لمن لا يريدون الخلافة ولمن لا يهتمون بأمرها: تصوروا التالي واصدقوا!
March 06, 2021

لمن لا يريدون الخلافة ولمن لا يهتمون بأمرها: تصوروا التالي واصدقوا!

لمن لا يريدون الخلافة ولمن لا يهتمون بأمرها: تصوروا التالي واصدقوا!


تصوروا أمريكا وهي مستعمرة إنجليزية قبل أن تصبح دولة مستقلة، فلا شأن لها ولا لساكينها، ترونها وقد أصبحت دولة قوية بوحدة أكثر من خمسين ولاية، حتى صارت أكبر دولة في العالم، ولكن بعد مرور مئتي عام عقب الحرب العالمية الثانية. فلو لم تكن هناك دولة قائمة على فكرة، وحكامها مستقلون يسيرون حسب فكرتها لما كانت هناك قيمة لأمريكا ولا لقاطنينها.


تصوروا ألمانيا وهي عبارة عن إمارات متنازعة، فسهل على نابليون احتلالها، فلم تكن لها قيمة، حتى جاء بسمارك ووحدها في دولة عام 1870 فأصبحت من كبريات دول العالم حتى هزمت في الحرب العالمية الأولى وفرض عليها الحلفاء ما فرضوا من نهب لثرواتها وأقاموا فيها حكومة وايمر ذليلة تابعة لهم، حتى جاء هتلر فأسس حزبا على فكر معين لتخليص ألمانيا ونهضتها، فوصل إلى الحكم وجعلها دولة كبرى. فعندما هزمت في الحرب العالمية الثانية تأسست فيها دولة ديمقراطية حسب إملاءات المحتلين لها وقد قسمت حتى لا تعود دولة كبرى. وقد أعادت وحدتها وبدأت تتطلع لأن تعود دولة كبرى.


وهكذا تصوروا كل بلد وكل شعب بدون دولة تستند إلى فكرة آمن بها شعبها، وإرادتهم ذاتية، السلطان لهم، ينصبون حكامهم الذين ينفذون هذه الفكرة ويضبطون حكامهم حسبها. فإن لم يكن كذلك فلا يمكن أن يكون هذا البلد وهذا الشعب إلا ذليلا وخاضعا لدولة أخرى.


تصوروا الإسلام بلا دولة قبل أن يقيمها رسول الله ﷺ، وتصوروا العرب وهم قبائل متناحرة لا شأن لهم، منهم أتباع للروم وأتباع للفرس، فهل كانت لهم قيمة؟! وهل كان للإسلام شأن لو لم تكن له دولة وقد صهر كافة الشعوب عربا وعجما في بوتقته؟ فخلال عشر سنوات وفي أواخر عهد رئيسها الأول رسول الله ﷺ أصبحت دولة كبرى تزاحم أكبر دولتين في العالم فارس والروم، وبعد عشر سنوات أخرى على عهد رئيسها الثالث وخليفتها الراشدي الثاني عمر رضي الله عنه أصبحت أكبر دولة في العالم واستمرت ستة قرون هكذا، وبعد فترة هجمات الصليبيين والمغول ومقارعتهم التي استمرت أكثر من مئة عام أعادت بناء نفسها حتى عادت أكبر دولة في العالم لنحو أربعة قرون، ومن بعد ذلك سادت أكثر من قرنين من الزمان وهي دولة كبرى حتى تمكن الكفار من إسقاطها بواسطة أوليائهم العملاء الخونة، وأهلها في غفلة من ذلك! فلو لم تكن للإسلام دولة عمّرت ثلاثة عشر قرنا فهل كان للإسلام شأن؟ وهل كانت للأمة قيمة وقد بلغ ملكها مشارق الأرض ومغاربها من المحيط إلى المحيط؟! وهل كانت لها نهضة وعزة وسؤدد؟!


تصوروا هذه الدولة عندما احتلها الكفار المستعمرون وقد أصبحت تحت هيمنتهم، ومن ثم قاموا وكسروا تاجها تاج الفروض الخلافة! وحتى لا يطالب المسلمون بها أقاموا على أنقاضها دولا تابعة لهم بلغت الخمسين ويزيد. وقالوا لكل شعب هذه دولتكم قومية وطنية لها حدود مرسومة مقدسة فدافعوا عنها حتى الموت! ونصبوا على كل دولة حكاما تابعين لهم. فكل دولة منها غير شرعية، لا في الأساس ولا في البناء ولا في الحقيقة. فقد أسسها الكفار المحتلون وليس أهلها، فمن هذا الجانب هي غير مشروعة، وقد بنوها على فكرة تخالف فكرة الأمة، وهم الذين وضعوا دساتيرها وشرّعوا قوانينها، فمن هذا الجانب غير مشروعة أيضا، وهي في الحقيقة ليست دولا، إذ إنها لا تملك إرادتها فسلطانها مسلوب، تابعة للمستعمر، وهو الذي ينصب حكامها بأساليب خبيثة من وراء الستار، منها الانتخابات، وهو الذي يحدد المرشح وهو الذي يقرر الفائز، فمن هذا الجانب هي غير مشروعة.


فمن لا يريد دولة الخلافة ولا يهتم بالعمل على إقامتها ماذا يريد؟! لأن كل مجموعة من الناس لديهم فكرة معينة لا يمكن أن يعيشوا بدون دولة. فالواقع يحتم وجود الدولة. فكيف وقد فرضها الإسلام على المجموعة البشرية التي آمنت به! فمن لا يريد دولة الخلافة هل هو راض عن هذه الدول التي أقامها المستعمر وتابع لها؟! وقد قال رسول الله ﷺ: «سَتَكُونُ أُمَرَاءٌ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ عَرَفَ بَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَ سَلَمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابعَ. قَالوُا أَفَلاَ نُقَاتِلهم؟ قَالَ: لا، ما صَلّوا» (رواه مسلم). فالذين يرضون بما يفعله الحكام من مخالفة للإسلام ويتابعهم فلن يسلم من عذاب الله وسخطه إن لم يتب ويصلح ويخلص دينه لله. فكيف إذا حكموا بالكفر فلم يقيموا الصلاة، وهي كناية عن إقامة الدين والحكم بالإسلام، فوجب عزلهم على الفور وتنصيب خليفة جديد إن كانت هناك خلافة، وإن لم تكن هناك خلافة كما هو الحال حاليا وجب العمل على إقامتها. أما أن يُحكم المسلمون بغير الإسلام، فمرفوض! فذلك مخالف لمعنى كونهم مسلمين أسلموا وجههم لله ولا يبتغون غير الله ربا. فوجب أن تكون دولتهم تحكمهم بإسلامهم.


وصدق الشاعر حين قال:


لا يَصلُحُ الناسُ فَوضى لا سَراةَ لَهم *** ولا سَراةَ إذا جُهَالُهُم سادوا
والبيتُ لا يُبْتنى إلا لهُ عَمَدُ *** ولا عِمادَ إذا لم تُرسَ أوتادُ
فإن تَجمَّعَ أوتادٌ وأعمدةٌ *** لِمَعشرٍ بلغوا الأمرَ الذي كادوا


فكل مجموعة بشرية تجمعها فكرة معينة تريد تنفيذها، فتقيم نظاما لها، فتختار سراة لها من المفروض أن يكونوا عقلاء حكماء مخلصين للأمة ولفكرتها، فالدولة هي الجهاز التنفيذي لمجموعة المفاهيم والمقاييس والقناعات التي تبناها الناس، فالأمة الإسلامية كلها مجموعة بشرية واحدة تبنت مجموعة المفاهيم والمقاييس والقناعات المنبثقة من فكرتها الإسلامية، وهكذا كانت على مدى 13 قرنا دولتها واحدة يحكمها خليفة واحد رغم بعض الدخن. فأجهزة الدولة هي بمثابة الأعمدة، وعندنا في دولة الخلافة ثلاثة عشر جهازا، تستند إلى الأفكار الإسلامية والأحكام الشرعية وهي بمثابة الأوتاد، ولا يمكن أن ترسو إلا إذا ربطت ربطا محكما بأساس قوي ثابت في الأرض وهو العقيدة، وعندئذ يبلغ لأهلها الذي كادوا وأرادوا.


ومثلناها بالشجرة، فذكرنا شجرة الإسلام، فالجذع هو الدولة وهو نابت من البذرة وهي العقيدة، وأنظمتها وأجهزتها وقوانينها هي أحكام شرعية وأفكار إسلامية، وهي بمثابة الجذور مرتبطة بالعقيدة، أصلها ثابت، راسخة في أعماق الأرض، وفروعها وارفة تعانق عنان السماء وهي تطبيق أحكام الإسلام، وثمارها طيبة نتائج هذا التطبيق، وهي سعادة الدنيا والآخرة.


فمن لا يريد هذه الدولة، دولة الخلافة، ولا يعمل لها فماذا يريد؟! أيريد دولة مدنية ديمقراطية وهي بضاعة المستعمر الفاسدة ووسيلة هيمنته؟! وهي لا تفترق عن الدول القائمة إلا بلعبة تداول السلطة! وتركيا ولبنان وتونس والعراق وباكستان وأفغانستان أمثلة عليها! فأفيقوا أيها المسلمون يرحمكم الله وأقيموا خلافتكم يعزكم الله.


#أقيموا_الخلافة
#ReturnTheKhilafah
#YenidenHilafet
#خلافت_کو_قائم_کرو

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
أسعد منصور

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر