لسنا طوباويين حالمين   حوار مع صديق   كيف سيبني حزب التحرير دولة الخلافة الراشدة؟!
January 28, 2018

لسنا طوباويين حالمين حوار مع صديق كيف سيبني حزب التحرير دولة الخلافة الراشدة؟!

لسنا طوباويين حالمين

حوار مع صديق

كيف سيبني حزب التحرير دولة الخلافة الراشدة؟!

الجزء الأول

☆ هذا حوار ثنائي جرى بيني وبين صديق مسلم ملتزم، يظهر عليه التزامه بأوامر دينه وغيرته عليه، مهتم ﻷمر اﻹسلام والمسلمين، يكره الحديث في السياسة شأنه في ذلك شأن أغلب شبابنا المسلم التواق إلى أن يعيش عيشا إسلاميا في مجتمع يحل الحلال ويحرم الحرام يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وﻻ يدرك أن هذا الذي تتوق نفسه إليه هو عين السياسة.

☆ أختلف أنا وصديقي هذا - الذي أحب - بأنني أنتمي إلى حزب التحرير صاحب مشروع بناء دولة الخلافة، في حين إنه ﻻ ينتمي إلى أي توجه كحزب أو حركة أو جماعة إسلامية، ﻻ بل فإن كثرة الحركات اﻹسلامية على الساحة واختلاف أهدافها ومناهجها يسبب له نوعا من التشويش والحيرة.

☆ وما إن تفاعلت معه ذات مرة بإعطائه كتاب "نظام اﻹسلام" أحد منشورات الحزب المتبناة حتى عاد لي خلال بضعة أيام تقرببا ليطلب مني أن نجلس جلسة خاصة للنقاش، اللهم لك الحمد رددت في خلدي ولسان حالي مفعم بمشاعر سعادة تغمر ملامحي، فتهلل الوجه مني واستبشر واجتاح السرور كياني كله، فنحن غالبا ما يسرنا أن نلقى من أبناء أمتنا آذانا صاغية ونحن نطرق أبواب فهمهم لمفاهيم اﻹسلام التي نحمل إليهم.

☆ ألف أهلا وسهلا واحدا قلت مداعبا، حياك الله عندي في بيتي في الوقت الذي تريد، وهكذا كان فالتقينا وﻻ أظنني احتفيت بضيف احتفائي بصديقي هذا.

☆ لكنني لم أتخيل للحظة أن صديقي أبو براء جاء مثقلا بحمل سلة من التساؤﻻت الاستنكارية القاتلة فإن لم أحسن التعامل معها بإجابة مقنعة فلا تقوم لي عنده قائمة وأكون بذلك حجته اﻷبدية على عدم جدوى حمل الدعوة معنا، رغم أنني لست متأكدا بأنه سيلتحق بنا ليحمل الدعوة معنا إن أنا أقنعته بإجاباتي، أدركت هذا من أول قنبلة ألقاها علي بسؤاله قائلا:

¤ أبو براء: اسمع أخي أبا حذيفة لن أجاملكم ولن أتجنى عليكم قلبي وعقلي مفتوحان للحق بغض النظر مع من كان، وعليه أقول: إنه ﻻ أحد من المسلمين يستطيع أن ينكر عليكم سمو الهدف الذي تنشدون، وهو بناء دولة الخلافة اﻹسلامية، فمن من المسلمين ﻻ يتطلع إلى أن تكون له دولة كدولة أبي بكر وعمر ﻻ بل كدولة من دول بني أمية أو بني العباس أو بني عثمان؟! لكن خوفي الشديد أن تكونوا حالمين منظرين فقط، وعليه فأنا هنا ﻷفهمكم وأفهم منكم:

كيف سيبني حزب التحرير دولة الخلافة؟!

وشعاركم "خلافة على منهاج النبوة"، وكلي آذان صاغية وستجدني متفهما جدا ﻷي طرح واضح معقول وقابل للفهم، فإياك أن ﻻ أفهم، أو أن ﻻ تكون مقنعا، والابتسامة تعلو محياه.

¤ أبو حذيفة: حياك الله أخي أبا البراء، هذا تقديم رائع لهذه الجلسة، وأرجو أن تأذن لي بأن أشترط لنفسي كما اشترطت لنفسك.

¤ أبو براء: هذا حقك فتفضل.

¤ أبو حذيفة: ابتداء فهذا الموضوع سيحتاج منا إلى جلسات عديدة، أما ما أشترطه فهو: أن ننطلق في حديثنا من خلال ثوابت ﻻ نختلف على صحتها لنبني فهمنا عليها فلا نعود لنقاشها أثناء سيرنا في البحث.

¤ أبو براء: نعم هذا شيء يساعدنا للوصول إلى نتيجة ذات ثمرة.

¤ أبو حذيفة: ولكن قبل أن نذهب إلى التفاصيل فما هي الضرورة لأن نبني دولة إسلامية؟!

¤ أبو براء: ﻷننا مأمورون من الله بأن نحكم بما أنزل الله ونقيم الدين في أرض الواقع.

¤ أبو حذيفة: طيب ما رأيك لو أن العرب أو المسلمين اليوم توحدوا وصاروا دولة ديمقراطية واحدة كأمريكا مثلا وتحرروا من التبعية للمستعمر وحكموا العالم كما تحكم أمريكا اليوم، أيبقى هناك ضرورة لبناء دولة اسمها "دولة الخلافة اﻹسلامية"؟! أم أن ذلك يكفي فالمطلوب مجرد دولة لنا توحدنا نحن العرب أو المسلمين بغض النظر أكانت رأسمالية أو شيوعية أو قومية أو وطنية أو أي شيء وسميناها الولايات العربية المتحدة USA ما رأيك؟!

¤ أبو براء: سامحك الله أخي أتستخف بي؟!

¤ أبو حذيفة: معاذ الله أخي بل أحاول أن أحفر أساسات إجابتي لينطق بها لسانك مع لساني، فأنا جاد جدا فيما أطرح فليتسع صدرك لي.

¤ أبو براء: أخي ألسنا مسلمين ووجهة نظرنا في الحياة هي "ﻻ إله إﻻ الله محمد رسول الله"؟! فأنا كمسلم أعتقد وأفهم أنه ﻻ بد من أن تكون لنا نحن المسلمين دولة على أساس منهاج اﻹسلام وليس وفق أي منهاج آخر، دولة كتلك التي بناها رسولنا ﷺ في المدينة.

¤ أﻻ تعلم أن إيماننا ﻻ يكتمل إﻻ بتحكيم شرع الله فينا عن رضا وتسليم بدليل قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65]؟

¤ أﻻ تعلم أنه بقيام دولة للإسلام وتحكيم شرع الله فينا تقوم باقي فروض اﻹسلام من صلاة وزكاة وحج وجهاد وغيرها، بدليل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: 42]؟

¤ أم أنك لم تسمع قول الله تعالى وهو يصف بالكفر مرة وبالظلم مرة وبالفسق مرة من يحكم بغير ما أنزل الله؟!

فقال سبحانه: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: 44]

وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة:45]

وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: 47]؟

¤ أبو حذيفة: أحسنت أخي وهذا يسهل المهمة علينا فنحن نتفق إذن على ثوابت كثيرة منها:

- أننا مسلمون ومأمورون بأن نحكم بما أنزل الله، أي أن الحكم بما أنزل الله فرض علينا كالصلاة ﻻ بل أهم.

- أن الدولة التي نريد بناءها هي تماما كالدولة التي بناها رسولنا الكريم ﷺ وليست كدولة فارس أو دولة الروم، وﻻ هي كدولة أمريكا أو كأي دولة مما نشاهد من دول عالم اليوم.

- وأن الدولة التي بناها رسولنا الكريم ﷺ بناها بكيفية محددة أتى بها الوحي وليست خاضعة لابتداع العقول في تحقيق ما تراه ممكنا لمجرد الوصول للحكم أيّ حكم، بل ينحصر دور العقل في الاجتهاد لفهم الكيفية التي أتى بها الوحي ليس إﻻ، ثم التقيد بحسن السير والاتباع لتحقيق ما حققه رسولنا الكريم من إقامة دولة اﻹسلام.

¤ أبو براء: نعم يا أخي نتفق على هذه الثوابت وأكثر.

¤ أبو حذيفة: ولكن اسمح لي أبا براء فالحديث عن بناء الدولة أي دولة، والعمل له هو حديث وعمل في السياسة بالضرورة، أليس كذلك؟!

¤ أبو براء: بلى، هذا صحيح وهذه هي مشكلتي معكم من وجهة نظري.

¤ أبو حذيفة: إذن كيف سنستمر في حديثنا وأنت تكره الحديث في السياسة، وأنت تعلم أننا حزب سياسي مبدؤه اﻹسلام لكن عمله هو السياسة؟!

¤ أبو براء: بصراحة أخي هذا الذي يشوش أفكاري، فقد قرأت في كتبكم ومنشوراتكم كلاما فكريا دينيا رائعا، أو قل ثقافة إسلامية نقية، لكنني في المقابل ﻻ أستطيع أن أتخيل حزبا إسلاميا يعمل وسط هذه اﻷوحال واﻷوساخ السياسية التي يغرق السياسيون ويغرقون الناس معهم فيها، وهذه من النقاط المهمة التي يجب عليك أن توضحها لي، بمعنى أن تجعلني أطمئن إليكم كحزب سياسي وإلى عملكم في السياسة.

¤ أبو حذيفة: لكي أستطيع إجابتك بشكل صحيح على سؤالك اﻷساسي وملحقاته فلا بد أن نتفق على تعريف لمفهوم السياسة ومفهوم الحزب ومفهوم الدولة، فنحن حزب وسياسي ونعمل لبناء دولة.

¤ أبو براء: هل تعني أن لكل كلمة من هذه الكلمات مفهوماً محدداً معروفاً ﻻ يعرفه كثير من الناس؟!

¤: نعم فالحزب يعمل في السياسة وكذلك الدولة، ولكن الحزب ليس دولة وﻻ الدولة حزبا، والعمل في السياسة هو أساس من اﻷسس اللازمة لعمل الحزب والدولة، والعمل في السياسة ﻻزم أيضا لبناء دولة الخلافة ولعملها بعد قيامها.

¤ أبو براء: كيف ذلك؟ لو سمحت وضح.

¤ أبو حذيفة: السياسة ليست كلها شرّاً أخي الكريم، فهل عمل الرسول ودعوته للناس للإسلام وللحكم باﻹسلام كانت سياسة أم ﻻ؟!

¤ أبو براء: نعم كان عمله كله على اﻷغلب سياسة، ولكنه كان صادقا أمينا في تعامله مع كل التفاصيل.

¤ أبو حذيفة: هذا جميل جدا، إذن فالسياسة ليست عملا محرما من ناحية شرعية وﻻ ممنوعة ما دام مارسها رسولنا ﷺ.

¤ أبو براء: صحيح أخي هذه إضاءة جميلة، لكن أليست السياسة اليوم كما يقولون أنها فن الممكن والكذب، وأين هذا من عمل رسولنا السياسي؟!

¤ أبو حذيفة: انظر يا أخي، لا بد لكل من يتصدر للعمل بالسياسة أن يفهم طبيعة هذا العمل ومعناه.

- فمعنى السياسة في اللغة هو الرعاية وتعني الترويض.

- وفي اﻹصطلاح أو في أرض الواقع تعني رعاية شؤون الناس.

- لكن بماذا نرعى شؤون الناس، أي ما هي اﻷفكار والمفاهيم والقوانين التي نريد للناس أن يفهموها ويقتنعوا بها فيحتكموا لها ونرعى شؤونهم بها وكيف؟ هذا ما سيتضح معنا ﻻحقا.

- والسياسة ليست كما يسوق لها الرأسماليون العلمانيون وغيرهم على أنها فن الممكن وفن الكذب، وأن الغاية تبرر الوسيلة، وإن كانوا هم يمارسون هذا المفهوم في الواقع من تفنن في صيد الممكنات بالكذب والتدليس والمخادعة واستغلال ضعف الشعوب تارة وبالمؤامرات والكذب السياسي تارة أخرى، للوصول إلى مآربهم غير المعلنة، وﻻ أدل على ذلك من قيام أمريكا باحتلال العراق بحجة امتلاكه ﻷسلحة الدمار الشامل وأنه بذلك يشكل خطرا على أمنهم القومي، نعم السياسة ليست كذبا وإن كانوا كذابين في سياستهم، بل السياسة عمل مهم منتج، وأهم منتجاته العدل أو الظلم، الغنى والرخاء أو الفقر وضنك العيش، اﻷمن والاستقرار أو الخوف والفوضى والتشرد.

* أبو براء: لكن الناس بعمومهم ﻻ يفكرون بهذه الطريقة؟

* أبو حذيفة: وهذه هي المشكلة، أن هؤﻻء المحتكرين ﻷعمال السياسة لم يسمحوا للناس أن يفهموا ويعملوا بالسياسة كما سمحوا لهم بالعمل بالزراعة والصناعة والتجارة وكل شؤون الحياة وأن يتطوروا فيها، لماذا؟!

- لماذا ﻻ يريدون للناس أن يفهموا ويعملوا في السياسة؟!

ببساطة ﻷن الناس إذا فهموا وعملوا في السياسة سيتغير حالهم حتما، وسيغيرون أحوال من بيدهم اﻷمور، وهذا ما ﻻ يريده المتحكمون بأمور البلاد والعباد من شرار الخلق، كي يبقوا هم المتصدرين لصناعة القرار في الناس وهذه طبيعة الاستبداد والطغاة.

وبالتالي لو تفحصت نظرة الناس إلى السياسة لوجدتهم معرضين عنها خوفا من المساءلة، فمن يخيفهم؟! إنهم الممسكون بزمام أمور السياسة، ولماذا يخيفونهم؟ لا بل ومن أعطاهم الحق في كبت حريتهم والتضييق عليهم؟ ألم نخلق أحراراً؟! لماذا تريد هذه الفئة استعباد الناس؟! فئة قليلة من الناس استطاعت وفي غفلة من الناس عن هذا الجانب أن تتحكم في الدولة بأجنحتها الثلاثة "السلطة والمال والقوة".

وهنا أطرح عليك هذه اﻷحجية: السياسيون والطغاة المتحكمون في شؤون الناس ﻻ يريدون لنا أن نعمل معهم بالسياسة بحجة أنها خطر وقذارة و"ما بتطعم خبز"، ويحتكرون هم كل المناصب السياسية لأبنائهم وأحفادهم، فكدسوا اﻷموال ونهبوا ثروات شعوبهم، حتى إنك ربما تجد في بلد من بلادنا أن دولة سمير باشا كان رئيسا للوزراء ثم صار ابنه دولة زيد باشا رئيسا للوزراء وكذلك أصبح دولة سمير باشا الحفيد رئيسا للوزراء، أﻻ ترى معي كم هو خطر أن نقترب من العمل في السياسة يا أبا براء؟ أﻻ ترى كم هو ضروري فن الكذب في السياسة ليصبح المستحيل ممكنا، ولتبقى الدولة دولة الباشا؟!

في الجزء الثاني نطلعلكم إن شاء الله على مجريات أحداث النقاش الذي استمر لعدة ليال مع أخينا أبي براء، نتناول فيه مفهوم الحزب؛ ما له وما عليه من أجل إجابته عن سؤاله: كيف سنبني نحن حزب التحرير دولة الخلافة الراشدة؟ فإلى لقاء قريب بإذن الله.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد الرؤوف بني عطا "أبو حذيفة"

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر