﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾
February 07, 2023

﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾

﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾

جاء في كلمة جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه التي ألقاها بين يدي النجاشي: "كنّا قوما أهل جاهليّة نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، يأكل القويّ منّا الضّعيف..." تلك هي قيم الجاهليّة التي عاشها النّاس قبل أن يبعث الله رسوله ﷺ بالهدى ليخرجهم من تلك الظّلمات وليرفع عنهم الظّلم الذي اكتووا بناره، دعاهم إلى نور الإسلام وأحكامه العادلة التي شرّعها لهم خالقهم، دعاهم إلى "لا إِلَهَ إِلا اللَّه".

كانت رسالته ﷺ رسالة جامعة مانعة أراد الله بها تغيير كلّ المفاهيم الأخلاقيّة والاجتماعيّة والسّياسيّة الفاسدة التي سادت في كلّ بقاع الأرض؛ رسالة جمعت كلّ الأحكام التي تعالج مشاكل البشر وتمدّهم بالحلول النّاجعة الشّافية التي لا يأتيها باطل ولا نقصان فهي من لدن الخبير العليم. لم يقتصر ﷺ على تغيير الأفراد بل سعى إلى أن يقوّض الأنظمة والقيم التي في المجتمع ووضع أنظمة تنبثق عن عقيدة الإسلام. لقد جاء الإسلام رسالة ممتدّة لم تقتصر على مجتمع ولا فئة ولا عصر ولا مصر، هي رسالة للنّاس كافّة ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نزلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾.

شرّف الله نبيّه بأن جعل رسالته خاتمة لكلّ الرّسالات، فلم يكن رسولا لفئة أو لقوم بل كان مبعوثا للنّاس كافة. لم تقتصر رسالته على الضّعفاء في مكّة ولا على أهله فيها ولا على من جاورها، بل كانت موجّهة لمختلف شرائح المجتمع وفئاته بل للبشريّة قاطبة، دعاهم ﷺ إلى عبادة الله الواحد الأحد وإلى اتّباع أحكامه وتجنّب الشّرك به والتّحاكم لغيره.

نقل الإسلام المجتمع الجاهليّ من عبادة البشر للبشر إلى عبادة البشر لربّ البشر، من عيش في ظلّ أحكام يفرضها الأقوياء على الضّعفاء إلى عيش في ظلّ أحكام عادلة شرعها ربّ العالمين، هي رسالة مانعة متفرّدة متميّزة لا ترقى أيّ رسالة ولا ديانة أخرى لتشاركها في وضع قوانين صالحة تسيّر حياة البشر.

عمل رسول الله ﷺ على نشر هذه الرّحمة في مشارق الأرض ومغاربها فطلب النّصرة من القبائل حتّى تجد دعوته من يدعمها وينصرها ويدافع عنها، ورسّخ هذه المفاهيم في صحابته حتّى يسيروا على دربه ويمتدّ هذا الدّين وينتشر في ربوع الأرض ويصل إلى النّاس كافّة. وهذا ما فهمه الصّحابة رضوان الله عليهم والتّابعون، فقد وعوا غاية خلق الله لعباده ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونَ﴾ وتجلّت لهم عظمة هذا الدّين وتفرّده في حلّ مشاكل النّاس وقدرته على ذلك دون غيره من الشّرائع والقوانين التي وضعها الإنسان، وأنّى لهذا الإنسان بالقدرة على ذلك وهو المخلوق العاجز المحتاج؟!

جاء الإسلام فأحدث تغييرا جذريّا اقتلع به كلّ القيم التي قام عليها المجتمع الجاهليّ وعوّضها بقيم من العزيز الحكيم، قيم بيّنتها أحكام شرعيّة نزّلها الله ليتقيّد عباده بها ولا يحيدوا عنها وحتّى لا يضلّوا السّبيل فيبتعدوا بذلك عن المنهج الذي رسمه لهم. بلّغ ﷺ رسالته وأدّى أمانته وسلّمها لأمّته حتّى تكون قائدة للأمم مرشدة لها لتتّبع طريق الحقّ وحتّى لا يُعبَد في هذا الكون غيرُ الله ولا تسود أحكامٌ وقوانينُ غيرُ أحكامه وقوانينه.

ترك رسول الله ﷺ أمّته خير أمّة بيدها زمام الأمور تقود العالم وتسوده، ولكنّ أعداء الإسلام مكروا لها باللّيل والنّهار وعملوا على إضعافها والنّيل منها وحلّت بالأمّة المصيبة العظمى فأسقطت دولتها التي كانت تقوم على تنفيذ أحكام الإسلام وتحافظ عليها وتنشرها، فهي الأمانة التي استودعها نبيّها إيّاها. تمكّن أهل الكفر من أمّة الإسلام ونشروا فيها مفاهيم فاسدة أضعفت فهمها لدينها وفرضت عليها مفاهيم كفر فصلت دينها عن حياتها فصارت تحتكم لقوانين وضعيّة صرفتها عن التّقيّد بأحكام شرعها وعادت إلى الجاهليّة وسلّمت تسيير أمورها وحياتها إلى غير ربّها.

عادت الأمّة الإسلاميّة والبشريّة قاطبة إلى العيش في الجاهليّة. يقول ابن كثير في تفسيره: "وقوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوْقِنُونَ﴾، ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كلّ خير، النّاهي عن كلّ شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات، التي وضعها الرّجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهليّة يحكمون به من الضّلالات والجهالات، ممّا يضعونها بآرائهم وأهوائهم".

فالجاهليّة ليست حقبة زمنيّة سبقت الإسلام ولكنّها العيش في ظلّ أحكام غير أحكام الخالق. والأمّة اليوم تحيا في جاهليّة، تحيا في ظلّ أحكام وضعيّة بشريّة فرضها عليها أعداؤها. صارت تعيش في ظلّ قوانين تعمل على الحفاظ على مصالح رأسماليّين لا يتوانون عن قتل الآلاف من الأبرياء ولا يكترثون لشكوى الضّعفاء ولا لاستغاثات الأطفال والنّساء. لا يخفى على أحد ما تعانيه أمّة الإسلام خاصّة والبشريّة عامّة في ظلّ ما ساد ويسود من أنظمة وضعيّة. وها هي أقنعة هذه الأنظمة تسقط الواحد تلو الآخر لتكشف عن وجوه قبيحة توارت طويلا وراء شعاراتها الزّائفة وادّعاءاتها الباطلة وظهرت جليّا وحوش آدميّة تتحكّم في العالم وتمعن في تعذيب النّاس وقهرهم بل وتستمتع بذلك.

ابتلاءات كثيرة تشكو منها أمّة الإسلام منذ أن تخلّت عن أمانتها، فتحوّل واقعها مريرا؛ فبعد أن كانت تقود وتسود الأمم صارت في ذيلها؛ ينكَّل بأبنائها وتُنتهك حرماتُها وتُنهب ثرواتُها! واقع لا يخفى على العليم الخبير، واقع بيده سبحانه أن يقضي بتغييره ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ فهو القادر والقويّ وبيده الأمر كلّه. يرقب هذا الواقع الذي تفشّى فيه الفساد وكثرت فيه المعاصي ويصبر عليه فلا يخسف الأرض بالظّالمين ولا يرسل عليهم ريحا صرصرا ولا طوفانا ولا صيحة ولا يأتي بقوم آخرين.

﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ ليظهره الله على الدّين كلّه: أي على سائر الأديان. وثبت في الصّحيح عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِيَ الْأَرْضَ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَسَيَبْلُغُ مُلْكُ أُمَّتِي مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا» فالإسلام دين الله الذي لا يرضى سواه وأحكامه هي القوانين الوحيدة القادرة على تسيير هذه الحياة.

هذا ما يريده سبحانه وتعالى؛ أن يكون الإسلام متفرّدا متميّزا بارزا، أن تتأكّد أمّة الإسلام والبشريّة جمعاء أنّه الدّين الوحيد الذي فيه صلاح البشريّة وفلاحها، وأنّه وحده القادر على حلّ مشاكلها، وأنّ جميع ما شرّع البشر من قوانين إن هي إلّا ترقيعات وحلول قاصرة سرعان ما يظهر بطلانها وعجزها.

لقد بعث الله رسوله بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدّين كلّه وليكون الإسلام هو القيادة الوحيدة التي بيدها إصلاح ما أفسدته وتفسده الأنظمة الجاهليّة التي جعلت لله شريكا يشرّع ويسيّر، ونصّبت بشرا يسنّون الأحكام والقوانين بدل أحكام خالق البشر. بعث الله الإسلام ليكون دين الله الذي ارتضاه لعباده حتّى يحيوا حياة طيّبة ولا اعتبار لأيّ شرائع ولا قوانين أخرى.

يقول سبحانه وتعالى: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ وضع الله سنّته هذه ليمحّص عباده الذين آمنوا ويميّز الصّادقين. امتحان يختبر فيه تقواهم وصبرهم على عبادته وصدقهم في نصر دينه ورفع رايته ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ﴾، ابتلاءات ومحن مرّ بها من قبلُ رسولنا ﷺ وصحابته حتّى يبلّغوا هذا الدّين وينشروه. ضحّوا بأنفسهم وبأموالهم ولم يبخلوا بشيء في سبيل إعلاء كلمة هذا الدّين؛ فقدّم ﷺ تضحيات جساماً من أجل أن يبلغ هذا الدّين مشارق الأرض ومغاربها. لم يصرفه وعيد ولا مغريات، وتحمّل من أجل أن يبلّغ هذه الأمانة كلّ الصّعاب. ذهب أبو طالب إلى أبي جهل وقومه وخاطبهم قائلاً: ما أعظم محمّداً تُعرَض عليه الدّنيا فيأبى ويقول: «يَا عَمُّ، وَاَللَّهِ لَوْ وَضَعُوا الشَّمْسَ فِي يَمِينِي، وَالْقَمَرَ فِي يَسَارِي عَلَى أَنْ أَتْرُكَ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يُظْهِرَهُ اللَّهُ، أَوْ أَهْلِكَ فِيهِ، مَا تَرَكْتُهُ»، وهذا هو درب كلّ مسلم، وعليه أن يسلكه حتّى يظهر الله الإسلام على الدّين كلّه أو يهلك دونه. وما أعظمها من تضحية: شهادة في سبيل إعادة هذا الدّين العظيم إلى حياة النّاس ليحيوا في ظلّ أحكامه العادلة.

إنّ العيش في هذه الحياة التي خلقها الله لا يمكن أن تستقيم إلّا إذا كانت مسيّرة بأوامر خالقها، وما دامت هذه الأوامر مبعدة ومفصولة عن هذه الحياة فإنّ الإنسان سيعود إلى دائرة الظّلمات والجاهليّة وسيعيش في شقاء وضنك لن تنقذه منه إلّا عودة الإسلام وأحكامه وتطبيقها في ظلّ دولة تحافظ عليها وتنشرها رحمة وهدى للعالمين.

فاللّهمّ استعملنا ولا تستبدلنا واجعلنا من شهود نصرك الذي وعدت وتمكينك لعبادك المخلصين حتّى يعود الإسلام هدى ورحمة تشمل حياة البشر وتنير طريقهم.

كتبته للمكتب الإعلامي المركزيّ لحزب التّحرير

زينة الصّامت

#أقيموا_الخلافة             #كيف_تقام_الخلافة                   #بالخلافة_يحصل_التغيير_الحقيقي

#ReturnTheKhilafah        #KhilafahBringsRealChange

#YenidenHilafet     #HakikiDeğişimHilafetle



المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر