ماذا أفعل لأجل غزة؟
August 01, 2025

ماذا أفعل لأجل غزة؟

ماذا أفعل لأجل غزة؟

صحيح أن الكثير والكثير يقولون: ماذا أفعل لأجل غزة وأنا شخص واحد؟ وما الجهد الذي يمكنني فعله لأجل من يموتون جوعاً هناك؟

نعم سؤال يردده الكثيرون، يتألمون، يتوجعون، يبكون أمام صور الجوع والمجازر في غزة، ثم يختمون بعبارة "لكنني لا أملك شيئاً... أنا فردٌ واحد"!

نقول إن من يسأل هذا السؤال هو إنسان قلبه حي يحس ويتألم لما يحدث للأمة عموماً، ولما يحدث لإخواننا في غزة خصوصاً، فنقول له جزاك الله خيراً على غيرتك وألمك، وهذا دليل حياة القلب.

وهنا تكون الإجابة الحقيقية:

إنك لست عاجزاً، بل موجَّهٌ إلى الطريق الخاطئ.

كل صرخة تنطلق من قلبك لأجل غزة يجب أن تُترجم إلى عمل سياسي شرعي منضبط، لأن ما تعانيه غزة ليس من قلة المساعدات، بل من غياب الراعي، غياب الدولة، غياب الإمام الجُنّة الذي تُقاتل من ورائه وتتقي به.

استجداء العروبة؟ ضياع.

استدعاء الإنسانية؟ سراب.

مناشدة الضمير العالمي؟ عبث.

كل هذه روابط باطلة، لم ولن تحرك جندياً واحداً، ولا تفتح معبراً، ولا تردّ صاروخاً.

الرابطة الوحيدة التي تحرك الجيوش وتوحد الأمة هي رابطة العقيدة الإسلامية لأن الذي جمع البشر وآخاهم هي عقيدة الإسلام فقط.

فما يحصل اليوم من مجازر وجوع، ليس بسبب قلة التبرعات، بل بسبب الأنظمة العميلة التي تحاصر غزة وتمنع الجيوش من التحرك لتحريرها من يهود.

إن ما يمكنك فعله، وما يجب أن تفعله:

1- أن ترفض الحلول الترقيعية، وتكشف فشل من يلتزمون بها.

2- العمل الجاد لإقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، فهي وحدها التي تقود الجيوش وتحطم الحدود وتحرر الأرض وتنصر المظلومين، ولم يحدث للمسلمين ما حدث إلا بعد هدمها.

3-كشف خيانة الحكام الذين يمنعون النصرة، وفضح تآمرهم على الأمة، وأن تكون لساناً ناطقاً بالحق، وعقلاً واعياً، وساعداً في حمل الدعوة، لا صدى لعواطف عاجزة.

فغزة لا تحتاج مشاعر، بل تحتاج دولة، ودورك أن تكون جزءاً من مشروع هذه الدولة.

4- نشر الوعي السياسي الشرعي بين الناس بأن الحل لا يكون إلا بتحكيم شرع الله، لا بالتوسل للأنظمة ولا التعلق بالمساعدات. فلا تقل أنا لا أستطيع، بل قل سأغير الاتجاه... وسأبدأ بخطوتي نحو التغيير الحقيقي.

5- بعد الأخذ بالأسباب والعمل مع العاملين لإقامة الخلافة، نرفع يد التضرع والدعاء إلى الله لرفع ما يحدث لإخواننا في غزة وفي كل مكان. ولنا في رسول الله إسوة حسنة في غزوة بدر بعدما رص الصفوف في ساحة المعركة رفع يديه وتضرع لله.

أخي المسلم تألمك لا يكفي، فهذا زمن الاصطفاف... فمن أين تكون؟

اليوم، كل مسلم بَلغته أخبارُ غزة، ورأى الجوع في أعين الأطفال، والدم في أزقة البيوت المهدمة، والأعراض تنتهك، مُطالب أن يحدد موقعه بوضوح؛ هل سيكون في صف العاملين لنصرة الدين؟ أم في صف الصامتين والمتخاذلين؟

ما يجري في غزة هو ابتلاء لنا:

- هل نغار كما يغار ربنا؟

- هل نتحرك كما أمرنا؟

- هل نقدم النصرة الحقيقية كما فُرضت علينا؟

إن الله قد جعل ثلاثة فروض في أعناقنا الآن لا يعذر فيها أحد:

1. الجهاد فرض عين لتحرير الأرض ورد العدوان.

2. إقامة الخلافة لتكون القائد الشرعي للأمة.

3. إسقاط الأنظمة العميلة التي تحرس حدود يهود وتخنق غزة وتمنع الجيوش من التحرك.

فمن يُكرمه الله في هذه المرحلة هو من يحمل هذه الفروض على كتفيه، ويسعى لها ليل نهار. ومن يُهينه الله هو من يُقنع نفسه بأن الدعاء وحده كافٍ، أو أن المساعدات تُغني عن إقامة الدولة، أو أن الأنظمة القائمة قد تصلح يوماً! فها هي آلاف الشاحنات تقف على أبواب غزة، لا يمنعها عجز لوجستي، ولا نقص تمويل، بل يمنعها تحالف مجرم بين يهود وحكامٍ خانوا الله ورسوله، وعلى رأسهم السيسي، صهيوني الهوى والولاء.

إن استمرار هذا الحصار برعاية نظام السيسي وغيره من حكام الضرار، يُظهر بما لا يدع مجالاً للشك أن هؤلاء الحكام هم العدو الداخلي الأخطر من العدو الخارجي.

ولذلك فالحل ليس فتح المعبر مؤقتاً ولا إرسال تبرعات تُحاصر، بل اجتثاث أصل البلاء وإسقاط الأنظمة التي تحمي يهود وتحاصر غزة وتحريك الجيوش لنصرة المسلمين لا لحماية حدود سايكس بيكو. فكل قطرة دم في غزة اليوم، وكل صرخة طفل، وكل أم مفجوعة، لا يقف خلفها فقط العدو المحتل، بل من وفر له الغطاء وأغلق عنه الأبواب، فالسيسي وأمثاله من الحكام لا يحمون حدوداً ولا سيادة، بل يحمون كيان يهود من غضبة الأمة، ويمنعون عن غزة مقومات الحياة.

فهذا الواقع المرير الذي نعيشه، حيث أصبحت صرخات المسلمين كأنها همسات الأموات، لا يسمعها أحد، ولا يتحرك لها قلب ولا جيش، هو نتيجة مباشرة لكسر ظهر الأمة عبر أنظمة عميلة، وجيوش مقيدة.

الصراخ الفردي في وجه الظلم - كصرخة الشاب المصري في صحن الحرم - وإن كان نابعاً من صدق وألم، لا يكفي فهو لا يصنع تغييراً في واقع تآمر عليه الحكام والطغاة، وغُيّبت فيه الأمة عن واجبها الشرعي بالتغيير.

وقد فهم هشام بن عمرو هذا الأمر قبل الإسلام، حين أدرك أن الصوت الفردي لا يكفي أمام الباطل، فبادر إلى تكوين جماعة تشاركه الموقف، حتى صاروا خمسة أقاموا تحالفاً نقض مقاطعة بني هاشم الجائرة ووقفوا ضد أبا جهل وأخرسوه. فكيف ونحن نعيش واقعاً أسوأ من حصار بني هاشم في شعاب مكة؟ إن الحل لا يكون بالانفعالات الفردية ولا بالعاطفة المجردة، ولا بالمساعدات العاجزة، بل يكون بالعمل مع جماعة مبدئية واعية تحمل مشروع الأمة، وتعمل على هدم الأنظمة التي تحرس كيان يهود، وتعيد الخلافة الراشدة التي تجمع المسلمين وتوحد الجهود.

فلا تقل: أنا فردٌ لا أقدر، بل اسعَ أن تكون جزءاً من هذه الكتلة السياسية المبدئية لتعيد للأمة صوتها وكرامتها وسيفها. فخلع الحكام العملاء ليس خياراً بل هو أوجب الواجبات لأن بقاءهم هو بقاء للاستعمار السياسي، والحصار العسكري، والذل الاقتصادي، والتمكين لكيان يهود الغاصب.

فالصواب أن تُوجَّه الناس إلى قصور الحكام العملاء، تُزلزل عروشهم، وتقتلعهم من جذورهم، فلقد ثبت بالدليل القاطع أن هؤلاء الحكام:

- يحاصرون غزة بأمر أسيادهم في الغرب

- يمنعون الجيوش من التحرك وهم يمتلكون السلاح والعدة

- يمنعون المساعدات أو يسرقونها أو يوظفونها سياسياً

- ويخدّرون الشعوب بشعارات التبرع والمظاهرات والدعاء، بينما يتركون المجازر تستمر!

أيها المسلمون: الواجب أن تكونوا صفاً واحداً مع من يعمل لإقامة الخلافة وإسقاط أنظمة الضرار، لا مع الوسطاء ولا مع المتاجرين بدماء غزة. أما أولئك الذين يرفعون شعار التبرعات فقط، وهم يتجاهلون أصل البلاء وهو النظام السياسي القائم فهم إما:

 - مغفلون مخدوعون.

- أو تجار فتنة ودماء يتكسبون من دموع المظلومين.

الحل سياسي شرعي جذري لا إنسانيات فارغة، ولا حلولاً ترقيعية. فخلع الحكام العملاء أوجب من التبرع، ومقدم على الدعاء، وأقرب إلى نصر غزة من كل الحلول السطحية. فإن الحكام اليوم هم أخطر من اليهود لأنهم الحاجز الحقيقي بين جيوش الأمة وبين ساحات الجهاد.

فعليك أنت، وعلينا نحن، وعلى الأمة جميعاً:

- أن نفضح الأنظمة القائمة التي تحاصر غزة وتدوس على كرامة الشعوب.

- أن نخاطب الجيوش، ونحمّلهم المسؤولية أمام الله والتاريخ، فهم من بيدهم السلاح والمواقع والثكنات.

- أن نكشف زيف أولئك الذين يخدرون الناس بشعارات التبرع والإنسانية، ويُبعدونهم عن الفرض العظيم: إسقاط الحكام وإقامة الخلافة.

فالواجب عليك إما أن تكون ممن يعمل مع حزب مبدئي لإعادة سلطان الإسلام، وإما أن تكون متفرجاً يُحاسب على تقصيره. فالخيار لك، لكن انضمامك لحَمَلَة التغيير هو الفعل الذي يرضي الله ويغير الواقع.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر