ما يسمى بمحكمة العدل الدولية! إقرار لهيمنة الغرب وقرار لصالح كيان يهود!
ما يسمى بمحكمة العدل الدولية! إقرار لهيمنة الغرب وقرار لصالح كيان يهود!

أصدرت المحكمة الدولية في لاهاي يوم 2024/1/26 قرارا يتعلق بالدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا بارتكاب كيان يهود إبادة جماعية، ولكنها برأت كيان يهود الغاصب لفلسطين الذي يمارس الإبادة الجماعية منذ 75 عاما من ممارسته للإبادة الجماعية في غزة. فقال القرار: "إن على (إسرائيل) أن تتخذ كل الإجراءات التي في وسعها لمنع ارتكاب جميع الأفعال ضمن نطاق المادة الثانية من اتفاقية الإبادة الجماعية"، وأضاف القرار أنه "يتعين على (إسرائيل) الالتزام بستة تدابير مؤقتة من بينها الامتناع عن القتل والاعتداء والتدمير بحق سكان غزة وضمان توفير الاحتياجات الإنسانية الملحة في القطاع بشكل فوري".

0:00 0:00
السرعة:
February 03, 2024

ما يسمى بمحكمة العدل الدولية! إقرار لهيمنة الغرب وقرار لصالح كيان يهود!

ما يسمى بمحكمة العدل الدولية! إقرار لهيمنة الغرب وقرار لصالح كيان يهود!

أصدرت المحكمة الدولية في لاهاي يوم 2024/1/26 قرارا يتعلق بالدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا بارتكاب كيان يهود إبادة جماعية، ولكنها برأت كيان يهود الغاصب لفلسطين الذي يمارس الإبادة الجماعية منذ 75 عاما من ممارسته للإبادة الجماعية في غزة. فقال القرار: "إن على (إسرائيل) أن تتخذ كل الإجراءات التي في وسعها لمنع ارتكاب جميع الأفعال ضمن نطاق المادة الثانية من اتفاقية الإبادة الجماعية"، وأضاف القرار أنه "يتعين على (إسرائيل) الالتزام بستة تدابير مؤقتة من بينها الامتناع عن القتل والاعتداء والتدمير بحق سكان غزة وضمان توفير الاحتياجات الإنسانية الملحة في القطاع بشكل فوري". حتى إنها لم تطلب من كيان يهود وقف عدوانه، فأقرته على مواصلة عدوانه، بل أقرت ما قام به فلم تدنه على ما قام به من أعمال من أبشع أنواع الإبادة الجماعية في غزة!

تقول اتفاقية الإبادة الجماعية لعام 1948: "إن الإبادة الجماعية ترتكب بقصد التدمير كليا أو جزئيا لمجموعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية"، وتشمل "قتل أعضاء جماعة وإلحاق أذى بدني أو ذهني خطير بأفراد جماعة وتعمد أحوال معيشية يراد بها تدمير جماعة كليا أو جزئيا". وهل هذا الكلام لا ينطبق على ما قام به المجرمون اليهود بكل حقد وضغينة في غزة من قتل لعشرات الآلاف من الأطفال والنساء والرجال وتدمير المنازل والمدارس والجامعات والمستشفيات على من فيها وجرفهم ودفنهم أحياء ومنع الطعام والماء والدواء والكهرباء والوقود عنهم وكل أسباب العيش عنهم على مدى نحو 4 أشهر؟!

ومع ذلك فإن كيان يهود لم يعجبه القرار، لأنه يرى نفسه فوق البشر، إذ قال رئيس وزرائه نتنياهو: "إن مجرد النظر في الدعوى أمر مشين وإن مجرد النقاش في موضوع ما يفعله جيشه هو عار لن تمحوه أجيال"! فتلك غطرسة وعنجهية ما بعدها غطرسة وعنجهية! فاليهود يرون أنفسهم أنهم هم البشر، بل هم فوق البشر الآخرين، وغيرهم حيوانات بشرية على حد قول مسؤوليهم المتغطرسين، أو شبه آدمية على حد قول آخرين منهم. هذه النظرة المتعالية واصطفاف العالم الغربي معهم وسكوت الأنظمة في العالم الإسلامي، بل منها من يدعم كيان يهود ولم يقطع علاقاته التجارية والدبلوماسية، كل ذلك جعل يهود يتمادون في ممارسة الإبادة الجماعية.

فمصر السيسي تشدد الخناق على غزة، حتى إن رئيس الهيئة العامة للاستعلامات المصرية الرسمية ضياء رشوان قال يوم 2024/1/24: "إن مصر أقامت منطقة عازلة بطول 5 كيلومترات من رفح المصرية حتى الحدود مع غزة، ودمرت أكثر من 1500 نفق، وقوّت الجدار الحدودي مع القطاع بجدار خرساني ارتفاعه 6 أمتار فوق الأرض و6 أمتار تحت الأرض، أصبح هناك 3 حواجز بين سيناء ورفح الفلسطينية يستحيل معها أي عملية تهريب لا فوق الأرض ولا تحتها"! فهذا المسؤول الغبي على شاكلة رئيسه السيسي الغبي، يفضح نفسه ورئيسه ونظامه بأنه مشارك فعلي لكيان يهود في الإبادة الجماعية بتشديده الحصار على أهل غزة بإقامة جدار على شاكلة جدار يهود على غزة وإقامة حواجز وتدمير الأنفاق كما يفعل كيان يهود.

وتركيا تنطلق منها يوميا 8 سفن لدعم كيان يهود باعتراف وزير المواصلات التركي عبد القادر أورال أوغلو يوم 2024/1/11 أن نحو 701 سفينة انطلقت من موانئ تركيا إلى (إسرائيل) منذ 7 تشرين أول/أكتوبر حتى 31 كانون أول/ديسمبر 2023 أي بمعدل 8 سفن يوميا تقريبا (الجزيرة 2024/1/11). ويدافع وزير خارجيتها حقان فيدان عن موقف تركيا المتخاذل بعذر أقبح من ذنب، فعندما سألته قناة الجزيرة في 2023/11/19: لماذا لا يتم قطع العلاقات مع الاحتلال (الإسرائيلي)؟ قال: "إن قرار قطع العلاقات يجب أن يكون جماعيا ومشتركا في كل العالم الإسلامي ودول أمريكا اللاتينية"، "يجب أن يكون القرار موحدا وجماعيا لكل الدول حتى يكون قويا.. ولهذا عندما تم الحديث عن مثل هذه الأمور وغيرها اتخذنا قرارا بأنها يجب أن تكون جماعيا"، "ولا يجب أن تخطو تركيا خطوة لوحدها دون أن تكون هناك تحركات على مستوى المنطقة والعالم العربي والإسلامي والمهم أن تكون ذات تأثير". وعندما ذكّرته القناة أنه لا يمكن أن يحصل مثل هذا القرار الجماعي! كرر قوله: "إن تركيا لن تقطع علاقاتها مع (إسرائيل) إلا إذا كان هناك قرار جماعي". وهذا يدل على مدى سقوط النظام التركي برئيسه أردوغان ومسؤوليه في الخيانة والنذالة. وهو يدلي بهذه التصريحات وكأنه فهلوي وصاحب دهاء وما هي إلا خزي وعار تفضح حقيقة هذا النظام والقائمين عليه. فالنظام التركي لم ينتظر قرارا جماعيا لدعم أذربيجان ولا قرارا جماعيا للتدخل في سوريا لدعم نظام بشار أسد وكذلك ليبيا... بل كل ذلك كان بأوامر أمريكية، فلو جاء أمر من أمريكا لقطع العلاقات مع كيان يهود لقطعها فورا!

والإمارات والأردن تواصلان دعمهما لكيان يهود ولا تقطعان العلاقات معه وكذلك المغرب والبحرين.

لقد رحب أردوغان وكافة الأنظمة في العالم العربي والإسلامي بقرار المحكمة الدولية، ليتخلصوا من المسؤولية، وليقولوا كذبا وزورا لقد أنصفت المحكمة أهل غزة وقضي الأمر، وما علينا إلا أن ننتظر تنفيذ قراراتها! وهي قرارات جائرة.

فهذه المحكمة محكمة ظلم وليست محكمة عدل، أقامها الغرب للتغطية على جرائمه ولصبغ قراراتها بصبغة شرعية، وكل قراراتها مسيسة تخدم مصالحه، ولجعل الدول تحتكم إليه لتثبيت هيمنته على العالم، وأنه القائد والقاتل والحكم؛ فقد سحبت الدول الغربية باسم قوات الأمم المتحدة السلاح من المقاتلين المسلمين في سربرنيتشا بالبوسنة عام 1995 بدعوى أنها ستؤمن لهم الحماية وسمحت للصرب النصارى أن يقوموا بارتكاب الإبادة الجماعية بنحو 10 آلاف مسلم، عدا دعمهم للمذابح الأخرى والاغتصاب لعشرات الآلاف من النساء المسلمات. ومن ثم جاؤوا بقائد قوات الصرب ميلاديتش ليحاكموه في هذه المحكمة حتى يجعلوه كبش فداء ويغطوا على جريمتهم! ومثل ذلك فعلوا في رواندا عام 1994 بأن بقيت القوات الدولية والفرنسية والأمريكية تتفرج على إبادة قبيلة الهوتو لقبيلة التوتسي فقتلت منهم نحو 800 ألف، أي أبادت الهوتو نحو 75% من التوتسي خلال 100 يوم عدا مئات الآلاف من حالات الاغتصاب. ومن ثم عقدت المحكمة الدولية عام 1998 ضد رئيس قبيلة الهوتو وحاكم رواندا بول أكاسيو ليكون كبش فداء هو الآخر ويغطوا على جريمتهم.

وهكذا يصنع الغرب يقتل ويدمر ومن ثم يعقد المحكمة، وربما لا يعقدها إذا كانت الدولة قوية، فلم تعقدها ضد أمريكا التي ارتكبت الإبادة الجماعية في العراق وأفغانستان، أو لا تتهم كيان يهود وقادته المجرمين ولا تحاكمهم.

إن مجرد رفع الدعوى إلى ما يسمى بمحكمة العدل الدولية هو إقرار بهيمنة الغرب على العالم، فهو الذي أقامها ويطلب من العالم التحاكم إليه. فهو الذي يجب أن يحاكم أولا على جرائمه تلك، وعلى جرائمه بدعم كيان يهود وعلى جرائمه في حقبة الاستعمار للبلاد الضعيفة وما ارتكبه من ممارسات للإبادة الجماعية كما فعل في الجزائر ومن نهب لثروات تلك البلاد التي يستعمرها، وما فعله بأهل أمريكا الأصليين عندما قتل عشرات الملايين منهم.

ولا يوجد عدل إلا في الإسلام الحق دين الله العادل، فحق أن تقام محكمته في الأرض لتنصف المظلوم وتعاقب الظالم، وحق أن تقام دولته؛ الخلافة الراشدة على منهاج النبوة.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أسعد منصور

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر