معشر العقلاء: الأزمة ليست أزمة هوية بل أزمة ضياع بفقد الخلافة!
February 08, 2022

معشر العقلاء: الأزمة ليست أزمة هوية بل أزمة ضياع بفقد الخلافة!

معشر العقلاء: الأزمة ليست أزمة هوية بل أزمة ضياع بفقد الخلافة!

لقد بذل الغرب الكافر المستعمر أقصى ما استطاع أن يبذل في حربه الحضارية ضد الإسلام وأهله وعودة خلافته، وفي قهر هزيمته واستنزاف طاقاته استجلب علينا كل أوباشه وعملائه ومرتزقته وسفلة القوم وأراذلهم وأخلاطهم واستخدم أقبح وأشنع أساليبه ووسائله، لعله وعساه في استمساكه بقشة الهوان ينجو من غرقه أو من سفه يمنع موج البحر الهادر من بلوغ هدفه.

ثم مضى بهم في حربه الحضارية بعد أن نحت لهم مفردات ومصطلحات وتراكيب واستحدث لهم قاموسا خاصا لسحق الفكر ومسخ العقول وتزييف الوعي، ثم اصطنع مشاكل وأزمات مزيفة لتصديرها وتسويقها لنا لخوض معارك وهمية، الهدف منها تصريف جهودنا وإهدارها وسحق طاقاتنا واستنزافها، وفي كل هذا يبغي حرفنا عن صراط إسلامنا المستقيم بإشغالنا بعبث طحن الهواء وسفه حرث البحر.

فهناك خلف السراديب المظلمة لحربه الحضارية طابور المعلمنين الذين ورثوا حقارة المستشرقين الصليبيين، لا هَمَّ ولا شغل لهم سوى الطعن في عقيدتنا وشريعتنا ورجالنا وتاريخنا. هؤلاء المعلمنون ما انفكوا ينقرون مواضعهم من سفينة ديننا وقيمه وأحكامه يبغون غيظا وحقدا خرقها، وهُمْ في حقارتهم ونذالتهم مطايا الغرب الكافر ركِب ظهورهم وصيرهم حوافر ومعاول خرق للسفينة وهدم لحديدها وخشبها ودسرها.

ومن نقرهم لسفينة دين هذه الأمة وسعيهم لخرقها ذلك القول الإفك بأن أزمة هذه الأمة أزمة هوية، في محاولة بائسة يائسة من الغرب الكافر وأنظمة العمالة والوظيفة الاستعمارية وأخلاط المعلمنين للإيقاع بالأمة وإيهام أبنائها بل قل مجموع الأمة أنها لا تعلم ولا تدري من هي، وفي حيرتها عن ذاتها فإن الغرب وغلمانه وسباياه هم من سيحددون لها هويتها وماهيتها وحقيقة كينونتها ووظيفتها وغاية وجودها ومصير حياتها، وبالطبع فالغرب هو البوصلة واستعبادها لفلسفته وحضارته هو بيت القصيد ومنتهى جدها وكدها!

نحن مع الغرب الكافر بين نارين إما أن نكون صنفا من أحقر وأرخص العملاء، يحارب بنا إسلامنا وأهلنا وعشيرتنا وأبناء آبائنا وأمهاتنا وأجدادنا وأسلافنا ندور حول ثقافته وحضارته كما يدور الحمار حول الرحى، وذلك حال سقط معلمنينا ورويبضات حكامنا وهم بحق محن وإحن زماننا. أو صنفا متحيرا متشككا في إسلامه وثقافته لا يلبث أن ينسلخ منه، وما كان اصطناع الأزمات الحضارية الوهمية وافتعال المشاكل الزائفة وإفك الهوية الذي قذفنا الغرب به إلا لإحداث تلك الحيرة وذلك الشك، بغية إثقالنا بجراح الشك والريبة حتى لا نطيق حراكا فنهلك صرعى حيرة، أو نستسلم لغوايته فنخسر دنيانا وآخرتنا وذلك هو الخسران المبين.

فإفك أزمة الهوية من نفث شيطان الغرب الكافر ونفخه وهمزه في نفوس معلمنيه فأذاعوا به، وما كانوا فينا إلا زيغ الزيغ، ويكأن خبر البشير النذير ﷺ فيهم قيل «قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي... دُعَاةٌ إِلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَ... هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا».

معشر العقلاء: ما كان ولا كان في زمن من زمن عمر هذه الأمة الطويل المديد وقد مضى عليها زهاء أربعة عشر قرنا وبضعا حتى يوم الناس هذا، أن استشكل واستعجم على هذه الأمة حقيقة من هي؟! فضلا أن تطرح سؤال "من هي"؟! ومن باب أولى استحال أن تتحول مسألة "من هي" إلى أزمة؟!

فهذه الأمة بمجموعها عامها وعالمها صغيرها وكبيرها بل وحتى مجنونها وصبيها تعلم وتدري قطعا وجزما وتؤمن يقينا أنها مخلوقة لخالقها وهو الله، وأن رزقها وأجلها بيده وأنها مخلوقة لعبادته وأنها مبعوثة ومحاسبة وأن مردها إلى الله وأن الآخرة هي المصير، وأن لمن خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى، وأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى، فإما جنة الله برحمته لمن خاف واتقى أو ناره والعياذ بالله منها لمن ضل وعصى.

وهذه الأمة جبلت على حب الله وحب نبيها ﷺ حبا لا نظير ولا شبيه له ولن يكون له شبيه ولا نظير في تاريخ البشر، فهي في هيامها بحب نبيها ﷺ لا يخلو بيت من بيوت أهلها من أهل وبر أو أهل مدر إلا وبه اسم لأبنائهم باسم حبيبهم محمد ﷺ.

وهذه الأمة مقدسة لكتاب ربها قرآنه المجيد، يكفيك ملايين حفظته وهم في ازدياد، حتى ناداها مناديها يا أمة القرآن من باب تسميتها بأبرز ما فيها وهو كتاب ربها وختم وحيه، أما حملة دعوته والساعون الجادون لتحكيم شريعته واستئناف الحياة على أساسه فهم ملء السمع والبصر.

وهذه الأمة مؤمنة إيمانا راسخا ببعثها ونشورها وحسابها وجنة ربها وناره، وترجو رحمة ربها ورضاه والجنة وتستعيذ من غضبه وسخطه وناره، وتعلم حقيق حالها في هوانها وضعفها وتشرذمها وغياب إسلامها وضياع سلطانها وتمكن عدوها منها وتسلط الرويبضات الخونة على أمرها، وتأسى وتبرأ من تقصيرها وتفريطها في أمر ربها وتسعى وترجو الخلاص من هذا الحال وإن تخبطت وتعثرت في بغية إسلامها، وتستغيث ربها وترجو عونه ونصره وتمكينه. وهي تعلم يقينا أن الله لن يقبل منها صرفا ولا عدلا متى خلت نفسها من إسلامه وحياتها من شريعته.

معشر العقلاء: لسنا نصنع شيئا غير تفصيل ما كان بداهة في عقول العامة قبل الخاصة أنه متى أطلق اسم الأمة فُهِم منه بداهة الأمة الإسلامية. فليس يمتري عاقل أن هذه الأمة نسجها خاص ودربها على ناموس الحياة خاص ولها عقلها وقلبها الخاص، ولا يماري عاقل أن هذه الصنعة الرفيعة هي صنعة الإسلام العظيم حتى كانت به الأمة الإسلامية وعالمها هو العالم الإسلامي، ولا ينكر ويماري في ذلك إلا من قلع الغرب مخه من رأسه وأركسه في مستنقع العمالة والخيانة.

معشر العقلاء: أما العقول فآلت أن القول بأن الأزمة أزمة هوية كذب وبهتان وإفك عظيم وتضليل عن الحقيقة وأي تضليل، والعقل معشر العقلاء كما قال شيخ المعرة: "والعقل غرس له بالصدق إثمار".

معشر العقلاء: من هذا الذي طمس الله على بصيرته فعاش لا يرى في نفسه مسلما يطمع في رحمة ومغفرة ربه مهما عظمت ذنوبه وخطاياه فكيف بأمة؟! دعوكم من شرار المعلمنين أخلاط الكفرة الصليبيين ومن ورثهم من المستشرقين الحاقدين فقد رتعوا في مراتع الحقارة وشربوا من مآسن الخيانة، فما كانوا إلا كير نفخ الغرب الصليبي الحاقد الذي لا يهدأ في إضرام نار لتحرق!

معشر العقلاء: إن هذه الأمة لا تعاني البتة أزمة هوية، ولكنها حقيق ويقين تعاني أزمة ومصيبة الضياع بفقد خلافتها وانفراط عقد سلطانها وشتات أمرها ونقض حياتها ومجتمعها ودارها وعسف الغرب الكافر بشرع ربها وحملها على اتباع غَيِّه وتعنتها بكفره، ضياع وتيه في صحراء الغرب القفر بين ركام حضارته المشؤومة المدمرة وحطام فلسفته المتعفنة النتنة. فهذه الأمة تعاني ضياعا وقهرا جراء أغلال وقيود الكافر المستعمر التي كبلتها، ومن قهر وجور حكام الجور والفجور رويبضات الزمن الرديء عبيد الغرب ورقيق سُخْرته، ومن نعيق ونهيق حمير المعلمنين الذي بهم فسد الفكر وفتق الرأي وخبث الذوق. وما أشقاها وأضيعها من حياة إذ اجتمعت على هذه الأمة أثافيها الثلاث؛ كافر مستعمر عدو حقود، ورويبضة عميل طاغية ظلوم، ومعلمن مغفل خسيس!!

معشر العقلاء: لقد صار حقا وواجبا أن نعي حقيقة ضياعنا وطبيعة صراعنا مع الغرب، من كونه صراع حضارتين على النقيض أسسا وجذورا وفروعا، حضارة ضاربة في أعماق الزمان بذرتها من وحي السماء غفت من غفلة وها هي تتمطى وتنازع فتورها لطرده عنها لتستعيد عافيتها وعنفوانها. وحضارة وليدة قبضة من أثر الشيطان وأتاها عصر الظلام فعاثت في الأرض فسادا وخرابا وجَرَّت عليهم الويلات وأوردتهم الهلاك، ثم مضت فيها سنة الله في المفسدين وها هي تنازع فناءها بل هلاكها.

معشر العقلاء: ما تاهت هذه الأمة عن ربها وما ارتدت ولا كفرت ولكن الغرب اللعين طمس طريقها إليه وأعنتها وأشقاها بزيغه وضلاله، وهي اليوم أقوى ما تكون متحفزة متأهبة للخلاص منه والانفكاك من قيوده والتحرر من أغلال كفره وضلاله ولا ترى إلا في إسلامها العظيم مخلصا ومنقذا، بعد أن قيض الله لها ثلة من أبنائها الواعين المخلصين الذين تكتلوا على أساس إسلامهم العظيم وجعلوا إقامة الخلافة قضيتهم في الحياة بوصفها الطريقة الشرعية لتطبيق أحكام الإسلام واستئناف الحياة الإسلامية.

ومن سواكم معشر حملة دعوة الإسلام العظيم والمتكتلين على أساسه والذين أقسموا أن يكونوا حراسا أمناء له ذابين عن حياضه يبذلون الغالي والنفيس في سبيل رفعته، من سواكم يكون لهذه الأمة هاديا ومرشدا؟! فوليكم الله وكفى بالله وليا مرشدا.

﴿اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ

#أقيموا_الخلافة           #الخلافة_101            #ReturnTheKhilafah#YenidenHilafet

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مناجي محمد

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر