لماذا تهتم الصين بشأن تركستان الشرقية (شينجيانغ)
لماذا تهتم الصين بشأن تركستان الشرقية (شينجيانغ)

إن تمادي الصين في قمع المسلمين هو أمر لم يسبق له مثيل في جميع أنحاء العالم. وقد شهد العام الماضي موجة من التقارير وأشرطة الفيديو تظهر أن مسلمي الإيغور محتجزون في معسكرات في أنحاء غرب الصين. ومع تصاعد الضغط في وسائل الإعلام الغربية التي لها سياستها الخاصة، اضطر النظام الصيني أن يعترف بالواقع المظلم:

0:00 0:00
السرعة:
February 24, 2019

لماذا تهتم الصين بشأن تركستان الشرقية (شينجيانغ)

لماذا تهتم الصين بشأن تركستان الشرقية (شينجيانغ)

(مترجمة)

إن تمادي الصين في قمع المسلمين هو أمر لم يسبق له مثيل في جميع أنحاء العالم. وقد شهد العام الماضي موجة من التقارير وأشرطة الفيديو تظهر أن مسلمي الإيغور محتجزون في معسكرات في أنحاء غرب الصين. ومع تصاعد الضغط في وسائل الإعلام الغربية التي لها سياستها الخاصة، اضطر النظام الصيني أن يعترف بالواقع المظلم:

تم بناء جزيرة من معسكرات الاعتقال، هكذا نقلت وكالة أنباء شينخوا الصينية الرسمية في 13 تشرين الأول/أكتوبر 2018، عن مسئول أن "التزمّت" في الدين يجب أن يتم التخلص منه. على الرغم من صعود الصين الاقتصادي العجيب، فقد ناضلت مع هذه المنطقة المضطربة، ولكن أهميتها للصين ليست استراتيجية فحسب بل هي وجودية.

تقع منطقة شينجيانغ ذاتية الحكم التي يحكمها الإيغور في شمال غرب الصين وتمتد على مساحة تزيد عن 1.6 مليون كيلومتر مربع. وتمثل المنطقة سدس الأراضي الصينية وتحدها ثمانية بلدان. اليوم تعد شينجيانغ موطناً لحوالي 21 مليون شخص ينتمون إلى ثلاث عشرة مجموعة عرقية مختلفة، وأكبرها هم مسلمو الإيغور. كانت شينجيانغ قناة تاريخية ومركزاً للتبادل الاقتصادي والثقافي بين الشرق والغرب، وأصبحت شينجيانغ جزءاً مهماً من طريق الحرير. وقد شهد نهوض الإمبريالية الأوروبية في القرن التاسع عشر التوسع في الإمبراطوريتين الروسية والبريطانية إلى آسيا الوسطى. حيث زادت روسيا الإمبراطورية نفوذها على طول الحدود الشمالية للصين خلال القرن التاسع عشر ونتيجة لذلك جلبت أسرة تشينج المنطقة تحت سيطرتها وأسست شينجيانغ كمقاطعة صينية رسمية في عام 1884. لكن الإدارة واجهت مقاومة مستمرة من السكان المسلمين وفي النصف الثاني من القرن التاسع عشر، عندما واجهت تشينج الصين حروب الأفيون والتمرد الداخلي الذي لا نهاية له والتدخل الأجنبي، لذا لم تتمكن من الحفاظ على وجود عسكري قوي في شينجيانغ.كما أدى انهيار أسرة تشينج في عام 1911 إلى تلاشي السيطرة الصينية على شينجيانغ عمليا. وتطلب الأمر من ماو تسي تونغ في عام 1949 إلغاء استقلال الإقليم وإلحاقه بجمهورية الصين. وفي هذه المناسبة حاول ماو تفريغ المنطقة من سكانها المسلمين عن طريق إعادة توطين المناطق قسراً وإعادة توطين الصينيين الهان في المنطقة المضطربة. هذه السياسة التي ما زالت سارية المفعول حتى اليوم فشلت إلى حد كبير وهي التي بلغت ذروتها في أعمال الشغب في أورومكي في عام 2009.

تمثل منطقة شينجيانغ واحدة من أربع مناطق عازلة للصين. هذه المناطق العازلة تحمي قلب الصين التي يقطنها الهان. وينقسم قلب الأراضي الصينية إلى جزئين شمالي وجنوبي، ويمثلهما بدوره لهجتان رئيسيتان هما الماندرين في الشمال والكانتونية في الجنوب. يتم تعريف قلب الصين من خلال نهرين رئيسيين - النهر الأصفر في الشمال ونهر اليانغتسي في الجنوب. هذا القلب هو المنطقة الزراعية في الصين. لا ينتشر سكان الهان بالتساوي في جميع أنحاء الصين. يتركز السكان في الشرق لأن غرب الصين لديها كمية قليلة من الأمطار ولا يمكنها المحافظة على عدد كبير من السكان. وبالتالي، فإن الصين بلد ضيق نسبياً، وفيه عدد كبير من السكان. تحيط حلقة من المناطق غير الهانية بهذا القلب - التبت ومقاطعة شينجيانغ ومنغوليا الداخلية ومنشوريا. هذه هي المناطق العازلة التي كانت تاريخياً تحت الحكم الصيني عندما كانت الصين قوية وكسرت عندما كانت الصين ضعيفة أو تم استخدامها من قبل قوى أجنبية للتدخل في عمق الصين. هذه هي المناطق التي نشأ فيها التهديد التاريخي للصين. ولكن بصرف النظر عن توفير المخازن المؤقتة، فإن هذه الممتلكات توفر حدوداً يمكن الدفاع عنها للصين. لذلك فإن شينجيانغ واحدة من أربع مناطق حيوية بالنسبة لسلامة الصين الإقليمية.

لقد كانت المعجزة الاقتصادية في الصين متوقفة على الوصول إلى الطاقة والسلع. إن منطقة شينجيانغ هي منطقة حرجة تحتاج إلى تغذية الآلة الاقتصادية في الصين، كما أنها تتمتع بموقع استراتيجي كطريق للإمداد. تحتوي شينجيانغ على أكثر من 20٪ من موارد الفحم والغاز الطبيعي والنفط في الصين، وتتمتع شينجيانغ بأكبر تجمع لاحتياطيات الوقود الأحفوري في أي منطقة في البلاد. تعتبر حقول النفط في كاراماي واحدة من أكبر الحقول في الصين، ولدى المنطقة رواسب واسعة من الفحم والفضة والنحاس والرصاص والنترات والذهب والزنك. وتعد شينجيانغ أكبر منطقة منتجة للغاز الطبيعي في الصين، وهي بمثابة طريق مهم للتجارة وخطوط الأنابيب إلى منطقة آسيا الوسطى وما وراءها. كما تعد شينجيانغ جزءاً من سعي الصين لتنويع مصادرها النفطية حيث إن المنطقة هي أيضاً طريق عبور رئيسي. إن شينجيانغ هي المنطقة الوحيدة في الصين التي تجاور جمهوريات آسيا الوسطى، حيث يتعين على نفط آسيا الوسطى (ونسبة كبيرة من النفط الروسي) أن يدخل شبكة خط الأنابيب الصينية من شينجيانغ. كان أول خط أنابيب نفط وطني تم إنشاؤه لهذا الغرض هو خط أنابيب النفط الصينية الكازاخستانية المحدودة التي بدأت ضخ النفط في تموز/يوليو 2006. يبدأ خط الأنابيب هذا في أتاسو بشمال غرب كازاخستان، ويدخل إلى إقليم شينجيانغ في ألاشنكو على الحدود الكازاخستانية الصينية وينتهي في بتروتشاينا دوشانزي. في حين إن شينجيانغ أضاعت معجزة الصين، فقد غذت الصين حرفياً، ولهذا السبب فهي منطقة ذات أهمية استراتيجية.

شهدت الصين صعوداً اقتصادياً في إنشاء المناطق الاقتصادية الخاصة على المناطق الساحلية في الصين حيث تم تصنيع السلع للعبور إلى العالم عبر المحيطات. إن المشكلة التي تعاني منها الصين هي أن اقتصادها يعتمد على الطرق البحرية، لكن الصين ليس لديها جيش قادر على تأمين خطوط الإمداد البحرية هذه. هذا لأن البحرية الأمريكية تسيطر على محيطات العالم، وأي حصار على الجزر الصغيرة الكثيرة المحيطة بالصين في المنطقة سيؤدي إلى شل اقتصادها. هذا هو المكان الذي تدخل فيه شينجيانغ إلى الصورة لأنها كانت تاريخياً الطريق البري الرئيسي للصين إلى العالم. يوفر غرب الصين وصولاً موسعاً إلى بحر العرب عبر باكستان، وإلى المحيط الهندي والخليج الفارسي. تستطيع الصين الوصول إلى باكستان وآسيا الوسطى والشرق الأوسط وكل أوروبا وآسيا عبر شينجيانغ وموارد النقل البري وتجنب الاعتماد المفرط على الطرق البحرية الضعيفة. ولهذا السبب سيكون لدى مبادرة الحزام والطريق الضخمة في الصين أقسام متعددة تمتد عبر شينجيانغ لربط البلد بأكمله بأوراسيا وما وراءها. وبهذه الطريقة أصبحت شينجيانغ شيئاً من العمود الفقري الجغرافي للتوصيل الاقتصادي عبر أوراسيا. تعد هذه المبادرة بأكملها ذات تداعيات هائلة على العلاقات التجارية للصين والتأثير العالمي، وفي قلب هذا هو شينجيانغ.


للأسباب الاستراتيجية والاقتصادية والتجارية والديموغرافية والسياسية تمثل شينجيانغ قضية وجود للصين. لكن على الرغم من إلقاء الكثير من الأموال في المنطقة وفي الماضي باستخدام القبضة الحديدية، إلا أنها فشلت في كسب المسلمين في المنطقة. في حين إن وسائل الإعلام الغربية قد اكتشفت الآن ما تقوم به الصين، فإن تكتيكات بكين تتبع خطا الغرب التي لديها استراتيجيات مماثلة للتعامل مع سكانها المسلمين، الذين ناضلوا طويلاً من أجل الاندماج. لقد فشلت هذه التكتيكات في الغرب وستفشل على الأرجح في الصين. والقضية المحبطة بالنسبة لزعماء الصين هي أن مستقبلها الاقتصادي والسياسي يمر عبر منطقة يسكنها المسلمون الذين تقاتلهم بكين منذ أكثر من قرن.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عدنان خان

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر