ما علاقة الاستفتاء والدستور في تونس بالأمل في التغيير الجذري؟
ما علاقة الاستفتاء والدستور في تونس بالأمل في التغيير الجذري؟

تعيش تونس منذ عقود على وقع أزمات متعددة ومتراكمة، ما جعل المجتمع داخلها أشبه بالقدر الذي يغلي حتى يفيض، فكانت انتفاضة أواخر 2010 نتاجا لحالة الغليان، وكانت واضحة في مطلب إسقاط النظام، وقد اشرأبت الأعناق حينها نحو تغيير جذري حقيقي ينهي المأساة التي ظلت تعيشها تونس في عهدي بورقيبة وبن علي، ويفتح الباب على مصراعيه نحو إمكانية انفلات تونس من قبضة النظام الرأسمالي العالمي المتوحش.

0:00 0:00
السرعة:
June 23, 2022

ما علاقة الاستفتاء والدستور في تونس بالأمل في التغيير الجذري؟

ما علاقة الاستفتاء والدستور في تونس بالأمل في التغيير الجذري؟

تعيش تونس منذ عقود على وقع أزمات متعددة ومتراكمة، ما جعل المجتمع داخلها أشبه بالقدر الذي يغلي حتى يفيض، فكانت انتفاضة أواخر 2010 نتاجا لحالة الغليان، وكانت واضحة في مطلب إسقاط النظام، وقد اشرأبت الأعناق حينها نحو تغيير جذري حقيقي ينهي المأساة التي ظلت تعيشها تونس في عهدي بورقيبة وبن علي، ويفتح الباب على مصراعيه نحو إمكانية انفلات تونس من قبضة النظام الرأسمالي العالمي المتوحش.

ولمّا كان الإسلام متجذرا في هذا البلد وحاضرا بقوّة في جل التحركات الشعبية وجل النقاشات حول الهوية والدستور ونمط المجتمع، بحيث برز ذلك في مناسبات عدّة ولم يعد يخفى على قوى الغرب المتربصة بالثورة، جيء بورقة الإسلام المعتدل، وتم إيهام الناس بانطلاق قطار تحقيق أهداف الثورة بعودة الإسلاميين إلى المشهد، وبأن كسب المعركة السياسية بوصول إخوان تونس إلى سدة الحكم، سيؤدي بالضرورة إلى كسب المعركة الاقتصادية وإلى دوران عجلة التنمية. وهكذا، طُلب من الشعب الثائر أن يعود أدراجه ويترك للقيادات السياسية مهمة حراسة الثورة وحمل لواء تحقيق أهدافها!

ثم كان فشل هذه التجربة في الحكم أمرا حتميّا لا مفرّ منه، وذلك لسببين:

أولا: غياب برنامج سياسي ذاتي يستند إلى الإسلام في أصوله وفروعه عند هؤلاء، بل كان برنامج الإسلاميين هو الاستناد إلى دستور هجين يقرّ مشاركة العلمانيين الحكم والحفاظ على النظام الرأسمالي نفسه مع وضع بعض مساحيق التجميل (الإسلامية) على غرار إحداث صندوق الزكاة ودعم السياحة الإسلامية والنزل (الحلال!).

ثانيا: دفع كل القوى العلمانية في البلاد وتحرك الدولة العميقة باتجاه استعادة النظام لقبضته بعد أن تصدع نتيجة لتغيير رجالات النظام السابق.

ولما اشتد ضعف الوسط السياسي الجديد الموالي لبريطانيا التي أرادت فرض حالة الاستقطاب الثنائي بين طرفي السلطة وشقيّها (الإسلامي والليبرالي)، وصار سفراء بريطانيا يباشرون الحكم ويمارسون الوصاية بشكل فجّ في حين ترك لأشباه الحكام المهمات الإدارية، استطاعت فرنسا أن تطل برأسها في تونس عبر ورقة قيس سعيد، الذي ظنت بريطانيا أنها ستنجح في عزله في قصر قرطاج بعد تطويقه برجالاتها، ليحتدم الصراع الأوروبي على تونس، وتتزايد أطماع أمريكا على خلع أبواب الشمال الأفريقي.

إن العداء الغربي للإسلام والمسلمين، لم يعد خافيا على كل ذي لب وبصيرة، وهو ليس وليد اليوم، بل هو ممتد في التاريخ بدءاً بالحروب الصليبية ومرورا بمعاهدة وستفاليا التي وحدت قوى الغرب ضد الدولة الإسلامية، وإن فرنسا هي رأس حربة في هذا العداء الصليبي، ولذلك تعتبر نفسها وصيّة على حضارة الغرب، وصاحبة فضل على دول أوروبا بوصفها هي التي جاءت بالأفكار العالية والقيم الرفيعة للحضارة الغربية كالحريّة والعدالة والمساواة ونظرية العقد الاجتماعي، ولذلك فإن ضعفها أمام تفرد الأمريكان بقيادة العالم لم يمنعها من خلق وضعية سياسية جديدة في تونس، أجبرت الجميع على إعادة ترتيب الأوراق وطرح السؤال حول مدى جدوى الاستمرار في المراهنة على ورقة الإسلام المعتدل خاصة بعد تآكل رصيدها. حصل ذلك بعد أن دقت فرنسا ناقوس الخطر وأعلنت عبر وكيلها عن وجود خطر داهم يتهدد تونس وجيشها وشعبها ونمط عيشها، وهو ما يستوجب إعادة صياغة دستور جديد للبلاد.

وهي تدرك جيدا، أن وجود الإسلاميين في السلطة لم يمنع من إنشاء الجمعيات القرآنية وحلقات التعليم ومن نشر الثقافة الإسلامية بين الناس، ولم يمنع حزب التحرير من القيام بنشاطه وحمل دعوته بين الناس، وبعبارة أخرى، لم يمنع الناس من تناول الأحداث تناولا سياسيا ووضعها في ميزان الإسلام، ومن تنامي الوعي الإسلامي داخل شعب مستمر في الغليان، ولذلك وجب في نظرهم إعلان الحرب على (الإسلام السياسي) قبل فوات الأوان.

فالناظر بعمق في المسار السياسي الذي رُسم بعد 25 تموز/يوليو في تونس، يجد أن دول الغرب بزعامة أمريكا تتظاهر بالقلق والانشغال من انتهاك حقوق الإنسان خوفا على الديمقراطية، في الوقت نفسه الذي ترسل فيه جنودها تحت مظلة أطلسية لقتل المسلمين الأبرياء في كل مكان.

هذا الغرب الذي يسكت عن جرائم بشار والسيسي وابن سلمان في حق شعوبهم، ويغمض أعينه عن جرائم قتل المسلمين بدم بارد في تركستان الشرقية وميانمار والهند وفلسطين وغيرها، لا يلبث إلا أن يعبر عن عميق انشغاله بمستقبل الديمقراطية في تونس، مع كل خطوة سياسية يخطوها قيس سعيد في اتجاه استعادة النظام لقبضته، وهي المهمة التي فشل الحكام السابقون في تنفيذها.

اليوم، يراد ربح الوقت ريثما تنخرط القوى الديمقراطية في تونس في المسار الإصلاحي المزعوم، وريثما يتم تركيع المعارضة الديمقراطية لأجندة قيس سعيد الذي لم يعد له من دور فيها سوى ترجمة التوافقات الغربية غير المعلنة إلى مراسيم رئاسية تمنحه مزيدا من الصلاحيات، طمعا في تكرار سيناريو التسعينات وإعادة إنتاج مجزرة سياسية جماعية بحق الإسلاميين المعتدلين ومن سار في فلكهم، حتى صار وجود الرئيس في الحوار الوطني أمرا مطروحا على طاولة النقاش داخل صفوف المعارضة التي تسعى إلى لملمة شتاتها، في الوقت الذي سارعت فيه بريطانيا إلى القبول مجددا بأحمد نجيب الشابي لتزعّم المعارضة السياسية في تونس، ليعود مجددا لاحتضان الإسلاميين، وكأننا نعيش أيام بن علي.

الاستشارة الإلكترونية والدستور الجديد والاستفتاء الشعبي، هي من أكبر المهازل السياسية الحاصلة بعد الثورة، وهي تفوح برائحة تزوير الإرادة الشعبية، ومع ذلك يستمر الرئيس في تثبيت أرضية وجوده السياسي وعلمنتها إلى حد النخاع تحت عنوان استعادة الدولة، محاطا بهالة إعلامية تحارب الإسلام وأحكامه؛ من جهة خضوعا للأجندة الصهيونية، وتروج لفكره ومشروعه (على فرضية وجود فكر) من جهة أخرى، في حين ظل وجود الإسلاميين في المشهد ينحسر يوما بعد يوم في ظل بحثهم عن غطاء سياسي بديل لحركة النهضة، وصاروا عاجزين عن التحرك وحشد الناس وتجييش الشارع بوصفهم الحزبي مع أنهم كانوا بالأمس القريب من أكبر الأحزاب الحاكمة في البلاد! بل صاروا يتخيرون عناوين وأشكالاً جديدة لتحركاتهم على غرار "مواطنون ضد الانقلاب" و"حركة تونسيين من أجل الديمقراطية" و"جبهة الخلاص الوطني".

حتى اتحاد الشغل نفسه صار مهددا بسحب لقب "القوة الأولى في البلاد" وإسنادها للرئيس قيس سعيد.

أما الغاية من دفع الإسلاميين نحو هذا النفق المظلم وإبراز فشلهم في مواجهة "الانقلاب" مع الاستماتة في إقصاء دعاة الإسلام المبدئي من المشهد وملاحقتهم، فهو نشر اليأس والإحباط في صفوف أبناء الشعب شبيبة وشيبا، وقتل الأمل في التغيير الجذري وضرب المشروع الحضاري الإسلامي بنسب الفشل إليه وجعله عنوان الأزمة استجابة لرغبة ماكرون، بحيث تتحول المحطات الإعلامية إلى أبواق دعاية للديانة الإبراهيمية التي تصهر الشعوب في بوتقة التعايش الديمقراطي وتجعلهم لقمة سائغة في أيدي الرأسمالية العالمية، مع أنها مصدر كل الأزمات التي يعيشها عالم اليوم.

إنه لا سبيل للتصدي لهذا المخطط الشيطاني الذي اجتمعت عليه قوى الكفر، وتنفذه ماكينة الدولة العميقة الموالية في مجملها للإنجليز في تونس، إلا بالوعي على حقيقة الأزمة، من كونها أزمة نظام فاسد يحاول تجديد ثوبه بعناوين جديدة ودساتير جديدة، وبأن التغيير الجذري لن يتحقق على أيدي عبيد الرأسمالية وحملة لواء الديمقراطية ممن يتخذون اليهود والنصارى أولياء من دون المؤمنين، وإنما سينجزه في الواقع دعاة التغيير الجذري على أساس الإسلام، ممن يستبشرون بوعد الله سبحانه وبشرى نبيه ﷺ بخلافة راشدة على منهاج النبوة تكنس أنظمة الملك الجبري التي نعيشها منذ هدم دولة الإسلام. بهذا فقط، يسقط النظام، وتعود تونس إلى سالف عهدها، منارة للعلم وتاج شمال أفريقيا وتعود إلى امتدادها التاريخي والجغرافي والحضاري الطبيعي ضمن خير أمة أخرجت للناس. ولهذا يعمل حزب التحرير ويقدم طرحه ورؤاه للناس عسى أن يفتح الله بيننا وبين قومنا بالحق وهو خير الفاتحين.

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِين * وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِين * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾. [سورة المائدة].

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

م. وسام الأطرش – ولاية تونس

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر