مع الحديث الشريف - الربا
مع الحديث الشريف - الربا

‏عَنْ ‏‏جَابِرٍ ‏‏قَالَ "لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏ ‏آكِلَ الرِّبَا وَمُؤْكِلَهُ وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ وَقَالَ هُمْ سَوَاءٌ" ‏رواه مسلم ‏

0:00 0:00
السرعة:
March 25, 2015

مع الحديث الشريف - الربا

مع الحديث الشريف 

الربا

نحييكم جميعا أيها الأحبة المستمعون في كل مكان في حلقة جديدة من برنامجكم "مع الحديث الشريف" ‏ونبدأ بخير تحية فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته


‏عَنْ ‏‏جَابِرٍ ‏‏قَالَ "لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏ ‏آكِلَ الرِّبَا وَمُؤْكِلَهُ وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ وَقَالَ هُمْ سَوَاءٌ" ‏رواه مسلم ‏


جاء في شرحِ النّوويِّ {هَذَا تَصْرِيحٌ بِتَحْرِيمِ كِتَابَةِ الْمُبَايَعَةِ بَيْن الْمُتَرَابِينَ وَالشَّهَادَةِ عَلَيْهِمَا، ‏‏وَفِيهِ: تَحْرِيمُ الْإِعَانَةِ عَلَى الْبَاطِلِ. وَاَللَّهُ أَعْلَم}‏


مستمعينا الكرام: مَنَعَ الشرعُ الرِّبا منعاً باتّاً مهما كانت نِسبَتُهُ سواءٌ أكانتْ كثيرةً أم قليلة. ومالُ الربا حرامٌ ‏قطعاً، ولا حقَّ لأحدٍ في مِلكيّتِهِ، ويُرَدُّ لأهلِهِ إنْ كانوا معروفين، قال الله تعالى: ‏((الذين يأكلون الربا لا ‏يقومون إلاّ كما يقوم الذي يتخبّطه الشيطان من المَسّ ذلك بأنهم قالوا إنّما البيع مثل الربا وأحل الله ‏البيع وحرّم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب ‏النار هم فيها خالدون))، وقال: ‏((يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين ‏فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تَظلمون ولا تُظلمون))‏.‏


والوَصْفُ الواقعُ للرّبا هو أنّ هذه الفائدةَ التي يأخذُها المُرابي هي استغلال ٌلِجُهْدِ الناسِ وهي جزاءٌ من غيرِ ‏بَذْلِ جُهد. ولأنّ المالَ الذي يؤخَذُ عليهِ ربا هو مضمونُ الفائدةِ غيرُ مُعرَّضٍ للخَسارة، وهذا يخالفُ قاعدةَ ‏‏"الغُرْمُ بالغُنْم"، ولذلكَ كان استغلالُ المالِ بالشركةِ والمُضارَبَةِ والمُساقاةِ بِشُروطِها جائزاً لأنه تنتفعُ به ‏الجماعةُ ولا يَستغِلُّ جهدَ آخَرِين، بل يكونُ وسيلةً تُمكِّنُهُم من الانتفاعِ بِجُهْدِ أنفُسِهِم وهو مُعرَّضٌ ‏للخسارةِ كما هو مُعرَّضٌ للرِّبح، وهذا بخلافِ الربا. على أنّ تحريمَ الربا إنّما كان بالنّصِّ ولم يُعلَّلْ هذا ‏النَّصُّ بِعِلَّة، وقد جاءت السّنّةُ مُبيِّنَةً الأموالَ الربوية.‏


غير أنه قد يتبادرُ للذهنِ أنّ صاحبَ المالِ مُحتَفِظٌ بِمالِهِ وقد لا يَسْخُو بإقراضِ المُحتاجِ لِقَضاءِ حاجَتِه، وهذه ‏الحاجةُ تُلِحُّ على صاحِبِها، فلا بدّ من وسيلةٍ لِسَدِّ هذه الحاجة. على أنّ الحاجةَ اليومَ تعدَّدَتْ وتنوعّتْ وصارَ ‏الربا قَوامَ التجارةِ والزراعةِ والصناعة، ولذلك وُجدتْ المصارفُ (البنوك) للتعاملِ بالربا، ولا وسيلةَ غيرَها، ‏كما لا وسيلةَ بغيرِ المُرابينَ لسدِّ الحاجات.‏


والجوابُ على ذلك أنّنا نتحدّثُ عن المجتمعِ الذي يُطبَّقُ فيه الإسلامُ جميعُهُ ومنه الناحيةُ الاقتصادية، لا عن ‏المجتمعِ بوضْعِهِ الحاضر، لأن هذا المجتمعَ بوضعِهِ الحاضرِ يعيشُ على النظامِ الرأسمالي، ولذلك بَرَزَ فيه كونُ ‏المصْرِفِ (البنك) من ضرورياتِ الحياة. فصاحبُ المال الذي يرى نفْسَهُ حُرّاً في مِلْكِه، والذي يرى أن له ‏حريةَ الاستغلالِ بالغِشِّ والاحتكارِ والقمارِ والربا وغيرِ ذلك دون رقابةٍ من دولةٍ أو تقيُّدٍ بقانون، لا شكّ ‏في أنّ مثلَ هذا يرى أن الربا والمصْرِفَ ضرورةٌ من ضرورياتِ الحياة.‏


ولذلك وجَبَ أن يُغيَّرَ النظامُ الاقتصاديُّ الحاليُّ بِرُمَّتِهِ وأنْ يوضَعَ مكانَه -وضعاً انقلابياً شاملاً- النظامُ ‏الإسلاميُّ للاقتصاد. فإذا أُزيلَ هذا النظامُ وطُبِّقَ النظامُ الإسلاميُّ بَرَزَ للناسِ أنّ المجتمعَ الذي يُطبِّقُ الإسلامَ ‏لا تظهَرُ فيه الضرورةُ إلى الربا، لأن المحتاجَ إلى الاستقراضِ إمّا أنْ يحتاجَهُ لأجْلِ العَيْشِ أو يحتاجَهُ لأجْلِ ‏الزراعة. أمّا الحاجةُ الأولى فقد سدَّها الإسلامُ بِضَمانِ العيش ِلكلِّ فردٍ من أفراد الرعية. وأمّا الحاجةُ الثانيةُ ‏فقد سدّها الإسلامُ بإقراضِ المحتاجِ دونَ ربا، فقد روى ابنُ حِبّانٍ وابنُ ماجَةَ عن ابنِ مسعودٍ أنّ الرسولَ ‏صلى الله عليه وسلم قال: {ما مِنْ مُسلِمٍ يُقرِضُ مُسلِماً قرضاً مرّتَيْنِ إلاّ كان كَصَدَقَتِها مَرَّةً}. وإقراضُ ‏المحتاجِ مَندوب، ولا يُكْرَهُ الاستقراضُ أيضاً، لأنّ الرسولَ صلى الله عليه وسلم كان يستقرِض. وما دام ‏الاستقراضُ موجوداً وقد برزَ للناسِ أنّ الرّبا ضررٌ من أشدِّ الأضرارِ على الحياةِ الاقتصادية، بل برَزَ للْعِيانِ ‏أنّ الضرورةَ تقضي باستبعادِ الربا وإيجادِ الحَوائِلِ الكثيفةِ بينَهُ وبينَ المجتمعِ بالتشريعِ والتوجيهِ وَفْقَ نظامِ ‏الإسلام.‏


وإذا عَدِمَ الربا لم تَبْقَ حاجةٌ للمصارفِ (البنوك) الموجودةِ الآن. ويبقى بيتُ المالِ وَحْدَهُ يقومُ بإقراضِ المالِ ‏بلا فائدة، بعد التحقُّقِ من إمكانيةِ الانتفاعِ بالمال. وقد أعطى عمرُ بنُ الخطابِ من بيتِ المالِ للفلاّحينَ في ‏العراقِ أموالاً لاستغلالِ أرْضِهِم. والحكمُ الشرعيُّ أنْ يُعْطَى الفلاّحونَ من بيتِ المالِ ما يتمكَّنُونَ به من ‏استغلالِ أراضِيهِمْ إلى أنْ تُخْرِجَ الغِلالَ. وعن الإمامِ أبي يوسُفَ "ويُعطَى للعاجزِ كِفايَتُهُ من بيتِ المالِ قَرْضاً ‏لِيَعْمَلَ فيها" أي الأرض. وكما يُقرِضُ بيتُ المالِ الفلاّحينَ للزراعةِ يُقرِضُ مَنْ هُمْ مِثْلُهُمْ مِمَّنْ يقومونَ ‏بالأعمالِ الفرديّةِ التي يحتاجونَ إليها لِكِفايَةِ أنْفُسِهِم. وإنما أعطى عُمَرُ الفلاحينَ لأنهمْ في حاجةٍ لِكِفايَةِ ‏أنْفُسِهِمْ في العيش فأُعْطُوا لهذه الكفاية، ولذلك لا يُعطَى الفلاحون الأغنياءُ من بيتِ المال شيئاً لزيادةِ ‏إنتاجهم. ويُقاسُ على الفلاحينَ مَنْ هُمْ مِثْلُهُمْ فيما هم في حاجةٍ إليه لكفايةِ أنفُسِهِم في العيْشِ، فقد أعطى ‏الرسولُ رَجُلاً حَبْلاً وفأساً لِيَحْتَطِبَ من أجْلِ أنْ يأكُل.‏


على أنّ تَرْكَ الربا لا يتوقّفُ على وجودِ المجتمعِ الإسلاميِّ أو وجودِ الدولةِ الإسلاميّةِ أو وجودِ من يُقرِضُ ‏المال، بل الربا حرامٌ ويجبُ تَرْكُهُ سواءٌ أَوُجِدَتْ دولةٌ إسلاميةٌ أم لم تُوْجَد، ووُجدَ مجتمعٌ إسلاميٌّ أم لم ‏يُوجَدْ، ووُجدَ مَنْ يُقرِضُ المالَ أم لم يُوْجَد.‏


مستمعينا الكرام والى حين أن نلقاكم مع حديث نبوي آخر نترككم في رعاية الله والسلام عليكم ورحمة ‏الله وبركاته.‏

المزيد من القسم فقه

مع الحديث الشريف - أتدرون من المفلس

مع الحديث الشريف

أتدرون من المفلس

حياكم الله مستمعينا الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير، يتجدد اللقاء معكم وبرنامجنا مع الحديث الشريف، وخير ما نبدأ به حلقتنا تحية الإسلام، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

جاء في مسند أحمد - بَاقِي مُسْنَدِ الْمُكْثِرِينَ - إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصيام وصلاة وزكاة ويأتي قد شتم عرض هذا وقذف هذا وأكل مال هذا 

  حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ زُهَيْرٍ عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ "هَلْ تَدْرُونَ مَنْ الْمُفْلِسُ" قَالُوا الْمُفْلِسُ فِينَا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ قَالَ "إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصِيَامٍ وَصَلَاةٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ عِرْضَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا فَيُقْعَدُ فَيَقْتَصُّ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْخَطَايَا أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ"

إن هذا الحديث يعد كغيره من الأحاديث الهامة التي يجب فهم معناه وإدراكه، فمن الناس من هو مفلس رغم صلاته وصيامه وزكاته، ذلك أنه شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا  

وإفلاسه يكون أنه أخذ من حسناته والتي تعد رأس ماله ويعطى لهذا ويسد لذاك ثمن قذفه وشتمه وضربه له، وبعد أن تفنى  حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار. 

وعندما سأل النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه أتدرون من المفلس؟ معنى أتدرون من الدراية والدراية العلم ببواطن الأمور، أتدرون أي أتعلمون من هو المفلس حقيقةً؟ هذا يؤكد قول سيدنا علي كرم الله وجهه: "الغنى والفقر بعد العرض على الله" هم حينما سئلوا هذا السؤال أجابوا إجابةً من خلال خبراتهم، المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، هذا المفلس بنظر أصحاب رسول الله، فقال عليه الصلاة والسلام: لا،....قَالَ: إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصِيَامٍ وَصَلاةٍ وَزَكَاةٍ... 

وهذا يؤكد قول سيدنا عمر: من شاء صام ومن شاء صلى لكنها الاستقامة، لأن الصلاة والصوم والحج والزكاة هذه عبادات قد يفعلها الإنسان وفي نفسه إخلاص لها، وقد يفعلها نفاقاً، لكن مركز الثقل هو أن ينضبط على أمر الله 

نسأل الله أن يثبتنا على الحق، ويجعلنا من عباده المتقين، وأن يبدل سيئاتنا حسنات، ولا يخزنا يوم العرض عليه،، اللهم آمين 

مستمعينا الكرام، وإلى حين أن نلقاكم ومع حديث نبوي آخر، نستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته 

كتبته للإذاعة 

عفراء تراب

مع الحديث الشريف - المنافقون وأعمالهم الشريرة

مع الحديث الشريف

المنافقون وأعمالهم الشريرة

نحييكم جميعا أيها الأحبة في كل مكان، في حلقة جديدة من برنامجكم "مع الحديث الشريف" ونبدأ بخير تحية، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

عن بريدة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏لَا تَقُولُوا لِلْمُنَافِقِ سَيِّدٌ فَإِنَّهُ إِنْ يَكُ سَيِّدًا فَقَدْ أَسْخَطْتُمْ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ‏"‏‏.‏ ‏رواه أبو داود بإسناد صحيح‏.

أيها المستمعون الكرام

إن خير الكلام كلام الله تعالى، وخير الهدي هدي نبيه محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام، أما بعد، 

إن هذا الحديث الشريف يرشدنا إلى كيفية التعامل مع المنافقين الذين نعلمهم، حيث كان الرسول صلى الله عليه وسلم هو الوحيد الذي يعلم المنافقين كلهم بأسمائهم، ولكن نحن يمكننا أن نعلم بعضهم من صفاتهم، كالذين أرشد إليهم القرآن بأنهم يقومون بالفروض بتكاسل على مضض، وكالذين يكيدون للإسلام والمسلمين ويشجعون الفتن ويفسدون في الأرض ويحبون أن تشيع الفاحشة بالدعوة إليها وحمايتها ورعايتها، وكالذين يقولون الكذب على الإسلام والمسلمين... وغيرهم ممن اتصفوا بالنفاق. 

لذلك علينا أن ندرك ما حسّنه الشرع وما قبحّه، حتى نعرف المنافق من المخلص، فنتخذ الإجراء المناسب تجاهه. لا يجب أن نأمن جانب من يفعل ما يخالف الشرع وهو يظهر أنه يفعل ما يفعله حرصاً على الإسلام والمسلمين، ويجب أن لا نسير خلفه ولا نؤيده، ولا حتى أقل من ذلك بأن نصفه بسيد، وإلا سخط الله سبحانه وتعالى علينا.

علينا نحن المسلمين أن نكون أكثر الناس حرصاً على الإسلام والمسلمين، ولا نترك لمنافق مدخلاً على ديننا وأهلنا، فهم من أخطر ما قد نواجهه هذه الأيام لكثرتهم وتعدد وجوههم. علينا استحضار الميزان الشرعي لقياس أعمال من يدّعي الإسلام، فالإسلام لنا وقاء من مثل هؤلاء الأشرار. 

الله نسأل أن يحفظ أمتنا من أمثال هؤلاء المجرمين، وأن يرشدنا إلى الطريق المستقيم والميزان الصحيح الذي نقيس به سلوك الناس فنبتعد عمن لا يحبهم الله، اللهم آمين. 

أحبتنا الكرام، وإلى حين أن نلقاكم مع حديث نبوي آخر، نترككم في رعاية الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

كتبه للإذاعة: د. ماهر صالح