مائة عام ودماؤنا مسكوبة وثرواتنا منهوبة
February 13, 2021

مائة عام ودماؤنا مسكوبة وثرواتنا منهوبة

مائة عام ودماؤنا مسكوبة وثرواتنا منهوبة


هذا تذكير لأبناء خير أمة أخرجت للناس من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب بمرور الذكرى المئوية على هدم دولتهم دولة الخلافة في رجب 1342هـ، وإن الغاية من التذكير ليس البكاء والنحيب بل النهوض والعمل لإعادتها من جديد لأنها الأم الرؤوم والأب الحنون وفوق هذا وذاك فإن العمل لإعادتها فرض بل تاج الفروض بالأدلة الشرعية من القرآن والسنة وإجماع الصحابة التي سطرت أن وحدة المسلمين واجبة ولا يتحقق معنى الوحدة إلا في ظل دولة واحدة للمسلمين وهي دولة الخلافة، لذا لزم التذكير بفرضية العمل وإثم القعود عن إقامة هذا الفرض العظيم فهو فرض كالصلاة والصيام يأثم كل قاعد ومتهاون فيه طالما الخلافة غائبة عن الوجود.


وسوف نسرد جزءاً يسيراً من المعاناة التي حلت بأبناء هذه الأمة في كل شبر من هذا الكون الفسيح وهذا الجزء يتعلق بجانبين:


الجانب الأول: سالت دماء هذه الأمة بعد هدم دولة الخلافة


بداية من الأرض المباركة فلسطين التي ترزح تحت وطأة شرار الخلق يهود منذ دخول العصابات اليهودية بمساندة ودعم من الغرب الكافر وبالذات بريطانيا المجرمة الماكرة، وقد حدث هذا بعد هدم دولة الخلافة في 1924م ومن ثم الاعتراف بدولة يهود في 1947م في هيئة الأمم وإلى اليوم 2021م، عانى أهلنا في الأرض المباركة من المذابح وهدم المنازل وتم إذلالهم وطردهم وتشريدهم من بلادهم وما زالت معاناتهم وآلامهم وهم يستصرخون إخوانهم المسلمين وجيوشهم لتحرير أرض الإسراء والمعراج من دنس يهود.


وإلى جرح نازف آخر وهو تركستان الشرقية إخوتنا الإيغور الذين يعانون أصناف العذاب والقهر لم يلتفت أحد إلى معاناتهم حتى الإعلام يتغافل عما يلاقونه من معاناة، فقد قتل من الإيغور المسلمين أكثر من مليون مسلم في المواجهات التي تمت في عام 1949م عندما استولى النظام الشيوعي الصيني بقيادة ماو تسي تونغ وهدموا ما يقدر بـ25 ألف مسجد، واليوم وبعد تنصل الصين من نصف شيوعيتها "الاقتصاد" إلا أن ملاحقة أي مظهر من مظاهر التدين، خاصة لدى الشباب، ظلت هي السياسة الفعلية التي تمارسها الصين في الإقليم. رصد عمليات الإعدام والاعتقالات التي تنفذها في ظلمة تفرضها قسراً على الإقليم، وتتعقب المسلمين الإيغور الذين فروا منها وأصبح لهم صوت في الخارج، وتحت ذرائع "الإرهاب" فقد تمكنت من اعتقال الكثير منهم عبر القنوات الأمنية الدولية، لا سيما من بلدان آسيا الوسطى وباكستان، وقامت بحجز جوازات السفر، والتضييق عليهم في عباداتهم مثل منع موظفي القطاع العام والطلبة من صوم رمضان، وملاحقة واعتقال من يظهر المظاهر الإسلامية؛ فتحت عنوان "الصين تلاحق المسلمين.. إقرار مكافأة مالية لمن يُبلغ عن الملتحين والمنتقبات" نقل موقع صحيفة الديار في 2017/2/23 عن صحيفة محلية في الصين، إضافة لحملات تعقيم النساء المسلمات في الإقليم، فقد ذكرت وثائق شينجيانغ للحكم الذاتي الإيغوري أن السلطات الصينية تعتزم تعقيم آلاف النساء الإيغور. ووصفت مجلة فورين بوليسي الأمريكية مثل هذا النوع من الإبادة الجماعية من الصين، وفي المقال، هناك أجزاء مستشهد بها من ميزانية تنظيم الأسرة في عام 2019م.


وإلى اليمن التي لم يخل أي بيت فيها من قتيل سواء بسبب طائرات حكام الخليج أو بالزج بهم وقوداً في الحرب من قبل أطراف الصراع العملاء، أو بسبب الأمراض التي فتكت بالناس بسبب الحرب بالوكالة بين الحكام العملاء، أو جريح أو منكوب أو مسجون أو فقير. هذا هو حال أهل اليمن على الأرض ولم تبدأ معاناة أهل اليمن منذ انطلقت العاصفة في 2015/3/26م وإنما بدأت معاناتهم منذ سقوط حكم الإسلام ودخل اليمن في أتون الصراع بين دول الغرب الكافر، فخلال المائة سنة شهدت العديد من المجازر بين عملاء الغرب من الحكام في الشمال والجنوب راح ضحيتها المئات من الأبرياء ومن المغرر بهم في حروب عبثية.


وللتذكير فقط ففي 1963 شهد جنوب اليمن قتالاً شرساً بين الجبهة القومية وجبهة التحرير، وفي 1986م في جنوب اليمن أيضاً بين حكام جنوب اليمن آنذاك، وشهدت المناطق الوسطى في وسط اليمن عام 1978م حرب الجبهة أو حرب المناطق الوسطى، وفي 1994م حرب بين حكام الشمال وحكام الجنوب، وحروب صعدة الست من بداية الألفية إلى 2010م، وكل هذه الحروب التي أهلكت الناس والأرض لخدمة الكفار وهي حروب بالوكالة، هذا حال اليمن الذي كان سعيداً في ظل دولة الإسلام.


ولن نطيل في لفت انتباه أبناء الأمة إلى ما تعانيه أمتهم بل نكتفي بهذه الثلاثة النماذج، وسبب كل هذا هو الحكام العملاء للغرب الكافر وغياب الراعي، غياب الخليفة، غياب جُنة المسلمين.


الجانب الثاني: النهب المنظم لثروات هذه الأمة من قبل أعدائها بشكل مباشر أو بواسطة شرذمة قليلة من أبنائها العاقين العملاء


لقد حبا الله هذه الأمة بثروات كبيرة تحت الأرض وعلى ظهرها ولكن هذه الثروات بسبب تسلط الغرب على هذه الأمة عن طريق الحكام العملاء أضحت مصدراً للشقاء بدل الرخاء؛ فالنفط والغاز والمعادن والأرض الخصبة والبحار والمضيقات والخلجان والأنهار، كل هذه الثروات اجتمعت في بلاد المسلمين، وكثير من بلاد المسلمين الغنية بالثروات تجد الصراع الدامي فيها وتجد أهلها تحت خط الفقر!


حتى البلاد التي يصل إليها جزء بسيط من ثروات البلد مثل الدويلات في منطقة الخليج لم ينعم أهلها بثرواتهم بالشكل المرضي لربهم بل فتح حكامهم العملاء لهم باب الشر ففتحوا لهم البورصات والبنوك الربوية والشركات المساهمة والفنادق التي تقدم كل ما يغضب الله، والبعض منهم ذهب بأمواله ليستثمرها في أمريكا وأوروبا، وكلا الطرفين سواء؛ من يجد الفتات من خيرات بلاد المسلمين أو المحرومون منها.


وسوف نعطي مثالاً على بلد غني بالثروة وأهله من الجوع أموات:


على سبيل المثال نيجيريا: فإنه لا يخفى على أي متابع أنّ نيجيريا بلد غني بالثروات المعدنية والبترولية ومعروف عالميا بكونه من أهم الدول المنتجة للنفط والغاز، وهي عضو في منظمة "أوبك"، هذه الثروة سال لها لعاب الدول الاستعمارية وبالذات بريطانيا وأمريكا، وتجهد الصين للحاق بهم في القارة الأفريقية. ولطالما مثلت منطقة دلتا النيجر وهي بلاد إسلامية والتي تقع نيجيريا ضمنها، وهي واحدة من أغنى المناطق الطبيعية على كوكب الأرض، مسرحاً للعديد من الصراعات وموطناً للجماعات المسلحة في نيجيريا منذ عقود، ويمثل النفط محور هذه المشكلة فمنذ اكتشافه سنة 1957، وإلى اليوم تعتبر دلتا النيجر واحدة من أفقر المناطق وأكثرها تلوثاً وعسكرةً في هذه الدولة الأفريقية، فيا للعجب!!


وتشهد نيجيريا صراعات وحروباً مستمرة مما يدفع أهلها للهجرة، والسبب الرئيسي لما تعانيه نيجيريا هو الصراع الدولي عليها بين أمريكا مع عملاء بريطانيا...


وهكذا هو حال بلاد المسلمين بعد هدم دولة الخلافة أصبحت ميداناً لكل متصارع ونهباً لكل طامع.


فالفقر مدقع حيث يعيش حوالي 87 مليون إنسان تحت خط الفقر ما يعادل نحو 50 بالمئة من إجمالي عدد السكان، وخلال 2019م باتت نيجيريا البلد الذي يضمّ أكبر نسبة من حالات الفقر المدقع في العالم، متخطّية الهند في هذا الخصوص، بحسب معهد "وورلد بوفرتي كلوك". والخدمات شبه معدومة في ظلّ تداعي شبكات الطرقات والمياه الجارية والكهرباء وانتشار النفايات في الشوارع، ويفيد هذا المعهد البحثي بأن ستة نيجيريين ينزلقون في دوّامة الفقر المدقع كلّ دقيقة. ومن المتوقّع أن تبلغ نسبتهم 45,5% من إجمالي عدد السكان بحلول 2030، أي 120 مليونا، في مقابل 44,1% حالياً.


السؤال هنا أين تذهب ثروات نيجيريا؟ لماذا أهلها تحت وطأة الفقر والقتل والمرض والهجرة والإذلال؟ إنها تذهب إلى بلاد الكفار بثمن بخس تحرك مصانعهم وتنير طرقاتهم وتوفر لهم سبل الراحة، بينما أهل الثروة في شقاء وتعاسة!


هذا نزر بسيط لما تعانيه الأمة الإسلامية بسبب عدم وجود الراعي الذي وصل غيابه إلى مائة سنة، ولا يوجد حل إلا العمل مع حزب التحرير الذي يعمل بين الأمة ومعها لإعادة خلافتها من جديد، ندعوكم أيها المسلمون للعمل معنا للخروج من هذا المستنقع الآسن، إلى العمل للخلافة، إلى العمل لإعزاز هذا الدين بإعادة سلطان الإسلام إلى الأرض بعد أن غاض منها مائة عام.


#أقيموا_الخلافة
#ReturnTheKhilafah
#YenidenHilafet
#خلافت_کو_قائم_کرو

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
عبد الهادي حيدر – ولاية اليمن

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر