مع الكتاب: كيف ننتصر؟
April 16, 2023

مع الكتاب: كيف ننتصر؟

مع الكتاب: كيف ننتصر؟

قال تعالى: ﴿بِآيَاتِنَا أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾، آية عظيمة في سورة القصص يبين الله عز وجل فيها لموسى وأخيه هارون عليهما السلام، أن الغلبة والنصر سيكونان لهما لا محالة، نعم سيغلبان وينتصران لا محالة على فرعون وملئه وجيشه. وهنا يتبادر للذهن، ولكن كيف؟ كيف سينتصر رجلان أعزلان لا يملكان شيئا يذكر من أسباب النصر المادية من عدة وعتاد واستعداد وجنود ومنجنيق وغيرها من سبل العدة المادية؟ كيف سينتصران ويغلبان فرعون وملأه وجيشه الجرار وجنده الكثيرين وآلته الحربية وثرواته التي لا تنضب؟

تجيب الآية الكريمة على هذا التساؤل وتلك الحيرة بكلمة واحدة فقط ﴿بِآيَاتِنَا﴾، نعم كلمة واحدة فقط يتلخص فيها سبب النصر، كلمة واحدة، ﴿بِآيَاتِنَا﴾ تلك الكلمة التي من شأنها أن تجعل النصر حليف الضعفاء والمضطهدين والمظلومين، بآيات الله عز وجل يعز الذليل، ويقوى الضعيف، وينتصر المغلوب، ويتبدل الحال من ضعف وهوان ومن ذل وعبودية، ومن فقر وضنك، ومن جهل وتردٍّ، يتبدل الحال بكلمة واحدة إلى عز وقوة وغلبة وأنفة وارتقاء وإنشاء، وتطور ورخاء، واستقلال وقرار وسيادة وعمار... نعم بآيات الله يحصل كل ذلك. فالتزام المؤمنين في كل عصر بآيات الله عز وجل يؤدي إلى نتيجة نوعية فورية مؤثرة تحير العقلاء وتدهش المتابعين والمراقبين.

بكلمة واحدة فقط ﴿بِآيَاتِنَا﴾ اختصرت الآية العديد من البحوث ورسالات الدكتوراة التي ينسجها الأخصائيون، اختصرت كثيرا من الأطروحات التي يقدمها الاقتصاديون والخبراء وعلماء الاجتماع، وعلماء النفس وعلماء التكنوقراط في كل العالم من أجل المنافسة من أجل الحصول على مقعد الدولة الأولى في العالم قوة وعلما واقتصادا واجتماعا ... بآيات الله أيها المؤمنون ستحصلون على كل ذلك، إن أنتم التزمتم بها سيتحقق لكم كل ذلك وأكثر، بل وستكونون المفلحين في دار القرار أيضا يوم القيامة، ﴿بِآيَاتِنَا﴾ ستكونون أصحاب الدنيا والآخرة، هذا وعد من رب العزة القادر على كل ذلك.

بكلمة واحدة فقط ﴿بِآيَاتِنَا﴾ حل لكل المشاكل التي أعيت الحكومات الفاشلة في دولنا، ﴿بِآيَاتِنَا﴾ حل لكل المعضلات الاقتصادية التي نعاني منها، ﴿بِآيَاتِنَا﴾ حل للتخلص من العبودية لدول الاستعمار، ﴿بِآيَاتِنَا﴾ حل لتحرير فلسطين وكل بلاد المسلمين المحتلة، ﴿بِآيَاتِنَا﴾ حل للتخلص من تسلط البنك الدولي وصندوق النقد العالمي ومؤسسات الأمم المتحدة الظالمة الجائرة المستغلة لثروات المسلمين وجهدهم وعرقهم، ﴿بِآيَاتِنَا﴾ سبيل للتخلص من عملاء الغرب من حكام المسلمين الذين يمعنون في تقسيم الأمة وتمزيقها في أكثر من خمسين كياناً وطنياً هزيلاً، ﴿بِآيَاتِنَا﴾ خلاص من حدود سايكس بيكو ومن الجوازات والتأشيرات التي فرضها علينا الاستعمار بعد هدم دولة الخلافة العثمانية 1924م، ﴿بِآيَاتِنَا﴾ يمكننا نحن المسلمين أن نستعيد خلافتنا التي هدمها الغرب. نعم، كل شيء يحل بكلمة واحدة مذكورة في الآية؛ ﴿بِآيَاتِنَا﴾.

لقد كانت هذه الكلمة سببا لانتصار موسى وهارون عليهما السلام وبني إسرائيل على فرعون وجيشه وجنده وملئه، وبهذه الكلمة انتصر رسول الله ﷺ وصحبه الكرام على أكبر إمبراطوريات العالم؛ الفرس والروم، وبهذه الكلمة نستطيع اليوم أن نستعيد خلافتنا ونرجع أسياداً في هذه الدنيا من جديد. نعم بآيات ربنا يمكننا فعل كل ذلك. ونحن مؤمنون بذلك والله تعالى يؤكد ذلك في أكثر من موضع في كتابه الكريم، لا يتسع المقام لذكرها كلها ولكن نذكر منها واحدة ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً﴾ فآيات الله عز وجل شفاء لهمومنا وحل لكل مشاكلنا وقضايانا على الصعيد الفردي وعلى صعيد الأمة، وفي الوقت نفسه هي حلول مريحة ففيها رحمة وهداية، وهذا دلالة على أن الشقاء والضلال هما في ترك هذه الآيات وترك كتاب الله والتولي عنه والعياذ بالله.

ولذا على من ينشد التغيير الصحيح ومن يرنو للحصول على الغلبة والنصر أن يتوجه بكل طاقته وعزمه إلى هذه الآيات لتدله وتهديه وتقوده للنصر والغلبة والتغيير الصحيح، عليه أن لا يتوجه لطلب الحلول من أمريكا وبريطانيا وفرنسا وروسيا وغيرهم، عليه أن لا يتوجه إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن، عليه أن لا يتوجه لطلب القروض من البنك الدولي وصندوق النقد العالمي، تلك القروض الربوية التي تكبل العباد والبلاد للدول الكبرى وتزيد من تبعية البلدان للدول الكبرى المستعمرة، بل عليه أن يتوجه إلى آيات الله ليجد الحل والرحمة معا، ليجد الطمأنينة والحلول الميسرة، نعم عليه أن يتوجه إلى كتاب الله ليجد الحلول والمعالجات.

على السائرين في طريق التغيير، وعلى الثائرين على حكوماتهم وأنظمتهم أن يتسلحوا بآيات الله ليجدوا الحلول الصحيحة لإيصال ثوراتهم إلى المكان المطلوب، فليست القضية إبدال عميل بعميل وحكومة بحكومة أخرى ويبقى الفساد والبلاد على حالهما، وإنما المطلوب هو تغيير الحكومات والأنظمة والدستور كله بآيات الله عز وجل، المطلوب تحرير البلاد والعباد من دساتير الغرب وقوانينه التي هي حبال الغرب التي يسيطر بها وبحكام بلادنا علينا وعلى بلادنا وعلى كل شرايين الحياة فيها، المطلوب أن نتحرر من هذه الدساتير الغربية ومن تلك الأنظمة ومن أولئك الحكام واستبدال آيات الله وشرعه بهذه الدساتير. وبذلك فقط يكون النصر والغلبة لنا، نعم بتلك الكلمة التي قالها الله لموسى وهارون ﴿بِآيَاتِنَا﴾.

لقد وضع حزب التحرير يده على مكمن المشكلة منذ عام 1953 وكان ذلك بعد دراسة واستقراء لآيات الله وسنة نبيه، وحدد أن مشكلتنا تكمن في غياب الإسلام عن الحكم وفي غياب دولة الخلافة وفي غياب الخليفة. إذ كيف ستكون آيات الله فاعلة ومطبقة ونافذة إذا لم تكن هناك دولة تتبناها وتطبقها وتحملها رسالة للعالمين؟ ولهذا كله بين الحزب في ثقافته أن غايته استئناف الحياة الإسلامية من جديد بإقامة الخلافة إذ بدونها لن نستطيع تفعيل وتطبيق آيات الله في الحياة بالصورة الصحيحة التي أوجبها الله على المسلمين، والتي بها تتم هداية غير المسلمين ونشر الدعوة وحملها لهم.

﴿بِآيَاتِنَا﴾ انطلق حزب التحرير يدعو الأمة بكل أطيافها: جيوشها وعامتها وعلمائها ومفكريها وسياسييها وخطبائها، فكلهم معنيون لأنهم مسلمون ولأنهم يتوجب عليهم تغيير حال الأمة والعودة بأمتهم إلى آيات الله التي تدعو إلى الوحدة في دار عز، وتطبيق شرع الله وآياته لتحل مشاكل المسلمين الواحدة تلو الأخرى.

لم يبلغ حزب التحرير غايته بعد بإقامة دولة الخلافة الراشدة القادمة قريبا بإذن الله، لم يتمكن بعد من إقامتها، ليس من أجل الوصول للحكم، بل من أجل إيصال آيات الله ودستور الإسلام للحكم، لم يتمكن حزب التحرير إلى الآن من بلوغ هذا الهدف وهو يسعى بجد ودون كلل ولا ملل لبلوغه بإذن الله.

ومن المعلوم أن هناك جهوداً مضادة لعمل حزب التحرير وغايته من جهة أعداء الله الكفرة وأدواتهم حكام المسلمين، وبعض علماء السلطان، وأصحاب الأقلام المسمومة من الكتاب والمفكرين، فهؤلاء هدفهم منع حزب التحرير من إيصال آيات الله عز وجل للحكم.

وهناك، للأسف، الكثير من علماء المسلمين وشباب المسلمين الذين ما زالوا متخلفين عن الركب، وقرروا الوقوف على الحياد وآثروا التفرج والترقب، واختاروا النأي بأنفسهم عن هذا الصراع الذي يخوضه حزب التحرير وشبابه وعلماؤه مع أعداء الله وحكام المسلمين!

إن هذا الصراع مستمر حتى يتمكن الحزب من إيصال آيات الله إلى الحكم لتكون دستور الأمة الجديد بإذن الله قريبا في دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة، فهذه الدعوة ستنتصر، لأنها انطلقت من كتاب الله عز وجل وآياته، وتعمل على هديها، وغايتها هي إيصالها إلى الحكم لتتفعل وتطبق على مستوى الدولة، ولذا فهذه الدعوة حتما ستنتصر لأن الآية وعدت بالنصر لمن يتشبث ويتمسك بآيات الله، قال تعالى: ﴿بِآيَاتِنَا أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾.

يا من تتخلفون عن ركب هذا الصراع، يا من تبطئون عن اللحاق بدعوة الخلافة التي يقودها حزب التحرير: أسرعوا باللحاق بهذا الركب فتكونوا ممن عمل وسعى لإيصال آيات الله لسدة الحكم وعمل وسعى لاستئناف الحياة الإسلامية بإقامة الخلافة، وعمل وسعى لتحقيق مراد الله، فليس من سعى لإيجاد دولة الإسلام كمن سيعيش في ظل هذه الدولة دون جهد وسعي وتضحية لإيجادها، فهل من الممكن أن يكون أجر المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم كأجر غيرهم من المسلمين الذين لم يبنوا ويشاركوا ويسعوا لإقامة الدولة الإسلامية الأولى في المدينة؟ وهل سيكون أجر العاملين اليوم لإقامة الخلافة القادمة الثانية على منهاج النبوة نفس أجر من حصل عليها بكل أريحية بعد إقامتها؟ ليس الأمر كذلك، فالله تعالى يقول في كتابه الكريم: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ والرسول ﷺ يقول: «مَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» إذ كيف يعيش المسلم ويموت ولم يعمل لتحقيق مراد الله بأن يكون للمسلمين دولة وخليفة، وتطبق أحكام الشرع وتنفذ قوانين الله عز وجل؟! فالأمر ليس على الخيار، بل لا بد لكل المسلمين أن يهتموا ويسعوا ويجدّوا لتحقيق هذا الأمر الجلل الذي هو تاج الفروض والذي يرتبط به العمل بكتاب الله وسنة نبيه وتطبيق شرع الله الذي سيؤدي بنا إلى الغلبة والنصر لا محالة.

اللهم لا تحرمنا أجر العمل لنصرة دينك لبلوغ الخلافة ولتحكيم آياتك لنحصل بها على النصر الذي وعدتنا به، اللهم اجعل لنا سهما في هذه الدعوة ولا تجعلنا ممن يتخلفون ويتقاعسون عنها وعن نصرتها وعن هذا الصراع لنصرة دينك، اللهم هيئ وعجل باستئناف الحياة الإسلامية بإقامة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

د. فرج ممدوح

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر