مع الحديث الشريف - العبد المؤمن بين مخافتين: أجل مضى وأجل بقي!!
مع الحديث الشريف - العبد المؤمن بين مخافتين: أجل مضى وأجل بقي!!

نُحَيِّيكُمْ جَمِيعًا أيها الأَحِبَّةُ المُستَمِعُونَ الكِرَامَ فِي كُلِّ مَكَانٍ, نَلتَقِي بِكُمْ فِي حَلْقَةٍ جَدِيدَةٍ مِنْ بَرنَامَجِكُم "مَعَ الحَدِيثِ النَّبوِيِّ الشَّرِيفِ" وَنَبدَأ بِخَيرِ تَحِيَّةٍ وَأزكَى سَلامٍ, فَالسَّلامُ عَلَيكُمْ وَرَحمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ وَبَعدُ:  عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمْعَةِ, وَبَعْدَ أَنْ يَحْمَدَ اللَّهَ وَيُصَلِّيَ عَلَى أَنْبِيَائِهِ يَقُولُ: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ لِكُمْ مَعَالِمَ فَانْتَهُوا إِلَى مَعَالِمِكُمْ، وَإِنَّ لَكُمْ نِهَايَةً فَانْتَهُوا إِلَى نِهَايَتِكُمْ, إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ بَيْنَ مَخَافَتَيْنِ: بَيْنَ أَجَلٍ قَدْ مَضَى لا يَدْرِي مَا اللَّهُ صَانِعٌ فِيهِ, وَبَيْنَ أَجَلٍ قَدْ بَقِيَ لا يَدْرِي مَا اللَّهُ قَاضٍ فِيهِ، فَلْيَأْخُذِ الْعَبْدُ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ، وَمِنْ دُنْيَاهُ لآخِرَتِهِ، وَمِنَ الشَّبِيبَةِ قَبْلَ الْهَرَمِ، وَمِنَ الْحَيَاةِ قَبْلَ الْمَوْتِ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا بَعْدَ الْمَوْتِ مِنْ مُسْتَعْتَبٍ، وَمَا بَعْدَ الدُّنْيَا دَارٌ إِلا الْجَنَّةَ أَوِ النَّارَ». (ذَكَرَهُ القُرطُبِيُّ فِي تَفسِيرِهِ).

0:00 0:00
السرعة:
August 14, 2025

مع الحديث الشريف - العبد المؤمن بين مخافتين: أجل مضى وأجل بقي!!

مع الحديث النبوي الشريف 

العبد المؤمن بين مخافتين: .... أجل مضى, وأجل بقي!!

نُحَيِّيكُمْ جَمِيعاً أيها الأَحِبَّةُ المُستَمِعُونَ الكِرَامَ فِي كُلِّ مَكَانٍ, نَلتَقِي بِكُمْ فِي حَلْقَةٍ جَدِيدَةٍ مِنْ بَرنَامَجِكُم "مَعَ الحَدِيثِ النَّبوِيِّ الشَّرِيفِ" وَنَبدَأ بِخَيرِ تَحِيَّةٍ وَأزكَى سَلامٍ, فَالسَّلامُ عَلَيكُمْ وَرَحمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ وَبَعدُ: 

عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمْعَةِ, وَبَعْدَ أَنْ يَحْمَدَ اللَّهَ وَيُصَلِّيَ عَلَى أَنْبِيَائِهِ يَقُولُ: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ لِكُمْ مَعَالِمَ فَانْتَهُوا إِلَى مَعَالِمِكُمْ، وَإِنَّ لَكُمْ نِهَايَةً فَانْتَهُوا إِلَى نِهَايَتِكُمْ, إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ بَيْنَ مَخَافَتَيْنِ: بَيْنَ أَجَلٍ قَدْ مَضَى لا يَدْرِي مَا اللَّهُ صَانِعٌ فِيهِ, وَبَيْنَ أَجَلٍ قَدْ بَقِيَ لا يَدْرِي مَا اللَّهُ قَاضٍ فِيهِ، فَلْيَأْخُذِ الْعَبْدُ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ، وَمِنْ دُنْيَاهُ لآخِرَتِهِ، وَمِنَ الشَّبِيبَةِ قَبْلَ الْهَرَمِ، وَمِنَ الْحَيَاةِ قَبْلَ الْمَوْتِ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا بَعْدَ الْمَوْتِ مِنْ مُسْتَعْتَبٍ، وَمَا بَعْدَ الدُّنْيَا دَارٌ إِلا الْجَنَّةَ أَوِ النَّارَ». (ذَكَرَهُ القُرطُبِيُّ فِي تَفسِيرِهِ).

كَانَتِ الخِطَابَةُ الجَاهِلِيَّةُ لا تُعنَى بِالتَّرتِيبِ وَالتَّسَلْسُلِ, وَلا تُخَاطِبُ العَقْلَ الوَاعِي البَصِيرِ، بَلْ هِيَ بِمَثَابَةِ صَرْخَةِ مُتَحَمِّسٍ يَصِيحُ بِهَا فِي المَلأ. فَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فَأحْدَثَ انقِلاباً كَبِيراً فِي الخِطَابَةِ شَكلاً وَمَضْمُوناً: أمَّا شَكْلاً فَمِنْ حَيثُ مَظهَرِهِ، فَهُوَ وَضِيءٌ نَظِيفٌ ذُو صَوتٍ مَلِيءٍ وَلَفْظٍ طَلِقٍ يَحُوزُ القُلُوبَ لِمُجَرَّدِ رُؤيَتِهِ وَالسَّمَاعِ إِلَيهِ. هَذَا المَظهَرُ الشَّكلِيُّ لِلْخَطِيبِ يُفْرِغُ عَلَيهِ مَهَابَةً وَقَبولاً فِي النُّفُوسِ. أمَّا مَضمُوناً فَقَدْ غَلَبَ الإِيجَازُ عَلَى خُطَبِ النَّبِيِّ، وَالإِيجَازُ هُوَ تَأدِيَةُ المَعَانِي الكَثِيرَةِ بِالألفَاظِ القَلِيلَةِ، وَمِنْ هُنَا شَاعَتْ جَوَامِعُ الكَلِمِ فِي خُطَبِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ. وَاتَّسَمَتْ خُطَبُهُ عَلَيهِ الصلاة والسَّلامُ بِالجِدِّيةِ فِي طَرْحِ الأفكَارِ, وَقُوَّةِ الإقنَاعِ، بِحَيثُ لا تَدَعُ مَنْفَذاً لِمُخَالِفٍ. وَمَصدَرُ الإِقنَاعِ حَرَارَةُ الصِّدْقِ وَالإِخلاصِ لِلرِّسَالَةِ، وَقُوَّةُ إِيمَانِهِ بِهَا. وَلِذَلِكَ تَجِدُ خُطَبُهُ مُرَتَّبَةَ الأَلفَاظِ, مُطَّرِدَةَ المَعَانِي وَاضِحَةَ التَّرَاكِيبِ. كَالسُّلَّمِ تُسلِمُ دَرَجَاتُهُ بَعضُهَا إِلَى بَعضٍ حَتَّى يَصِلَ إِلَى الغَايَةِ المَنشُودَةِ. 

امتَازَتْ خُطَبُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بِبَرَاعَةِ الاستِهْلالِ, وَقَدِ استَهَلَّ هَذِهِ الخُطبَةَ بِالنِّدَاءِ بِمَا فِيهِ مِنْ تَنبِيهٍ لِلسَّامِعِ وَجَلْبِ انتِبَاهِهِ فَقَالَ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ لِكُمْ مَعَالِمَ فَانْتَهُوا إِلَى مَعَالِمِكُمْ، وَإِنَّ لَكُمْ نِهَايَةً فَانْتَهُوا إِلَى نِهَايَتِكُمْ». فَبَدَأ النِّدَاءَ بِقَولِهِ: "أيُّهَا النَّاسُ"؛ لِيَكُونَ الخِطَابُ عَامّاً لِجَمِيعِ البَشَرِ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ. قَولُهُ عَلَيهِ الصلاة والسَّلامُ: "مَعَالِمُ": مُفردُها: "مَعْلَمٌ"، وَهُوَ الأثَرُ يُستَدَلُّ بِهِ عَلَى الطَّرِيقِ, وَهِيَ استِعَارَةٌ تَصرِيحِيَّةٌ حَيثُ شَبَّهَ أوَامِرَ الدِّينِ وَنَوَاهِيَهُ بِالعَلامَاتِ الَّتِي يَستَرشِدُ الإِنسَانُ بِهَا فِي طَرِيقِهِ فَلا يَضِلُّ، وَحَذَفَ المشَبَّهَ وَصَرَّحَ بِالمُشَبَّهِ بِهِ. وَسِرُّ جَمَالِهَا تَجسِيمُ المَعنَى وَإِبرَازُهُ فِي صُورَةٍ مَحسُوسَةٍ. وَاختَارَ لَفْظَ "المَعَالِمِ"؛ لِيَدُلَّ عَلَى أثَرِ الدِّينِ فِي الإِرشَادِ وَالتَّوجِيهِ, وَفِيهَا دَلالَةٌ نَفسِيَّةٌ خَاصَّةٌ بِالنِّسبَةِ لِسُكَّانِ الصَّحرَاءِ الَّتِي يَكثُرُ فِيهَا التِّيهُ وَالضَّيَاعُ, وَتَظهَرُ قِيمَةُ المَعَالِمِ فِي بُلُوغِ الهَدَفِ بِسَلامٍ. وَأضَافَ "المَعَالِمَ" إِلَى ضَمِيرِ المُخَاطَبِينَ فَقَالَ: "مَعَالِمِكُمْ"؛ لِيُوحِيَ بِأنَّ الدِّينَ مَا جَاءَ إِلا لإِرشَادِهِم. وَتُحِسُّ ذَلِكَ أيضاً فِي قَولِهِ: "لكم" وَقَولِهِ: "نِهَايَتِكُمْ". وَبِنَاءُ الفَقرَةِ يُرَاوِحُ بَينَ الخَبَرِ وَالإِنشَاءِ: أما الخَبَرُ فَهُوَ جُمَلٌ اسمِيَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ بِحَرْفِ التَّوكِيدِ "إنَّ" تَجرِي مَجرَى القَوَاعِدِ الثَّابِتَةِ كَقَولِهِ عَلَيهِ السَّلامُ: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ بَيْنَ مَخَافَتَيْنِ». وَأمَّا الإِنشَاءُ فَهُوَ أفْعَالُ أمْرٍ حَقِيقِيَّةٌ تُلزِمُ بِاتِّباعِ القَاعِدَةِ المَأمُورِ بِهَا, كَقَولِهِ عليه الصلاة والسَّلامُ: "فَانْتَهُوا" وَقَولِهِ: "فَلْيَتَزَوَّدْ". 

ثُمَّ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ بَيْنَ مَخَافَتَيْنِ: بَيْنَ أَجَلٍ قَدْ مَضَى لا يَدْرِي مَا اللَّهُ صَانِعٌ فِيهِ, وَبَيْنَ أَجَلٍ قَدْ بَقِيَ لا يَدْرِي مَا اللَّهُ قَاضٍ فِيهِ». فِي هَذَا القَولِ بَيَانُ مَوقِفِ المَرءِ فِي الدُّنيَا، فَهُوَ يَقِفُ بَينَ أمرَينِ اثنَينِ: مَاضٍ خَلْفَهُ، وَلا يَدرِي هَلْ أدْرَكَ رِضْوَانَ اللهِ فِيمَا قَدَّمَ فِيهِ أمْ لا. وَمُستَقبَلٍ مَجهُولٍ أمَامَهُ، لا يَدرِي مَاذَا يَصنَعُ بِهِ اللهُ فِيهِ؛ فَهُوَ مِنْ مَاضِيهِ وَمُسْتَقبَلِهِ بَينَ مَخَافَتَينِ، كِلْتَاهُمَا تَتَطَلَّبُ غَايَةَ اليَقَظَةِ وَالانتِبَاهِ. 

وَقَد عَبَّرَ عَلَيهِ الصلاة والسَّلامُ عَنِ الإِنسَانَ بِقَولِهِ "العبد"؛ لِيَدُلَّ عَلَى عُبُودِيَّتِهِ للهِ الَّتِي تَشعُرُ بِالضَّعْفِ وَتَقتَضِي الطَّاعَةَ. فَالَّذِي يَعِيشُ بَينَ مَخَافَتَينِ هُوَ العَبدُ الحَقِيقِيُّ الَّذِي يَعرِفُ مَعنَى الإِيمَانِ. وَعَبَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عَنْ مَاضِي العُمُرِ وَمُستَقبَلِهِ بِقَولِهِ "مَخَافَتَينِ"؛ لِيَبعَثَ الرَّهبَةَ فِي النُّفُوسِ حَتَّى تَكُونَ عَلَى حَذَرٍ. وَقَد صَوَّرَ الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ العَبْدَ فِي حَيَاتِهِ وَهُوَ يَعِيشُ بَينَ مَخَافَتَينِ، وَكَلِمَةُ "بَينَ" الدَّالَّةُ عَلَى المَكَانِ نَقَلَتِ المَعنَى العَقلِيِّ إِلَى صُورَةٍ حَيَّةٍ وَاقِعِيَّةٍ، كَأنَّ المَاضِيَ وَالمُستَقبَلَ جِسمَانِ مَحسُوسَانِ يَقِفُ بَينَهُمَا العَبدُ تَرَاهُمَا مَاثِلَينِ أمَامَ عَينَيكَ. وَفِي العِبَارَةِ تَشوِيقٌ نَابِعٌ مِنَ "التَّفصِيلِ بَعدَ الإِجمَال" حَيثُ أتَى بِالمَعنَى مُجْمَلاً فِي قَولِهِ: "إِنَّ العَبْدَ المُؤمِنَ بَينَ مَخَافَتَينِ" ثُمَّ فَصَّلَ المَخَافَتَينِ بَعدَ ذَلِكَ. 

وَالفَقْرَةُ مَبنِيَّةٌ عَلَى التَّقَابُل بَينَ: "مَضَى وَبَقِيَ" وَ"صَانِعٌ وقَاضٍ" مَعَ تَسَاوِي عَدَدِ الكَلِمَاتِ فِي كُلٍّ مِنَ الجُملَتَينِ. وَهَذَا مَا يُعرَفُ بِالازْدِوَاجِ. وَقَولُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «فَلْيَأْخُذِ الْعَبْدُ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ، وَمِنْ دُنْيَاهُ لآخِرَتِهِ، وَمِنَ الشَّبِيبَةِ قَبْلَ الْهَرَمِ، وَمِنَ الْحَيَاةِ قَبْلَ الْمَوْتِ». فِيهِ بَيَانُ مَا يَجِبُ عَلَى المَرءِ فِعلُهُ, وَذَكَرَ عَلَيهِ الصلاة والسَّلامُ أُمُوراً أرْبَعَةً: أوَّلُهَا: أنْ يَمنَعَ نَفسَهُ عَنْ بَعضِ مَا تُحِبُّ, وَيَحمِلُهَا عَلَى بَعضِ مَا تَكرَهُ فِي نِطَاقِ الشَّرعِ. وَثَانِيهَا: أنْ يُنقِصَ مِنْ مَطَالِبِ الدُّنيَا؛ لِيُضِيفَ إِلَى أعمَالِهِ الطَّيبَةِ الَّتِي تَنفَعُهُ فِي الآخِرَةِ. وَثَالِثُهَا: أنْ يُبَادِرَ شَبَابَهُ، فَيُقَدِّمَ فِيهِ مِنْ صَالِحِ العَمَلِ مَا قَد يَعجَزُ عَنهُ فِي كِبَرِهِ. وَرَابِعُهَا: أنْ يَنتَهِزَ فُرْصَةَ الحَيَاةِ، فَيَعْمَلَ فِيهَا مَا يُقَرِّبُهُ إِلَى رَبِّهِ قَبلَ أنْ يُدرِكَهُ المَوتُ. 

وَالفَقرَةُ استِمرَارٌ فِي الإِطنَابِ بِإِيضَاحِ مَا يَجِبُ عَلَى الإِنسَانِ أنْ يَأخُذَهُ مِنْ دُنيَاهُ لآخِرَتِهِ، وَمِنْ شَبَابِهِ لِشَيخُوخَتِهِ. وَهِيَ جُمْلَةٌ إِنشَائِيَّةٌ استَخَدَمَتْ صِيغَةَ الأمْرِ الحَقِيقِيِّ لإِلزَامِ العَبدِ بِمَضمُونِهَا. نَاسَبَتِ الجُملَةَ الخَبَرِيَّةَ المُؤَكَّدَةَ فِي الفَقرَةِ السَّابِقَةِ: "إِنَّ المُؤمِنَ بَينَ مَخَافَتَينِ" تَقَعُ مِنهَا مَوقِعَ النَّتِيجَةِ مِنَ السَّبَبِ. وَمِنَ المُحَسِّناتِ البَدِيعِيَّةِ الَّتِي استَخدَمَهَا النَّبيُّ عَلَيهِ الصلاة والسَّلامُ فِي هَذِهِ الخُطبَةِ: "الطِّبَاقُ" وَهُوَ الإِتيَانُ بِالكَلِمَةِ وَضِدِّهَا, وَفَائِدَتُهُ إِبرَازُ المَعَانِي بِالتَّضَادِ. وَمِنْ أمثِلَةِ الطِّبَاقِ قَولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: (دُنيَاهُ، آخِرَتِهِ) وَقَولُهُ: (الشَّبِيبَةِ، الْهَرَمِ) وَقَولُهُ: (الْحَيَاةِ، الْمَوْتِ).

وَقَد خَتَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ خُطْبَتَهُ هَذِهِ بِتَأكيِدِ مَا تَقَدَّمَ, فَأقسَمَ عَلَى أنَّ الإِنسَانَ إِذَا مَاتَ انتَهَى رَجَاؤُهُ، وَلَمْ تَبقَ أمَامَهُ فُرصَةٌ يَتَدَارَكُ بِهَا مَا فَاتَ، أو يَعتَذِرُ عَنْ ذُنُوبِهِ، وَإِنَّمَا أمَامَهُ الثَّوَابُ، أوِ العِقَابُ: الجَنَّةُ إِذَا كَانَ مُحسِناً, وَالنَّارُ إِذَا كَانَ مُسِيئاً. فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا بَعْدَ الْمَوْتِ مِنْ مُسْتَعْتَبٍ، وَمَا بَعْدَ الدُّنْيَا مِنْ دَارٍ إِلا الْجَنَّةَ أَوِ النَّارَ». وَالقَسَمُ أُسلُوبُ تَوكِيدٍ يُوحِي بِقُدْرَةِ اللهِ, وَسَيطَرَتِهِ عَلَى النُّفُوسِ. وَقَولُهُ: "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ" كِنَايَةٌ عَنْ مَوصُوفٍ هُوَ اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى. 

وَقَولُهُ "بِيَدِهِ" مَجَازٌ مُرسَلٌ عَنِ القُدرَةِ عَلاقَتُهُ السَّبَبِيَّةُ. وَقَولُهُ: "مُستَعْتَبٌ" اِستَعْتَبَ وَأعْتَبَ بِمَعْنىً وَاحِدٍ هُوَ: سَرَّهُ بَعدَمَا سَاءَهُ, وَيُقَالُ أَيضاً: اِستَعْتَبَ: بِمَعنَى طَلَبَ أَنْ يُعْتَبَ. وَهُوَ مَجرُورٌ بِـ "مِنْ" الدَّالَّةِ عَلَى التَّبعِيضِ، فِي تَعبِيرٍ يُوحِي بِالقِلَّةِ، أيْ: وَلا حَتَّى مُستَعتَبٍ وَاحِدٍ. وَاستَخدَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أُسلُوبَ القَصْرِ بـ"مَا وَإِلا"؛ لِيَقْصُرَ المَصِيرَ عَلَى أحَدِ الأمرَينِ المَذكُورَينِ بَعدَهُ لا ثَالِثَ لَهُمَا، وَيَدعُو إِلَى تَحكِيمِ العَقْلِ عِندَ الاختِيَارِ، الجَنَّةَ أوِ النَّارَ.

وَهَذَا النَّصُّ لَونٌ مِنَ الخِطَابَةِ الدِّينِيَّةِ, وَقَدِ اشتَمَلَتِ الخُطبَةُ عَلَى مُقَدِّمَةٍ قَصِيرَةٍ "أيُّهَا النَّاسُ" تَلاهَا عَرْضُ المَوضُوعِ مُعتَمِداً عَلَى التِّكرَارِ وَالإِطنَابِ وَالإِقنَاعِ وَالاستِمَالَةِ، وَجَاءَتِ الخَاتِمَةُ «فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا بَعْدَ الْمَوْتِ مِنْ مُسْتَعْتَبٍ، وَمَا بَعْدَ الدُّنْيَا مِنْ دَارٍ إِلا الْجَنَّةَ أَوِ النَّارَ». وَفِيهَا تَلْخِيصٌ لِهَدَفِ الخُطبَةِ. وَقَدِ أمتَازَ أُسلُوبُ النَّبِيِّ الخِطَابِيُّ بِخَصَائِصَ فَنِّيةٍ أهَمُهَا: السُّهُولَةُ, وَالوُضُوحُ، وَالإِقنَاعُ, وَالإِمتَاعُ، وَالتَّنوِيعُ بَينَ الخَبَرِ وَالإِنشَاءِ.

مستمعينا الكرام: نَشكُرُكُم عَلى حُسنِ استِمَاعِكُم, مَوعِدُنَا مَعَكُمْ في الحَلْقةِ القادِمَةِ إنْ شَاءَ اللهُ, فَإِلَى ذَلِكَ الحِينِ وَإِلَى أَنْ نَلْقَاكُمْ وَدَائِماً, نَترُكُكُم في عنايةِ اللهِ وحفظِهِ وأمنِهِ, وَالسَّلامُ عَلَيكُمْ وَرَحمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

الأستاذ محمد أحمد النادي - ولاية الأردن - 2014/9/21م

المزيد من القسم فقه

مع الحديث الشريف - أتدرون من المفلس

مع الحديث الشريف

أتدرون من المفلس

حياكم الله مستمعينا الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير، يتجدد اللقاء معكم وبرنامجنا مع الحديث الشريف، وخير ما نبدأ به حلقتنا تحية الإسلام، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

جاء في مسند أحمد - بَاقِي مُسْنَدِ الْمُكْثِرِينَ - إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصيام وصلاة وزكاة ويأتي قد شتم عرض هذا وقذف هذا وأكل مال هذا 

  حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ زُهَيْرٍ عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ "هَلْ تَدْرُونَ مَنْ الْمُفْلِسُ" قَالُوا الْمُفْلِسُ فِينَا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ قَالَ "إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصِيَامٍ وَصَلَاةٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ عِرْضَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا فَيُقْعَدُ فَيَقْتَصُّ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْخَطَايَا أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ"

إن هذا الحديث يعد كغيره من الأحاديث الهامة التي يجب فهم معناه وإدراكه، فمن الناس من هو مفلس رغم صلاته وصيامه وزكاته، ذلك أنه شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا  

وإفلاسه يكون أنه أخذ من حسناته والتي تعد رأس ماله ويعطى لهذا ويسد لذاك ثمن قذفه وشتمه وضربه له، وبعد أن تفنى  حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار. 

وعندما سأل النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه أتدرون من المفلس؟ معنى أتدرون من الدراية والدراية العلم ببواطن الأمور، أتدرون أي أتعلمون من هو المفلس حقيقةً؟ هذا يؤكد قول سيدنا علي كرم الله وجهه: "الغنى والفقر بعد العرض على الله" هم حينما سئلوا هذا السؤال أجابوا إجابةً من خلال خبراتهم، المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، هذا المفلس بنظر أصحاب رسول الله، فقال عليه الصلاة والسلام: لا،....قَالَ: إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصِيَامٍ وَصَلاةٍ وَزَكَاةٍ... 

وهذا يؤكد قول سيدنا عمر: من شاء صام ومن شاء صلى لكنها الاستقامة، لأن الصلاة والصوم والحج والزكاة هذه عبادات قد يفعلها الإنسان وفي نفسه إخلاص لها، وقد يفعلها نفاقاً، لكن مركز الثقل هو أن ينضبط على أمر الله 

نسأل الله أن يثبتنا على الحق، ويجعلنا من عباده المتقين، وأن يبدل سيئاتنا حسنات، ولا يخزنا يوم العرض عليه،، اللهم آمين 

مستمعينا الكرام، وإلى حين أن نلقاكم ومع حديث نبوي آخر، نستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته 

كتبته للإذاعة 

عفراء تراب

مع الحديث الشريف - المنافقون وأعمالهم الشريرة

مع الحديث الشريف

المنافقون وأعمالهم الشريرة

نحييكم جميعا أيها الأحبة في كل مكان، في حلقة جديدة من برنامجكم "مع الحديث الشريف" ونبدأ بخير تحية، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

عن بريدة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏لَا تَقُولُوا لِلْمُنَافِقِ سَيِّدٌ فَإِنَّهُ إِنْ يَكُ سَيِّدًا فَقَدْ أَسْخَطْتُمْ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ‏"‏‏.‏ ‏رواه أبو داود بإسناد صحيح‏.

أيها المستمعون الكرام

إن خير الكلام كلام الله تعالى، وخير الهدي هدي نبيه محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام، أما بعد، 

إن هذا الحديث الشريف يرشدنا إلى كيفية التعامل مع المنافقين الذين نعلمهم، حيث كان الرسول صلى الله عليه وسلم هو الوحيد الذي يعلم المنافقين كلهم بأسمائهم، ولكن نحن يمكننا أن نعلم بعضهم من صفاتهم، كالذين أرشد إليهم القرآن بأنهم يقومون بالفروض بتكاسل على مضض، وكالذين يكيدون للإسلام والمسلمين ويشجعون الفتن ويفسدون في الأرض ويحبون أن تشيع الفاحشة بالدعوة إليها وحمايتها ورعايتها، وكالذين يقولون الكذب على الإسلام والمسلمين... وغيرهم ممن اتصفوا بالنفاق. 

لذلك علينا أن ندرك ما حسّنه الشرع وما قبحّه، حتى نعرف المنافق من المخلص، فنتخذ الإجراء المناسب تجاهه. لا يجب أن نأمن جانب من يفعل ما يخالف الشرع وهو يظهر أنه يفعل ما يفعله حرصاً على الإسلام والمسلمين، ويجب أن لا نسير خلفه ولا نؤيده، ولا حتى أقل من ذلك بأن نصفه بسيد، وإلا سخط الله سبحانه وتعالى علينا.

علينا نحن المسلمين أن نكون أكثر الناس حرصاً على الإسلام والمسلمين، ولا نترك لمنافق مدخلاً على ديننا وأهلنا، فهم من أخطر ما قد نواجهه هذه الأيام لكثرتهم وتعدد وجوههم. علينا استحضار الميزان الشرعي لقياس أعمال من يدّعي الإسلام، فالإسلام لنا وقاء من مثل هؤلاء الأشرار. 

الله نسأل أن يحفظ أمتنا من أمثال هؤلاء المجرمين، وأن يرشدنا إلى الطريق المستقيم والميزان الصحيح الذي نقيس به سلوك الناس فنبتعد عمن لا يحبهم الله، اللهم آمين. 

أحبتنا الكرام، وإلى حين أن نلقاكم مع حديث نبوي آخر، نترككم في رعاية الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

كتبه للإذاعة: د. ماهر صالح