيامهم بذلك كون أديانهم لم تحتو على أنظمة شاملة ومعالجات متكاملة لمشاكل الحياة بالإضافة إلى التحريف والتزوير للأديان السابقة من قبل الأحبار والرهبان بحسب الأهواء والمصالح.


وأما عن الحركات التي تتلبس بلباس الإسلام والتي وصلت إلى الحكم فإنها لم تطبق الإسلام وإنما طبقت غيره من أنظمة العلمانية الرأسمالية ولو كان أفرادها ملتحين ويصلون ويصومون، وكان الغرض من إيصال مثل هذه الحركات هو إيصال مفهوم للناس أن الإسلام السياسي فاشل في رعاية شؤون الناس، ومن أراد أن يتأكد أن هذه الحركات لم تطبق الإسلام ولم تتبناه في برامج حكمها فليرجع لمشروع كل حركة ويأخذ مشروعها ومنهجها المتمثل في الفكرة والطريقة والغاية وليعرض هذه المشاريع على العقيدة الإسلامية وسيظهر له الأمر ويتجلى.


لقد أصبح الدين عند البعض مقصورا على علاقة الإنسان بخالقه، وأنه التزام فردي؛ فقط فصوروا الإسلام بأنه دين كهنوتي كما هو حال الأديان السابقة، مع أن الإسلام من ذلك براء حيث الناظر في أحكامه ومعالجاته يجدها تعالج مشاكل الحياة جميعا، وإذا كان الحكم هو رأس السياسة فماذا نقول في قوله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾، ﴿هم الظالمون﴾، ﴿هم الفاسقون﴾، ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله﴾، ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم﴾... هذه هي المكانة الحقيقية للدين؛ أن يحكم الحياة بجميع مجالاتها وأن ينضبط سلوك الأفراد وفق أفكار ومفاهيم الدين.


أخيراً أنصح من يحمل فكرة فصل الدين عن السياسة أن يراجع نفسه وأن يقوّم أفكاره ومفاهيمه التي تحدد سلوكه في الحياة حسب أحكام وأنظمة العقيدة الإسلامية لا غير، وأن يعمل لأن يكون الإسلام هو أساس الدولة والمجتمع والدستور والقوانين ليرضي رب العالمين ولو أسخط الناس.


لقد كان بعض الناس ممن استهوتهم الشعارات ينتظرون من الحوثيين، (أنصار الله) كما يسمون أنفسهم، أن يطبقوا شرع الله وأن ينصروه بحق، لكن سرعان ما عرفوا أنهم ليس لهم من اسمهم نصيب، وهذا ما يظهر من هذه الأفكار والأعمال التي يقومون بها ليغدو الإسلام شعارا يحققون مصالحهم وأطماعهم من خلاله والله المستعان.


كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير


عبد الله القاضي


عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية اليمن

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر