ما بال أقوام يسارعون في علمانية الغرب الكافر ودولته الوطنية ويتنكبون خلافة الإسلام؟!
December 30, 2024

ما بال أقوام يسارعون في علمانية الغرب الكافر ودولته الوطنية ويتنكبون خلافة الإسلام؟!

ما بال أقوام يسارعون في علمانية الغرب الكافر ودولته الوطنية ويتنكبون خلافة الإسلام؟!

ما بال أقوام باتت معهم أحكام هذا الدين العظيم بل وقطعياته وأبجديات مفاهيمه ومعلوم أحكامه بالضرورة؛ الحكم بما أنزل الله في ظل خلافة راشدة على منهاج النبوة، موضع أخذ ورد ومساومة ومقايضة وظروف دولية تسمح أو لا تسمح، وغرب كافر مستعمر يأذن أو لا يأذن، وضغط واقع مانع أو مجيز، وتضارب بين منفعة ومضرة، وصار دين العزيز العليم عند عبده الحقير الجاهل موضع مفاوضة ومساومة؟!

ما بال أقوام انحنت جباههم لله وما انحنت معها عقولهم وقلوبهم لحكم الله وتحكيم شرعه وشريعته، ما بال أقوام كبروا الله قولا واستكبروا أمريكا والغرب الكافر فعلا، فاستنكفوا عن تحكيم شرع الله ودانوا للغرب الكافر وشرائعه ونظامه الدولي، استخفوا بخوف من وجب خوفه حقا فهو القاهر فوق عباده وخوفهم منه عبادة وطاعة ونجاة ومفازة، واستعظموا وخافوا الغرب الكافر الذي لا يملك نفعا ولا ضرا وخوفهم منه ذلة ومذلة وهوان؟!

ما بال أقوام متى ذكرت خلافة الإسلام وتحكيم شرع الديان استشكلوها وأعضلوها وكأنهم بشريعة الإسلام معضلة وأزمة، وليست الحل الشافي لهذه الأزمة الماحقة التي تحياها أمة الإسلام بل والبشرية جمعاء؟! ما بال أقوام سمعوا وما سمعوا وما فقهوا قول الجليل العليم الخبير لنبيه الهادي ﷺ: ﴿طه * مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾؟!

ما بال أقوام ما نفعت فيهم هذه المائة من السنين الشداد العجاف بضياع خلافة إسلامنا ونقض حياتنا الإسلامية حياة عزنا ومجدنا ونقض مجتمعنا ودارنا، وضمور كيان أمتنا ووحدتنا وطمس شمس حضارتنا وعسف الغرب الكافر المستعمر بشرع ربنا وتعنتنا بكفر فلسفته ومنظومته العلمانية، وطمّنا في وحل مستنقع حضارته وتوسيد أمرنا لشرار الخلق اللئام عملائه؟! أوَما نفعت كل المائة المزحومة بالمآسي والمصائب وكفر العلمانية الأسود وحصادها المفجع لتعلنوها كفرا صريحا بالغرب ومنظومته ورويبضاته، وتكفرون بحدوده وسدوده ودولته الوطنية العلمانية صنيعته التي سامتنا أهوالا وعذابات لمائة خلت؟! أما كفتكم مآسي علمانية الغرب الكافر ودولته الوطنية التي فاضت علينا مصائبها وعذاباتها، وكفى بعذابات وأهوال الشام واعظا؟!

أما آن وحان لكم أن تقدروا حقيقة التبعات الخطيرة المدمرة لحياتنا ومجتمعنا وديننا ودنيانا وآخرتنا لمائة سنة خلت من ضياع خلافتنا وغياب إسلامنا عن دفة الحكم وقيادة هذا العالم المنكوب بجاهلية الغرب ووحشية وهمجية استعماره، تجاه أنفسكم وتجاه البشرية جمعاء فهي مسؤوليتكم، فكيف يرجى الخلاص من هذا التيه المبير والمعيشة الضنكى والشقاء المهلك بدون خلافة الإسلام التي تضع شرع الديان موضع التنفيذ والتطبيق فتحيوا بذلك حقيق وعد ربكم ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾؟

أيقنوا فليس لها من دون الله كاشفة، أما إن استسلمتم لوساوس شياطين الغرب وأرهبتكم دول الغرب وخنعتم وخضعتم، فلا تكابروا، هو دين الله فدعوا الحمل لأهله وابرأوا وتوبوا إلى خالقكم ولا تترخصوا في أعظم وأكبر معاصيه في تعطيل شرعه بين عباده وعلى أرضه، وأشد منها وأكبر معصية وظلما وجرما وهي في تحكيم شرائع وأنظمة الغرب الكافر في أرض الإسلام وعلى عباد الله المسلمين. فيا ويل من كان هذا الدرب دربه والنهج نهجه سار فيه أو عليه أو زَيَّنَهُ للناس!

ما بال أقوام لُدِغوا من جحر أمريكا ودول الغرب الاستعمارية الكافرة سبعين مرة ثم لا يتوبون ولا هم يذّكرون؟! أمريكا هي ألد أعداء الإسلام وأمته فهي شيطان عصركم، فكيف تناقش وتحاور وتفاوض في قضايا المسلمين بل وتشترط وتملي، ثم ها أنتم تجادلون وتحاجون بمكر أمريكا رهبة وخشية؟! أوَما علمتم أنكم بصنيعكم هذا وقعتم في شنيع الاستهانة بمكر القوي المتين بل وأمنتم مكره وهو القائل جل في علاه: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾؟

لمن استرهبتهم أمريكا وظنوا بالله الظنون وبدا لهم انتفاء استطاعة إقامة دين الله في أرضه لحكم عباده بشرعه، وجادلوا ونازعوا وخاصموا في عدم إمكانية ذلك لظرف قهر أصحاب هذا الطرح واستنزفهم؛

لهؤلاء أقل وأضعف الإيمان إن خُيِّرَ المرء بين العجز والفجور أن يعلن عجزه ويفسح الطريق لأصحاب المشروع المؤمنين الموقنين بإقامة خلافة الإسلام الراشدة على منهاج النبوة لتحكيم شرع الله في أرضه وعلى عباده. ثم ليعلم هؤلاء أن ليس لعاجز عن الحكم بشرع الله ولاية أو حكم، فمن شرط الحاكم شرعا أن يكون قادرا من أهل الكفاية على القيام بأعباء الحكم بشرع الله، فذلك مقتضى العقد الشرعي بين الراعي والرعية؛ أن يحكمهم بشرع الله، فالعاجز عن القيام بشؤون الرعية بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ في حكم المعدوم، فكيف بمن استرهبته أمريكا ودان وخضع لشروطها وإملاءاتها ومنظومة كفرها ونظامها الدولي وأنظمتها؟! أخرج مسلم من طريق أبي ذر رضي الله عنه قال: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي؟ قَالَ: فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِبِي، ثُمَّ قَالَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّكَ ضَعِيفٌ، وَإِنَّهَا أَمَانَةُ، وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ إِلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا، وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا».

وليكن معلوما لكل من يؤمن بالله واليوم الآخر أن شرعية النظام هي في تحقيق سيادة الشرع والحكم بشريعة الله وليس في اقتحام قصر الطاغية والجلوس على عرشه، بل شرعية النظام والحاكم لا تنفك عن سيادة الشرع والحكم بشريعة الله، بحيث تكون العقيدة الإسلامية هي أساس الدولة بحيث لا يتأتى وجود شيء في كيانها أو جهازها أو محاسبتها أو كل ما يتعلق بها إلا بجعل العقيدة الإسلامية أساسه. فالعقيدة الإسلامية أساس الدستور والقوانين الشرعية ولا يسمح البتة بوجود شيء مما له علاقة بأي منهما إلا إذا كان منبثقا عن العقيدة الإسلامية، فدستور الدولة وقوانينها أحكام شرعية مستنبطة من أدلة الوحي. قال جل وعلا: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾. ومن حديث عائشة رضي الله عنها عن النبي ﷺ أنه قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» متفق عليه.

ثم ما بال أقوام كنا نعدهم من الأغيار على هذا الدين حتى زعموها حكمة سياسية ووعيا سياسيا أن نصبر ونمهل الساعين في إعادة تدوير المنظومة العلمانية ونظامها العلماني الكافر، حتى نستبين ونستيقن وتكشف لنا الأيام عن صدق أو خبث النوايا وحسن أو قبيح الصنيع بنا؟! يا قومنا، الحكمة والوعي السياسي هي في أن نسير مع الحق بحسب عقيدة الإسلام التي أخذناها عن جزم ويقين واعتقدناها، وأن ننظر إلى الحوادث والوقائع للحكم عليها من زاوية عقيدتنا الإسلامية، والوعي السياسي يقتضي نضالا عقائديا ضد التضليل السياسي الذي يمارسه الغرب الكافر المستعمر وأذنابه لحرف بوصلة الثورة والتغيير عبر محاولته إعادة تدوير النظام العلماني الذي ثار عليه الناس بإبدال الطاغية العميل بعميل في طور الطغيان، ونضالا عقائديا ضد اختصار الغايات السامية والأهداف العالية بغايات جزئية وأهداف آنية (كالمحاولة الماكرة القائمة اليوم في اختصار الغاية السامية لثورة الشام المباركة من إقامة حكم الإسلام وخلافته الراشدة على منهاج النبوة إلى فرار وإسقاط لطاغية الشام) وهو عين المكر والخديعة السامة القاتلة، فالواعي سياسيا يقيس الأمور بمقاييس عقيدته لا أن ينتظر نتائجها ليقرر صحتها من بطلانها! فالتجريب والاختبار وانتظار النتائج هي مقاييس مَن لا مقاييس شرعية له، ومع هكذا حال تصبح الواقعية ومقاييس الواقع العلماني المهيمن هي مقياس النجاح والفشل ونكون حينها رجعنا القهقرى وعدنا للقفص العلماني البغيض!

يا قومنا، المسألة ليست كما تتوهمون فهي ليست مسألة حاكم شرعي يحكمنا بشرع الله، وتصبح حينها المسألة مسألة نظر في إحسان أو إساءة التطبيق، وإمهاله لمعرفة إحسانه من إساءة تطبيقه لأحكام الشرع من نافلة القول. لكن الأمر خلاف ما تتصورون وتظنون، فالمسألة أجل وأعظم؛ فهي متعلقة بأسس الحكم وفلسفة الحكم ومنظومة الحكم والمرجعية الفكرية والمصادر التشريعية والدستور والقوانين والأنظمة والأجهزة وبالتالي نحن أمام تحديد شرعية النظام من عدم شرعيته.

يا قومنا، إنما الإيمان موقف حق زمن الشدائد والفتن، فالشدائد كاشفات لعاريات الأنفس ويقين أو ضعف إيمانها. فالفتنة كل الفتنة أن يفتن المرء في دينه، فالفتنة كل الفتنة أن تجد سبعين عذرا لمن ترخص في تعطيل شرع الله وحكم المسلمين بشرائع أعداء الله، زاعما زعما باطلا منكرا أنه في كل هذا يبغي اتقاء فتنة كيد الأعداء ومكرهم والرأي هو في مسايرتهم والاستجابة لشروطهم وإملاءاتهم، ﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾!

ثم أكبر منها عجبا تحار معه الألباب أن لا يجد المسلم حجة شرعية ولا وجه حق فيمن يدعونه لتحكيم شرع الله وإقامة خلافة الإسلام لحكم المسلمين بشرع ربهم، بل جدال وحجاج ونزاع وخصام، بل وظلم وسجن وتبرير لهكذا ظلم، بل ويزيد ويزعم أن المتاح العلماني اليوم ودولته الوطنية هو كل ما نستطيع، بل ويأفك في تبرير وتزيين هكذا وضع والثناء على السائرين في متاهاته!

يا قومنا، هما مشروعان لا ثالث لهما؛ مشروع رباني ومشروع شيطاني، فاحسموا أمركم قبل أن تزل قدم بعد ثبوتها فتذوقَ السوء لصدها عن سبيل الله، هما مشروعان؛ مشروع إسلام رب العالمين ومشروع كفر الغرب المستعمر شيطان عصركم، إما خلافة راشدة على منهاج النبوة أو دولة وطنية وظيفية للاستعمار الغربي الكافر، مشروع يهدي إلى الجنة ومشروع يهدي إلى النار، ولعمرك ما أبقى الحكيم العليم لمتهوك من عذر، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالاً بَعِيداً﴾. وقد ذكر أن هذه الآية نـزلت في رجل من المنافقين دعا يهوديا في خصومة كانت بينهما إلى بعض الكهَّان ليحكم بينهما، ورسول الله ﷺ بين أظهُرهم!

ليس مع الإيمان إلا الكفر بطاغوت العلمانية ودولتها الوطنية ومنظومتها وأنظمتها الوضعية، ثم السعي لتحكيم شرع الله طاعة له وتعبدا بإقامة دولته، ثم الاستقامة على طريق الحق فإن مت دون الغاية وكان الأجل دون بيعة إمامك وخليفتك ودون حياتك الإسلامية في ظل الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، ما ضرك شيء، وحسبك أنك استقمت كما أُمرت على صراط الإسلام المستقيم طاعة لمولاك وطمعا في رحمته ورضاه.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مُناجي محمد

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر