لماذا نخاطر في تعبئة جيوش المسلمين لنصرة غزة؟!
April 20, 2025

لماذا نخاطر في تعبئة جيوش المسلمين لنصرة غزة؟!

لماذا نخاطر في تعبئة جيوش المسلمين لنصرة غزة؟!

(مترجم)

سؤال صعب في أجواء الخوف والتهديدات، ولكن بسم الله... لنبدأ

لقد ألهمتني أختنا ابتهال، التي وقفت مؤخراً في وجه شركة مايكروسوفت بسبب دعمها للإبادة الجماعية في غزة. كان موقفاً شجاعاً جريئاً، وتحدياً صريحاً. أنا أبٌ لثلاث بنات، وعمٌ لخمس من بنات إخوتي، لذا شعرتُ بذلك الموقف الشجاع في أعماقي، شعور لا يعرفه إلا من رُزق بمثل هذه النعمة. إنها ابنة تخاطر بالكلام، في حين إن والدها لا يحتمل حتى خدشاً في يدها، ومستعدٌ لأن يفديها بحياته دون تردد.

لقد ذكّرتنا ابتِهال جميعاً، سواء أكنا آباءً أم لا، بصورة اللبؤة التي تحمي أشبالها من أشرس الوحوش، في غياب الأسد. من أين يأتي هذا؟ من محبة الله ﷻ، ومحبة الجنة، وجرعة لا بأس بها من الخوف من النار. هذا هو ما يُبقينا ضمن حدود الله ﷻ، في صيام رمضان، ودفع الزكاة، وأداء الصلاة.. وفي الابتعاد عن شرب الخمر، وكره الزنا، وتجنب الربا...

فإن كانت بناتنا، اللواتي نحن مأمورون بحمايتهن، هكذا، فكيف يجب أن يكون آباؤهن، الحماة الحقيقيون؟ وإن كانت اللبؤات هكذا، فكيف يجب أن يكون الأسود؟ وإن كان حال الناس هكذا، فكيف يجب أن يكون حكامهم؟ وإن كان حال المدنيين هكذا، فكيف يجب أن يكون الضباط العسكريون؟ أليس هؤلاء الضباط والحكام يعرّضون أنفسهم لخطر دخول النار، ولو للحظات؟ فإن عقوبة ترك واجب شرعي، أو الإقدام على حرام شرعي، هي النار، ولو كانت للحظات. حتى إن بعض أهل الجنة سيحملون آثاراً من النار التي دخلوها. هذا هو أساس ما نقوم به بوصفنا مسلمين؛ نتجنب سخط الله ﷻ، نجتهد ونكدّ لننال رضاه ﷻ، إن شاء أن يمنّ علينا بذلك. اللهم ارحمنا وتفضل علينا، اللهم آمين.

نحن لا نفترض أن المغفرة مضمونة. نعم، نعتمد على رحمة الله ﷻ لندخل الجنة ونتجنب حتى لحظة في النار. ولكن هذا لا يعني أننا يمكننا شرب الخمر، وارتكاب المعاصي، والسكوت عن المنكر، وممارسة الزنا، على أمل أن تُجبر سيئاتنا ويغفر الله ﷻ ذنوبنا. فعمرة، أو صدقة، أو إطعام يتيم، قد تعوّض، ولكن لا تجبر تقصيرنا في عدم القيام بواجب شرعي، أو إقدامنا على معصية. فحتى مثقال ذرة من الشر قد يُدخل صاحبه النار.

أنا الآن في منتصف الخمسينات من عمري. ولدي ذكريات جميلة عن محمد علي، بطل العالم في الملاكمة. أحب شيئاً معيناً فعله، إلى جانب كونه سفيراً ملهماً للإسلام، وهو أنه كان يحمل عود ثقاب، ويشعله، ويقرب يده منه إذا ما فكر في الاستسلام لأي من الإغراءات من حوله. والأمل في رحمة الله ﷻ والخوف من سخطه ﷻ هما أمران متناقضان في الظاهر، ولكنهما يتعايشان في قلب المؤمن. قال الله ﷻ: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. وروى أنس رضي الله عنه أن النبي ﷺ زار شاباً وهو في سكرات الموت، فقال له: «كَيْفَ تَجِدُكَ؟« قال: "أَرْجُو اللهَ يَا رَسُولَ اللهِ وَأَخَافُ ذُنُوبِي" فقال النبي ﷺ: «لاَ يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبِ عَبْدٍ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْطِنِ إِلاَّ أَعْطَاهُ اللهُ مَا يَرْجُو وَآمَنَهُ مِمَّا يَخَافُ« رواه الترمذي وابن ماجه.

أتذكر أن والدتي حفظها الله كانت تصب عليّ ماءً بارداً جداً من إبريق كبير، عندما كنت في العاشرة من عمري في شتاء إنجلترا، إذا طلبتُ "خمس دقائق إضافية" لأقوم لصلاة الفجر. وكانت تقول لي بابتسامة عريضة: "هذا يُطفئ نار جهنم. الآن قم يا بني"، لتأديبي بشأن عذاب جهنم بسبب تفويت صلاة واحدة، كنت أتلقى تذكيراً على شكل بلل بارد جدا. لهذا السبب أنا من النوع الذي ينام مبكراً ويستيقظ مبكراً، ونشيط جداً في وقت الفجر، كما تؤكد زوجتي الصبورة منذ ثلاثين عاماً، وبكل حماس.

أمي هي تذكير لي، كونها ابنة لأم بشتونية، وهم من خير الأخوال. أسأل الله ﷻ أن يمد في عمر والدتي في طاعته. اللهم آمين. أما والدي، رحمه الله رحمة واسعة، فكان يشعل الموقد الغازي، ويسألني: "إلى أي مدى يمكنك أن تقرب يدك منه؟" يسمونه الآن "الحب القاسي"، يسمونه "المدرسة القديمة". لكنه تأديب شرعي، وإن لم نعرف ذلك آنذاك. فالأب يؤدب ابنه ليحميه من النار، حتى لو كرهه الابن لأجل ذلك. فحب الأب لابنه يكون بهذا الشكل.

عائلتي من جهة الأب تنتمي إلى مدينة لكناو، في الهند قبل التقسيم، قبل هجرتهم إلى كراتشي في باكستان. كانوا من المجاهدين ضمن حركة "المنديل الحريري"، يقاتلون الاحتلال البريطاني. وكانت نساؤهم يقطفن أوراق الأشجار ويطبخنها تحدياً، عندما كان البريطانيون يحاصرونهم عقاباً جماعياً على ما فعله رجالهم. وما زلت أرى ذلك التحدي، تلك النظرة، في أختي ونساء عائلتي. فاللبؤات لا يقللن شأناً عن الأسود، كما ذكرتني أختنا ابتهال.

أمي ضعيفة الآن، ولكن حتى في ضعفها، وبيدين مرتجفتين، ستسكب إبريق ماء بارد على أي ضابط جيش، أياً كانت رتبته، لتذكره بأنه لا يجرؤ على أن يطلب "خمس دقائق إضافية". لقد مرت ثمانية عشر شهراً دون أن تتحرك الجيوش لنصرة غزة. أبي رحل الآن إلى رحمة ربه الواسعة، أسأل الله ﷻ أن يمنّ عليه بمرافقة النبي ﷺ في الجنة. الموقد الذي كان يشعله لم يعد يُشعل، لكنه ما زال يشتعل في صدري... ولو كان معنا اليوم، لأمسك بأحد أبنائه من الجيش الباكستاني ووضع يده على الموقد، حتى لو كره الضابط ذلك. هذا هو الحب الصارم المطلوب الآن.

النار المتقدة التي يُمثلها ذلك الموقد، تذكر ابنه بأن يتكلم ويتصرف، ربما بلا خوف، أو على الأقل بعد التغلب على بعض من خوفه. بعض ما يفعله الابن الآن من أجل غزة قد يسبب له بعض المتاعب، بل قد يجلب له الكثير من المتاعب، في الواقع، هناك ربح وخسارة. ولكن المكافأة تستحق المخاطرة. وفوق كل هذا، لديه أم تدعو له بالسلامة، وربما بعض أمهات مرضاه يدعون له أيضاً. وهو يتوق بشدة أن يترك إرثاً طيباً لبناته وبنات إخوته، ووضعاً أفضل للأمة، أفضل مما رآه طوال حياته، حتى الألم الشديد الذي رأيناه في غزة. وفوق كل شيء، قال الله ﷻ: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾، ومع كلام الله ﷻ، أتذكر حديث رسول الله ﷺ الذي قال فيه: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ، وَلاَ تَعْجِزْ، فَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلاَ تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَّرَ اللهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ (لَوْ) تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ» رواه ابن ماجه. فالجبان يموت ألف مرة قبل أن ينتهي رزقه وأجله، وكلاهما مقدر من الله ﷻ، مهما فعل. وقد أرانا الله ﷻ شيئاً من ذلك في جميع أنحاء العالم، من خلال صمود أختنا ابتِهال. كل هذا كان مما تحرّك في داخلي حين رأيت لبؤتنا، الأخت ابتهال، تقف شامخة.

إنّ صمود أهل غزة، ودعم لبؤتهم الجسور، أمة الإسلام، ينبع من محبة عميقة لله ﷻ، ولرسوله ﷺ، وللمؤمنين، ومن أمل في نيل رضوان الله والفوز بالجنة، ونعم، من خاف من النار اتعظ. لقد أدّى مسلمو غزة واجبهم الشرعي، وحان الوقت لأمة الإسلام وجيوشها أن تؤدي واجبها، وتُزيل كل من يعترض طريقها، بشجاعة اللبؤة التي تحمي أشبالها وسط الوحوش، في غياب الأسد.

يا ضباط القوات المسلحة من المسلمين: لقد نهضت الأمة وهي تناديكم لنصرتها، كونوا أسود عزّتكم، وأسود أمة محمد ﷺ، وافترسوا الوحوش الكاسرة لوجه الله ﷻ! ولا يجرؤ أحد منكم أن يطلب "خمس دقائق إضافية" قبل أن يفعل، لأن الأمهات في هذه الأمة ما زلن يحملن جراراً كبيرة من الماء البارد لتذكيركم، إن نسيتم، أو تعمدتم النسيان. ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مصعب عمير – ولاية باكستان

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر