معركة الرّاية، أمُّ المعارك  في مدلول الرّاية ورمزيّتها
December 01, 2023

معركة الرّاية، أمُّ المعارك في مدلول الرّاية ورمزيّتها

معركة الرّاية، أمُّ المعارك

في مدلول الرّاية ورمزيّتها

يُعتبر العلَمُ أو الراية رمزا مبجّلا لشرف الأمة وسؤددها ولكرامة البلاد وسيادتها، وهذا ليس خاصا بأمّة الإسلام العظيمة، بل هو متعلق بكل الأمم والشعوب منذ آلاف السنين.

فالعَلَمُ لغة هو شيء يُنصَبُ فيُهتدى به. ومن معاني العَلم كذلك، الجبل الطويل، العلامة والأثر، المنارة، سيد القوم، ولذلك نقول عن نبيّ الأمّة ﷺ بأنّه عَلَمُ الهُدى.

قال الزبيدي: العَلم هو الراية التي يجتمع إليها الجند، وقيل: ما يُعقد على الرّمح.

والراية لغة هي العلامة المنصوبة للرؤية. قال الخزاعي في جامع اللغات للقزاز: الراية كل ما نصّبته علما.

أما اصطلاحا، فقد عرّف القلقشندي الأعلام بأنها الرايات التي تُحمل خلف السلطان عند ركوبه.

وهكذا، نجد أن الراية في كل ثقافة هي العَلَم الذي يُرفع من قبل الدّولة فيعتز بها شعبها. وتَحمِلُ الرّايةُ في جميع الثقافات معاني العز والمجد والسموّ والاستقلال، وتلخّص تاريخ الأمّة المرتبطة بها وتعبّر عن الموروث الذي تفخر به، ولذلك تحوي الراية عادة رموزا وشارات دقيقة تجسم معاني خاصّة، يتخذها الشعب كشعار لعزة أرضه وكرامة أصوله وسيادة أمته وأمجاد تاريخه ونبل تطلعاته، بل قد يُتخذ دونها قرار الحياة أو الموت، فتهون المُهج والأرواح في سبيل رفعها.

فالعَلم أو الراية، هو رمز ذو دلالة تعكس روح الانتماء، وذو مضمون فكري وسياسي، وديني وتاريخي، ولذلك فهو لا يُختزل في كونه قطعة قماش تُرفع في المناسبات الرّسمية، إنّما هو تعبير عميق عن فكرة مقدسة في المخيال الجماعي لشعب من الشعوب أو أمة من الأمم، وعن موقف ثقافي وحضاري يُستحضر في لحظات السلم ويُستدعى وجوبا في لحظات الحرب، فيُعبّر عن نشوة النّصر عند رفعه، وعن مرارة الهزيمة عند سقوطه أو تنكيسه، وعن معاني وجود أي شعب وأية دولة.

وقد عرفت الأمم والشعوب الرايات والأعلام منذ القدم، ولم يكن الحديث عن الراية في الإسلام بدعا من الثقافات، ومع أن أصل غايتها كانت لاستخدامها في الحرب، ولكنها أصبحت اليوم ذات تعبير سياسي وعسكري عن كيان دولة ما أو فئة من الناس، وقد وصل الاهتمام بمسألة الرايات والأعلام في واقعنا المعاصر إلى درجة تأسيس ما بات يُعرف بـ"عِلْم الرايات"، حيث استُخدم هذا المصطلح باللغة الإنجليزية (Vexillology) للمرة الأولى في عام 1957 من قبل الأمريكي ويتني سميث، وتأسس المجلس الدولي لعلم الرايات في عام 1965، وذلك لدراسة الأعلام والرايات ورمزيتها.

والرمزية نوع من أنواع التعبير العام عن مكنونات البشر، يشترك فيه الناس بمختلف ثقافاتهم وانتماءاتهم، ولكن لا يمكن فصل الرمز عن أسسه الحضارية كما لا يمكن عزله عن سياقه التاريخي والديني، ولذلك فإن الموقف من الرّمز هو موقف حضاري ذو أبعاد فكرية وسياسية، ويخضع لوجهة النظر في الحياة، وكذلك الموقف من العَلم، أي عَلم.

المضمون الفكري والسياسي للأعلام الوطنية

بات واضحا إذن، أنه لا يمكن القفز على المضمون الفكري والبُعد الحضاري للرمز والعَلم، ولا شك أن أغلب المثقفين في الأوساط الفكرية والسياسية وأيضا في القوى الأمنية والعسكرية، يدرك أن جل "الأعلام الوطنية" للدول العربية، هي أشكال ورموز صاغها مارك سايكس بقلمه وألوانه، وهو القلم نفسه الذي كتب شهادة وفاة "الرجل المريض" قبل عام من وعد بلفور المشؤوم، حيث تمخض اجتماع ابتكار "الأعلام الملونة" عن محاصصة فرنسا وبريطانيا لتركة الخلافة العثمانية التي أعلن رسميا عن سقوطها سنة 1924م، أي بعد ثماني سنوات من اتفاقية سايكس وبيكو، لتشرع القوى الاستعمارية في خداع الشعوب ونسج مسرحيات الاستقلال الوهمي، تحت رايات الجاهلية المعاصرة وخِرق الوطنية البالية التي تجمع المدلول الاستعماري الصليبي برمزية النصر الوهمي المزيف، الملتحف أحيانا بعباءة الإسلام...

وحيث يمكن لكل باحث منصف أن يتأكد من خلفية الأعلام الوطنية للدول العربية ومن سياقها التاريخي والسياسي، وأن يدرك حقيقة تصميمها على يد ذلك الإنجليزي، وفي مقدمتها عَلم منظمة التحرير الفلسطينية، فإن هذه الخلفية الاستعمارية للأعلام الوطنية أمر مقطوع به، لا يشكك فيه إلا مُعرض عن قراءة التاريخ واستيعاب الواقع، أو عميل يقف في خط الدفاع الأول عن مشاريع الكافر المستعمر، من أجل الإبقاء على حالة التبعية للغرب صاحب النفوذ والهيمنة في بلاد المسلمين المحتلة إلى اليوم.

ومع ذلك، فإن الحالة الشعورية لمن ارتبط عندهم حب "وطنهم" بذلك العَلم وقدسيّته المزيّفة، جعلهم يخصّون قطعة الأرض التي رسم حدودَها الاستعمارُ بمشاعر الحبّ المتعصب، فيغمضون أعينهم عن واقع التجزئة والتشرذم الذي تعيشه الأمة داخل أقفاص سايكس-بيكو، بل جعلهم يدفنون رؤوسهم في الرمال، هروبا من "خطر" المضمون السياسي-التاريخي الذي جعل من الحكام مجرد بيادق تخدم بقاء الأنظمة الوظيفية والأعلام الوطنية، وطلبا للاطمئنان الشعوري (المكذوب) وللبطولات "الوطنية" الوهمية التي يقودها صنّاع الهزائم.

ولكن دفن النعامة رأسها في الرمال لا ينجيها من خطر الهجوم، بل على ظهورها تمرّر مشاريع الاستيطان والتدمير والتهجير، والسبب ببساطة أن أساس التحرير عند هؤلاء الحكام الرويبضات، لا ينبع من عقيدة الأمة ولا يرفع راية التوحيد، ولا يجعل كلمة الله هي العليا، بل يشوه راية الإسلام انتصارا لرايات وأوطان قد تقسّم هي الأخرى، فينتج عنها واقع استعماري جديد يُغلَّف بنصر وهمي جديد وبراية ملوّنة ليست في الحقيقة سوى جرح جديد يعمّق نزيف تقسيم الأمة.

الأعلام انتصار لعصبية جاهليّة

وبالرغم من حجم هذا المكر الاستعماري الذي يقفز فوق التاريخ والجغرافيا، بل فوق العقيدة والدين، ﴿وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾، فإن لحظات الهجوم الاستعماري والتحالف الصهيو-صليبي على أمة الإسلام، كان لها دور في إيقاظ الفكر وإيجاد الصحوة لدى جزء منها، حيث بدا واضحا أن الكافر المستعمر يتعامل مع مجموعة حضارية واحدة هي أمة الإسلام، في الوقت الذي يصر فيه الحكام على خذلان الشعوب لبعضها وتفرقتها وفق منطق متعصّب للقطريّة وضمن رؤية وطنية ضيقة تحتكر الممارسة السياسية، فتُكبّل الجيوش وترهقها وربما تتآمر عليها بتوريد الإرهاب، وتمنع بذلك أبناءها من نصرة إخوانهم ومن دفع أعداء الأمة، تحت ذريعة أن القتال لا يكون إلا تحت راية وطنية جاهلية تتنكر لراية الإسلام ولتحذير رسول الله ﷺ حين قال: «... وَمَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ يَغْضَبُ لِعَصَبَةٍ أَوْ يَدْعُو إِلَى عَصَبَةٍ أَوْ يَنْصُرُ عَصَبَةً فَقُتِلَ فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ». رواه مسلم.

فلقد كانت راية المسلمين في المدينة عند سعد بن عُبادة في الأنصار في بني عبد الأشهل، وراية المهاجرين عند علي رضي الله عنه في المدينة، سواء أكانت في حرب أم في سلم! ولكن حين وقعت الفتنة بين بعض المهاجرين والأنصار فتصايح بعضهم يا للمهاجرين وآخرون يا للأنصار، ونقل ذلك للرسول ﷺ فماذا قال؟ قال: «دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ»، وذلك حين اعتصب القوم لقومياتهم وعصبياتهم... حتى تحت شعار المهاجرين (وما أدراك ما المهاجرون) وشعار الأنصار (وما أدراك ما الأنصار) فإن هذا التعصب منتن يقسم الأمة، ويضرب وحدتها، ويضعف سلطان الإسلام فيها، فما بالنا اليوم ونحن نراها مقسمة إلى كيانات تحكم بغير ما أنزل الله وتعلن الحرب على دين الله! وبالتالي فهي رايات عمية سواء أكانت خضراء عليها لا إله إلا الله، كما راية آل سعود، أم كانت حمراء عليها لا إله إلا الله، كما الراية الهاشمية في الأردن، أم كانت ملونة وعليها الله أكبر أم غيره، فالعبرة ليست بالشكل واللون وإنما بالمضمون الفكري والسياسي والأساس الاستعماري وراء نشأة هذه الرايات وتنصيب هؤلاء الحكام الذي يعتبرون راية الإسلام وراية رسول الله ﷺ باطلا وحكما دخيلا على الإسلام، أو راية حزبية تخص حزب التحرير الحريص على استعادة مجد الأمة ورايتها ودولتها!

ولذلك أحاط هؤلاء أنفسهم بأبواق ومشايخ هم دعاة على أبواب جهنم، لا يرون جوهر المشكلة السياسية التي تحيق بالأمة اليوم من تقديس لرايات فلسطين ومصر والأردن وسوريا وتونس وأمثالها من رايات الاستعمار، أو أتباع الاستعمار وعملائه، وإنما يتنكرون لراية العُقاب، راية رسول الله ﷺ، التي تهون الحياة في سبيل رفعها!

وأمثلهم طريقة من يخير اللون الأخضر على الأحمر أو الأحمر على الأبيض، كمن يتخير لون كأس الخمر الذي لا يختلف حكمه باختلاف لونه، أو يستند إلى الأحاديث النبوية التي تبيح استخدام ألوان لرايات متعددة للتعبير عن جماعات عسكرية متعددة ضمن المسلمين، ليسقطها على واقع الرايات التي أنشأها الاستعمار متجاهلا مضمون الأعلام الوطنية الفكري والسياسي، كمن ينظر للخمرة على أنها عصير عنب!

الراية الجامعة للمسلمين

إن رفع رايات الأمة الجامعة أولى في هذه المرحلة الحاسمة من صراعها مع الغرب، حتى عند من يمتلكون شبهة دليل على جواز رفع غيرها من الرايات، وإن التمييع الحضاري لرمزية راية العقاب أو تشويهها وربطها بتنظيم الدولة، فضلا عن إنكار مشروعية الراية الإسلامية واللواء، رغم أنها جزء من ثقافة وحضارة الأمة الإسلامية، ورغم أنها أحكام شرعية وردت بنصوص صريحة صحيحة، لا يخدم إلا مشروع التحالف الصهيو-صليبي في المنطقة، والحقيقة المؤلمة هي أنه لم يزرع كيان يهود خنجرا مسموما في جسد الأمة الطاهر إلا من أجل تنكيس راية الإسلام.

فقد أخرج أحمد، وأبو داود، والنسائي في سننه الكبرى عن يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ مَوْلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: بَعَثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ إِلَى الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ يَسْأَلُهُ عَنْ رَايَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا هي؟ فَقَالَ: «كَانَتْ سَوْدَاءَ مُرَبَّعَةً مِنْ نَمِرَةٍ». وأخرج الترمذي وابن ماجه عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كَانَتْ رَايَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ سَوْدَاءَ، وَلِوَاؤُهُ أَبْيَضَ». وأخرج البغوي في شرح السنة، عَنْ عَمْرَةَ، قَالَتْ: «كَانَ لِوَاءُ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَبْيَضَ، وَكَانَتْ رَايَتُهُ سَوْدَاءَ...». كما أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه: عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: «كَانَتْ رَايَةُ النَّبِيِّ ﷺ سَوْدَاءَ تُسَمَّى الْعُقَابَ».

وعن ابن عباس رضي الله عنه: "أن رسول الله ﷺ كان من خُلقه تسمية دوابه وسلاحه ومتاعه، فكان اسم رايته العقاب، واسم سيفه الذي يشهد به الحروب ذو الفقار، وكان له سيف آخر يقال له المخذم، وآخر يقال له الرسوب". رواه الطبراني.

ويكفي هذا دليلاً بأن يكون الخلفاء الراشدون قد اقتدوا برسول الله ﷺ بالراية واللواء، فهم كانوا لا يتركون أمراً أعلنه الرسول ﷺ بينهم إلا ويفعلونه. وهكذا رفع الخلفاء الراشدون راية الإسلام إلى حدود الخلافة العثمانية. بل لقد ثبت تاريخيا أن القائد التاريخي صلاح الدين الأيوبي (ذا الأصول الكردية)، لم يكن لينكس راية الصليبيين ويقهرهم ويستعيد القدس والمسجد الأقصى ويحرره من رجسهم، لولا توحيده للمسلمين تحت راية الإسلام في ظل دولة الإسلام بعد الفتنة العصبيّة والمذهبية التي افتعلتها الدولة الفاطمية وكادت تعصف بالخلافة الإسلامية. ومع ذلك، فالتاريخ ليس مصدرا للتشريع، إنما المطلوب اليوم، هو العودة إلى أحاديث رسول الله ﷺ والعمل بها. قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾.

رمزية راية الإسلام

إن الراية السوداء الممهورة بـ لا إله إلا الله محمد رسول الله، وكذلك اللواء الأبيض، هما رمزان حضريان للعسكرية الإسلامية، بجيشها وقائدها، ورمز لوحدة الأمة والدولة ووحدة القيادة، لأن «الْإِمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ»، وكذلك يدلّلان على مشروع سياسي عالمي يقف اليوم متحديا للمشروع الغربي-الديمقراطي المتآكل، ومن السذاجة بمكان أن يُظن أن الغرب بقيادة أمريكا سيقبل من عملائه التساهل مع رفع الرايات والألوية، وأنه لن يسخر كل قواه من أجل تشويهها في أذهان الناس أو تنكيسها أو التعتيم عليها، وقد رأينا جزءاً من المعارك "الدونكيشوتية" والمشاهد المخزية التي يخوضها أقزام الأنظمة الوظيفية من أجل تنكيس راية الإسلام!

ولذلك فإن رفع تلك الرايات السوداء والألوية البيضاء هو التعبير الصادق عن رفض الاستعمار وذيوله، وهي المعركة التي يجب أن تخوضها الأمة من أجل قلع الاستعمار من بلاد الإسلام، وهي ليست مزايدة سياسية بقدر ما هي اعتزاز قوي بالإسلام ورايته. أما عن رفع "الأعلام الوطنية" في أي حراك شعبي، فلا يمكن فصله مطلقا عن وضع الثورات الشعبية أو التحركات الجماهيرية في حضن الاستعمار الذي صمم تلك الأعلام، وعن محاولات اختراقه لها.

إن الغرب - سيد أولئك الحكام والملوك - يتوجس خيفة من انبثاق ذلك المشروع العالمي الحضاري؛ الخلافة، في بلاد الشام أو في غيرها من بلاد المسلمين، ومن خروج المارد الإسلامي الذي يكنس الاستعمار كنسا ويزيل كيان يهود فيستعيد الأقصى ويحرر الأرض والعرض، بل يجيش الجيوش نحو فتح روما، ولذلك فهو ينظر لحرب الأعلام والرايات على أنها جولة في صدام الحضارات الذي لا فكاك منه، ومن السخف والسذاجة أن يحصر بعض "العلماء" تناول المسألة من زاوية فقهية ضيقة (وخاطئة) متناسين سياق ذلك التحدي المتصاعد بين دولة إسلامية تتعالى ودول رأسمالية تتهاوى، حيث ستكون الغلبة قطعا للإسلام وأهله بإذن الله. قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾.

إذن، ونحن نشهد حالة المخاض العسير الذي تمر به أمتنا اليوم، وهي تذبح على يد أعدائها فتراق دماؤها الزكيّة داخل أقفاص وطنية حديديّة ويزداد المغضوب عليهم علوّا واستكبارا في الأرض، مهم جدا استحضار رمزية راية الإسلام الجامعة، لأنها رمز للغلبة والنصر، ولوحدة المسلمين ورفعتهم وعلو شأنهم، من كونهم أبناء خير أمة أخرجت للناس، لا تفرقهم حدود ولا سدود، ما داموا متمسكين بكتاب ربهم وهدي نبيهم.

ورفعها (أي الراية) يعني بالضرورة جعل كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى، ويبعث في المسلمين الأمل والشوق لإعادة صياغة تاريخ جديد مشرق مليء بالانتصارات والفتوحات. ولهذا كانت العقاب هي راية الدولة الإسلامية، وكان "ارتفاع راية العُقاب" من جديد هو النقطة الأولى في هُتاف (نشيد) دولة الخلافة الراشدة الثانية القادمة قريبا بإذن الله.

أما أعلام الوطنية الملوّنة، فهي لا تعبر إلا عن ألوان من الدجل الوطني وبريقه الخادع، وعن وطن يخونه أكثر الناس تشدقا بالوطنية، بل صارت رمزا لسكوت الحكام وخياناتهم ولتعطيل الجهاد وأحكامه، وغزة هاشم تقف اليوم شاهدة على حجم الخيانة والخذلان. هكذا فقط يجب أن ينظر إلى هذه الخرق البالية، في كل وطن تحول إلى سجن كبير لأصحابه، يفر الناس من جحيمه، فيخيرون الموت في أعماق البحار على قهرهم واستعبادهم في جحيم الأوطان التي حكمت على جميعهم بالإعدام بكل وسائل الموت البطيء أو السريع.

راية الإسلام عند جيوش الأمة

إن شرف جيوش الأمة اليوم هو أن تقاتل تحت راية الإسلام، لتكون كلمة الله هي العليا، لا تحت رايات جاهلية، فمن أجل هذه الغاية النبيلة كان الجهاد ذروة سنام الإسلام، لأنه تضحية بالأرواح والمهج في سبيل "لا إله إلا الله"، ورمزية ذلك رفع راية التوحيد عند الجهاد في سبيل الله. وهذا شرف لا يناله إلا الرجال الرجال من أمثال خبيب بن عديّ رضي الله عنه، الذي قال حينما أسره المشركون وأجمعوا على قتله: "فلستُ أُبالي حِينَ أُقتَلُ مُسلِماً *** على أيِّ جَنْبٍ كانَ في اللهِ مَصرَعي".

وهنا نعود إلى التفريق بين الراية واللواء في الإسلام لما في ذلك من أهمية لدى كل من يحمل هذه العقيدة العسكرية التي ترهب أعداء الأمة:

فالراية سوداء، ومكتوب عليها: لا إله إلا الله محمد رسول الله، بخط أبيض، وهي تكون مع قواد فرق الجيش (الكتائب، السرايا، وحدات الجيش الأخرى)، والدليل أن الرسول ﷺ، وقد كان قائد الجيش في خيبر، قال: «لأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَداً رَجُلاً يُفْتَحُ عَلَى يَدَيْهِ، يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ... فأعطاها علياً رضي الله عنه». متفق عليه.

فعلي، كرم الله وجهه، يُعتبر حينها قائدَ فرقةٍ أو كتيبة في الجيش. وكذلك في حديث الحارث بن حسان البكري قال: «قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ وَبِلَالٌ قَائِمٌ بَيْنَ يَدَيْهِ مُتَقَلِّدٌ السَّيْفَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ،

وَإِذَا رَايَاتٌ سُودٌ، وَسَأَلْتُ مَا هَذِهِ الرَّايَاتُ؟ فَقَالُوا: عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ قَدِمَ مِنْ غَزَاةٍ» أخرجه أحمد، فمعنى «وَإِذَا رَايَاتٌ سُودٌ» أي أنّ راياتٍ كثيرةً كانت مع رؤساء كتائب الجيش ووحداته، في حين إن أميره كان واحداً وهو عمرو بن العاص ومعه اللواء. ويكون بذلك، اللواء علماً على أمير الجيش لا غير. وتكون الرايات أعلاماً مع الجند.

واللواء يُعقد لأمير الجيش، وهو عَلَمٌ على مقرِّه، أي يُلازم مقرَّ أمير الجيش. أما في المعركة، فإن قائد المعركة، سواء أكان أمير الجيش أم قائداً غيره يعيّنه أمير الجيش، فإنه يُعطى الراية يحملها أثناء القتال في الميدان، ولذلك تسمى (أمَّ الحرب) لأنها تُحمل مع قائد المعركة في الميدان... قال رسول الله ﷺ ينعى زيداً وجعفراً وابن رواحة للناس قبل أن يأتي الجند بالخبر بعد غزوة مؤتة: «أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ». ولقد لُقّب جعفر بن أبي طالب بالطيّار، لأنّ الله تعالى قد أبدله بيديه جناحين في الجنّة، حيث أخذ جعفر اللواء أثناء المعركة بيمينه فقطعت، فأخذه بشماله فقطعت، فاحتضنه بعضديه حتى استشهد دونه ولم يرض بتنكيسه.

ختاما، فإن بقاء رايات الوطنية تخفق في سماء بلادنا لا يعني إلا استمرار هزيمتنا وانتصار الاستعمار في معركته الحضارية، بتخدير الناس عبر مختلف أساليب الدجل الوطني... وإن البيادق الذين وضعهم الاستعمار لرفع هذه الرايات هم عنوان هزيمة الأمة وهم صناع نكباتها ونكساتها، وبقاؤهم جاثمين فوق صدورنا لا يعني إلا استمرار نزيف تقسيم الأمة ومنع وحدتها على أساس الإسلام. كما أن القتال تحت الرايات الوطنية لا يخدم إلا الاستعمار الذي أنشأ تلك الرايات... وما "ثورة الضباط الأحرار" في مصر أو "ثورة الفاتح من سبتمبر" في ليبيا عنا ببعيد.

وعليه، لا بد من حمل الناس على رفع راية العقاب، وعلى الاعتزاز بها، وعلى أن تغزو كل بيت وتغطي كل حراك، فتملأ كل الساحات، ولا بد من تحريض الضباط والجنود على القتال تحت ظلها، ومن تجاوز الغشاوة التي وضعها الاستعمار على أعينهم وكسر ماكينة دمغجته الفكرية وتحطيمها على صخرة الوعي بالإسلام وأحكامه. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾.

بل وجب أن تكون "لا إله إلا الله" هي البوصلة التي تعدل حراك الجيوش، وأن تكون راية "لا إله إلا الله" ملهمة لإسقاط العروش الحامية لكيان يهود، لتخوض الأمة معركة التحرير النهائية تحت راية الإسلام، راية لا إله إلا الله محمد رسول الله، بكل ما يعنيه ذلك من عبودية لله وحده، عندها فقط سيتكلم الشجر والحجر فيقول: «يَا مُسْلِمُ يَا عَبْدَ اللهِ، هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ». كما جاء في الصحيحين.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المهندس وسام الأطرش – ولاية تونس

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر